١ - تستطيع أن تقول إذا قرأت هذا الكتاب أنك كدت أن تحيط بمعاني السنة النبوية، لأنه حوى الهدي النبوي الذي روته أمهات كتب السنة وهي سبعة عشر كتابًا هي: صحيحا البخاري ومسلم، والسنن الخمسة: لأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه والدارمي، وموطأ الإمام مالك، ومسانيد الإمام أحمد وأبي يعلي الموصلي وأبي بكر البزار، وصحيحا ابن خزيمة وابن حبان، ومعاجم الطبراني الثلاثة، ومستدرك الحاكم، وما تيسر جمعه من غير هذه الكتب من صحيح السنة وحسنها.
فقد اتجه الهمة لأن تكون هذه الكتب السبعة عشر هي أصول هذا الكتاب، على أن أستفيد من الكتب التي جمعت بعضها أو أكثر من أمثال الجامع للأصول لابن الأثير أو مجمع الزوائد للهيثمي أو جمع الفوائد لحمد بن محمد بن سليمان المغربي.
٢ - وقد ألزمت نفسي ألا آخذ من هذه الأصول إلا حديثًا صحيحًا أو حسنًا، وقد أدخلت في الكتاب بعض ما صادفني من الحديث الصحيح أو الحسن مما ليس في الكتب السبعة عشر، فتميز هذا الكتاب على كتب الجمع الأخرى بأنه ما حوى إلا الصحيح والحسن، وحاول أن يستقصي أصوله، مع ملاحظة أن هناك روايات في أصول هذا الكتاب لا تدخل بشكل مباشر في مقصوده، فأسقطتها، فهناك روايات كثيرة مثلًا تتحدث عن أنساب الصحابة وعن تاريخ وفياتهم مما يصلح لدراسات إحصائية استقرائية، ومما محله كتب التاريخ ومما لا تعلق مباشرًا له بالهدي النبوي الذي يحتاجه كل مسلم، أو بالمعرفة التي يُطالب بها كل مسلم، ولذلك فقد أسقطت مثل هذه الروايات في الغالب من كتابي.
وقد أدخلت في هذا الكتاب بعض الأحاديث المرسلة مع ما يقال في الأحاديث المرسلة، لأن لها محلها في البناء الأصولي لمن يريد التحقيق، وأدخلت روايات أناس اختلف عليهم إذا حكم إمام لحديثهم بالصحة أو الحسن إذا وُجد ما يقوي الرواية.
٣ - ولم أكتف بتصحيح أو تحسين من اشتهر عنهم أنهم يتساهلون في التصحيح والتحسين كالترمذي وابن حبان والحاكم إلا إذا أكد ذلك إمام آخر أو محقق ثبت، وكل ذلك ليطمئن
[ ١ / ٢٥ ]
القارئ والداعية أن ما يأخذه من هذا الكتاب حجة وبه تقوم الحجة بإذن الله، ونرجو أن يكون مأجورًا في علمه وعمله إذا بناه على هذا الكتاب.
وإذا كنا أد
خلنا روايات لأناس اختلف عليهم فذلك لأن التصحيح والتحسين والتضعيف يخضع في بعض حيثياته لعوامل ذوقية. وللتبحر في علم الحديث، وللخبرة دخلهما في ذلك، ومن ثم كان للاجتهاد دخل في التصحيح أو التحسين أو التضعيف، ألا ترى أن بعض قواعد الجرح والتعديل محل خلاف؟
ومع أننا أدخلنا بعض ما اختلف فيه إذا كان التحقيق يوصل إلى تصحيح أو تحسين، فقد حاولنا أن نذكر وجهات النظر الأخرى إذا عثرنا عليها احتياطًا لحرمة جناب السنة النبوية المطهرة.
وإنما انصب جهدي على جمع الصحيح والحسن؛ لأنهما اللذان عليهما مدار الأحكام، وبهما تقوم الحجة، ولم أدخل الضعيف في متن هذا الكتاب - مع أن الضعيف لا يعتبر موضوعًا بالضرورة، وبالتالي فاحتمال أنه من كلام رسول الله ﷺ قائم - لأنني استهدفت بهذا الكتاب معاني متعددة ..
