لم ينص الإمام مسلم على أن شرطه في صحيحه (٢) هو كذا، وإنما استخرج العلماء ذلك من النظر في كتابه؛ والذي استخلصوه أن شرطه في صحيحه أنه لا يخرج الأحاديث إلا عن العدول الضابطين، الموثوق بصدقهم وأمانتهم، وحفظهم ويقظتهم وعدم غفلتهم، كما يخرج عمن دون ذلك من الرواة وأنه لا يخرج في كتابه بالأصالة إلا الأحاديث المسندة المتصلة المرفوعة إلى النبي ﷺ.
_________________
(١) هو حافظ عصره عبيد الله بن عبد الكريم، كان من أفراد الدهر حفظًا وذكاء ودينًا، وإخلاصًا، وعلمًا وعملًا، وكانت وفاته سنة أربع وستين ومائتين.
(٢) وذلك فيما عدا العنعنة فقد ذكر في مقدمة صحيحه اكتفاءه في إفادتها الاتصال بالمعاصرة ولم يشترط الملقي وأنحى باللائمة على من اشترطه أيضًا.
[ ١ / ٤٤ ]
ومعنى هذا أنه لم يلزم نفسه بما التزم به البخاري من مراعاة مستوى خاص في الرواية والرواة، بل توسع في شرطه فروى عن رواة لم يرو لهم البخاري في صحيحه، ولعلك على ذكر من المثال الذي ذكرناه أثناء الكلام على شرط البخاري في صحيحه، وهو أن تلامذة الإمام ابن شهاب الزهري على خمس طبقات: الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ولكل طبقة مزية على التي تليها في الحفظ والإتقان وطول الملازمة والصحبة.
وقد ذكرنا هناك أن البخاري يخرج أحاديث الطبقة الأولى، ويخرج من أحاديث الطبقة الثانية قليلًا وفي غير أصول الكتاب.
أما مسلم فيخرج أحاديث رجال الطبقة الأولى والثانية استيعابًا، ويخرج من أحاديث الطبقة الثالثة قليلًا، وذلك في المتابعات والشواهد لا في أصل الكتاب، ولعل فيما ذكره مسلم في مقدمة صحيحه ما يلقي لنا ضوءًا نتعرف به شرطه في صحيحه ذلك أنه قسم الأحاديث ثلاثة أقسام:
الأولى: ما رواه الحفاظ المتقنون.
الثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ والإتقان.
الثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون وقد ذكر أنه إذا فرغ من القسم الأول أتبعه الثاني وأما الثالث فلا يعرج عليه (١) وهو يؤيد ما ذكرناه.