منها: أن يألف القارئ العبارة النبوية وأن يراها خالصة لا يخالطها غيرها.
ومنها: حفظ القارئ عن التشويش والاضطراب وتغير الخاطر وقلق الفكر.
ومنها: حفظ وقت القارئ.
ومنها: أن يندفع القارئ في العمل دون تردد.
٤ - وقد كنت ذكرت في مقدمة كتاب الأساس في التفسير بعض احتياجات الأمة الإسلامية في عصرنا بالنسبة للسنة فقلت:
أ - المسلم المعاصر عنده رغبة في أن يتعرف على السنة المتواترة والصحيحة والحسنة السند، ويحتاج إلى كتاب جامع لذلك كله، على أن يكون هذا الكتاب مضبوطًا شكله
[ ١ / ٢٦ ]
مشروحًا غريبه.
ب - والمسلم غير المتخصص في الحديث يهمه كذلك أن يأخذ الجوهر - دون ما احتاجه هذا الجوهر لحمايته - أي هو يحرص على أن يقرأ متون السنة دون أسانيدها.
جـ - والمسلم المعاصر بحاجة إلى أني فهم السنة فهمًا صحيحًا وأن يأخذ الجواب الشافي على كثير من الإشكالات، وأن يعرف كثيرًا من الأمور التي يتلجلج في قلبه سؤال عنها.
د - وهناك شبهات حول السنة يثيرها أعداء الله ﷿، وهناك مناقشات حادة حول الكثير من الأمور بين المسلمين أنفسهم في شأن فهم الكثير من متون السنة، وكل ذلك يحتاج المسلم المعاصر إلى أن يرتاح قلبه في شأنه.
هذا ما ذكرته في مقدمة كتاب التفسير عما يحتاجه المسلم المعاصر بالنسبة للسنة وشيء عادي أن أراعي ذلك في هذا الكتاب.
٥ - ولما كان هذا الكتاب ليس جمعًا للسنة فقط، بل جمع للسنة وحديث عن شيء من فقهها، وذلك من أهداف هذا الكتاب، فإنني أدخلت بعض تحقيقات أهل الاختصاص فيه، وذلك شيء لابد منه لمريد فهم السنة؛ فهناك نصوص في السنة فهمها بعض الناس فهمًا خاطئًا فضلوا وأضلوا، كتلك الفرق المنشقة عن جسم الأمة الإسلامية.
وهناك نصوص يمكن أن يفهمها بعض الناس فهمًا خاطئًا كالنصوص التي تتحدث عن تسلسل الأحداث إلى قيام الساعة، وأقواله - ﵊ - من جوامع الكلم، وأفعاله كلها في غاية من الحكمة، وفي هذا وذاك يوجد الفقيه والأفقه، والاستفادة من فقه أهل الفقه مهمة.
وهناك نصوص تعددت في فهمها أو في الموقف منها آراء أئمة الاجتهاد فكان لابد من تبيان أسباب ذلك لتبقى ثقة الأمة الإسلامية بأئمتها على أشدها فذلك هو الذي يعصم من السير وراء الأهواء، أو عن الاندفاع وراء الآراء الشاذة، أو عن الخطأ في المواقف.
وهناك - أيضًا - قضايا كثيرة تحتاج إلى أن يذكر فيها تحقيق المحققين كل في
[ ١ / ٢٧ ]
اختصاصه، فمثلًا: تجد في السيرة كثيرًا من النصوص الصحيحة والحسنة تشير إلى حادثة بعينها، ولكنك لا تجد في النصوص الصحيحة والحسنة التفصيلات، فإذا ما وجدت تفصيلات عند أئمة السير والمغازي فهذه التحقيقات مهمة ومفيدة، فهي لا تخرج عن أن يكون مضمونها مذهبًا لصاحب التحقيق، فإذا كان إمامًا فلنا في هذه الحالة أن نتابعه في قضية ليس فيها نص مخالف، وفي قضايا العقائد أو السلوك أو الفقه أو الطب أو التفسير نجد تحقيقات مهمة ومفيدة، تعين على الفهم أو تجيب على تساؤلات.
كل ذلك دعاني إلى إدخال تحقيق أهل التحقيق من أهل الاختصاص في هذا الكتاب، ولكن بأقصى ما أستطيع من الاختصار حتى لا يتوسع حجم الكتاب، وعلى هذا الهدي علقت وحشيت وهمشت وأدخلت كثيرًا من الفوائد ليحقق الكتاب مجموع أهدافه.
٦ - وإذ كنت مولعًا بالبحث عن الكليات وربط أجزائها بها فقد راعيت في هذا الكتاب أن تأخذ موضوعات السنة محلها ضمن تسلسل يستشعر فيها القارئ وحدة السنة النبوية وكأنها في الأصل كتاب واحد.
٧ - وقارئ هذا الكتاب يخرج بانطباع أنه أمام أعظم هدي بشري لنبي. وقد راعيت فيه أن لا يمل قارئه وأن يزداد رغبة في القراءة كلما أوغل فيه، كما راعيت فيه أن يخرج قارئه وقد فقه السنة حق الفقه، مركزًا على ما يغفل عنه أبناء العصر من موضوعات تفرضها وقائع ومناقشات.
٨ - وقد بذلت جهدًا كبيرًا في تحقيق روايات بعض الكتب التي لم تنل من التحقيق ما يكفي، مما يعتبر وحده جهدًا تتوجه إليه مقاصد الراغبين في السنة، كمجمع الزوائد للهيثمي، وقمت بضبط وتحقيق وتشكيل ما يشكل على القارئ العادي، معتمدًا في ذلك على مصادر السنة الصحيحة المحققة وكتب اللغة المعتمدة.
٩ - وقد كان لأعداء الإسلام دور كبير في محاولة التشكيك في السنة وفي بعض معانيها، مما جعلني ألحظ ذلك في تأليف هذا الكتاب بشكل غير مباشر، بحيث تعود الكرة إلى مرمى أهلها، فيصبح ما هو محل تشكيك في زعمهم محل إيمان كما هو في الواقع والحقيقة.
[ ١ / ٢٨ ]
١٠ - وإذا كانت بعض الموضوعات تحتاج إلى الاستفادة من معطيات عصرنا، وإذ كانت بعض معطيات عصرنا تُظهر من معجزات نبينا ﷺ الكثير، فقد كان هذا وهذا محل تركيز في هذا الكتاب.
١١ - ثم إن المسلم في عصرنا يحتاج إلى أن تفتح أمامه آفاق جديدة على الحاضر والمستقبل التزامًا وتطبيقًا، وأملًا وتفاؤلًا، وإذ كانت النصوص تعطي هذا كله فقد كان هذا محل تركيز في الكتاب، خاصة وأن بعض الموضوعات قد فهمت فهمًا مغلوطًا انعكس على نفسية الأمة يأسًا وإحباطًا.
١٢ - وكما أن بعض الموضوعات قد ركزت عليها شرحًا وتقديمًا وتعليقًا وتلخيصًا وإلحاقًا إياها بمسائل وفوائد، فإنني سردت أحاديث بعض الموضوعات سردًا؛ لرؤيتي أن حاجة المسلم هي تملي هذه النصوص صرفًا لم تُشبْ بتعليقات الرجال.
١٣ - ومع هذا كله فإن هذا الكتاب لا يعتبر شرحًا تقليديًا للسنة ولا يعتبر تحقيقًا تقليديًا لها، ولكنه كتاب يعطيك السنة عن أقرب طريق ويعطيك فهمًا لها عن أيسر طريق، الحشو فيه مستبعد، والتعقيد فيه متروك، هذا مع المحاولة بألا يفوتك شيء من الهدي النبوي إن شاء الله.
١٤ - والأصل عندي أن أختصر ما أمكن ليسهل على القارئ الاستيعاب السريع، ولذلك لم أكرر إلا حيث وجدت ملحظًا يقتضي التكرار: إما لإعلام أن أكثر من صحابي قد روى معنى من المعاني، وإما لضرورة أن يكرر حديث في أكثر من مكان إلى غير ذلك من الضرورات، ولقد أهملت بعض المعاني الفنية عمدًا رغبة في الاختصار، حيث أجد أن ما أذكره كاف ليثق المسلم فيعتقد ويعمل.
ومن باب الاختصار أيضًا أنني في بداية كل حديث أذكر من أخرجه، ثم أحذف السند، وأكتفي بالصحابي الذي رواه فأقول مثلًا: روى البخاري عن أبي هريرة وكان ينبغي أن يقال: روى البخاري بسنده عن أبي هريرة، ولكن حذفت الجار والمجرور تخفيفًا، اعتمادًا على أن هذا مفهوم من الكلام، ويستطيع القارئ الكريم أن يقدرهن بناء على معرفته بشرط هذا الكتاب.
[ ١ / ٢٩ ]
١٥ - وفي عملية جمع النصوص من أصول هذا الكتاب صادفني أن بعض الروايات موجودة في أكثر الأصول فلم أر أن أذكر الصول كلها في العزو لأن ذلك يضخم حجم الكتاب دون فائدة للقارئ العادي، ولذلك اختصرت في العزو بالقدر الذي يحقق الغرض، وإذ كانت أكثر روايات الأصول الزائدة على الكتب الستة تكرارًا لما في الكتب الستة، فإنك لا تجد كثيرًا من العزو إلى هذه الأصول، فلا تظنن أن هذا قصور في الكتاب.
١٦ - وعلى عادتي فيما أؤلف فإنني لا أتوانى أن أنقل تحقيقات المحققين مما يحتاجه كتابي، دون أن أحاول إعادة صياغته، ولا حرج عليَّ في كل ما فعلته فلقد درج علماء المسلمين خلال العصور على أن يعتبروا مجرد الدمج بين كتابين أو أكثر هدفًا، وأن يعتبروا الانتقاء والاختيار من كتاب أو مجموعة كتب هدفًا، وأن يزيد اللاحق على فعل السابق آخذًا جهده مضيفًا إليه هدفًا، ومجرد تجميع الفوائد من كتب متعددة هدفًا.
فإذا حاولت أن أوجد عقد جوهر من جواهر مبثوثة، فإني لا أجد حرجًا من أن أكثر النقل فقد لا يصل الكتاب المنقول عنه إلى قارئي فأكون وسيطًا، ثم إن كثيرين يعرضون بعض الأمور عرضًا موفقًا قد لا أطيقه لو أني أردته، فماذا لو أنني رصعت كتابي بفوائد أمثال هؤلاء؟!
١٧ - وقد أفدت من تحقيقات البوصيري لزوائد ابن ماجه، وتحقيقات عبد الله اليماني لجمع الفوائد وتحقيقات عبد القادر أرناؤوط لجامع الأصول وتحقيقات الهيثمي لمجمع الزوائد وتحقيقات الذهبي للحاكم وتحقيقات الشيخ عبد الفتاح أبو غدة وناصر الألباني وشعيب الأرناؤوط وغيرهم، فجزى الله الجميع خيرًا.
١٨ - ولعل قصة الجهد الذي بذلناه في هذا الكتاب تجعل لنا عند أهل الإنصاف عُذرًا فيما يرونه من تقصير، فلكي أتجنب أخطاء النقل الكتابي، ولكي لا يفوتني حديث من أحاديث الكتب التي قررت أن أجمع منها هذا الكتاب، فقد جعلت كل حديث من أصول هذه الكتب في ورقة مستقلة تصويرًا أو أخذًا مباشرًا من نسخ هذه الكتب، حتى إذا انتهى
[ ١ / ٣٠ ]
هذا الجهد، وجدتني أمام عشرات الآلاف من أوراق، فبدأت بحذف الضعيف، وضم النظير إلى النظير، على ضوء نظرية جامعة في الترتيب والتبويب، ثم كانت مرحلة ثانية وثالثة ورابعة، وخامسة حتى استكمل هذا الكتاب شكله الذي أقدمه إليك.
ونرجو من أي إنسان عنده علم في السنة أن يقدم لنا ملاحظاته، فنحن بفضل الله نفرح إن أهدانا أحد هدية الدلالة على خطأ.
* * *
[ ١ / ٣١ ]