قال ابن الأثير - صاحب جامع الأصول - في ترجمة البخاري:
هو أبو عبد الله: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعفي البخاري.
وإنما قيل له: الجُعْفي لأن المغيرة - أبا جدِّه - كان مجوسيًا، أسلم على يد يمان البخاري، وهو الجعفي والي بُخارّى، فنُسب إليه حيث أسلم على يده.
وجُعْفي: أبو قبيلة من اليمن، وهو جُعْفي بن سعد العشيرة بن مذحج، والنسبة إليه كذلك.
ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلّتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفي ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة، إلا ثلاثة عشر يومًا، ولم يعقب ذكرًا.
والبخاري - الإمام في علم الحديث - رحل في طلب العلم إلى جميع محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال، والعراق والحجاز، والشام ومصر، وأخذ الحديث عن المشايخ الحفاظ.
منهم: مكي بن إبراهيم البلخي، وعبدان بن عثمان المروزي، وعبيد الله بن موسى العبسي، وأبو عاصم الشيباني، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن يوسف الفريابي، وأبي نُعيم الفضل بن دُكَيّن، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسماعيل بن أبي أويس المدني، وغير هؤلاء من الأئمة.
وأخذ عنه الحديث خَلْقٌ كثير في كل بلدة حدث بها.
قال الفِرَبْرِي: سمع كتاب البخاري تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري، وكذلك لا يروي اليوم - صحيح البخاري - عن أحد سواه.
وردَّ على المشايخ وله إحدى عشرة سنة، وطلب العلم وله عشر سنين.
[ ١ / ٣٦ ]
قال البخاري: خرجت كتاب الصحيح من زهاء ستمائة ألف حديث، وما وضعت فيه حديثًا إلا صليت ركعتين.
وقدم البخاري بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوها على البخاري، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث. فلما اطمأن المجلس بأهله، وانتدب إليه رجل من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه. حتى فرغ من العشرة. والبخاري يقول: لا أعرفه. فأما العلماء فعرفوا بإنكاره أنه عارف، وأما غيرهم فلم يدركوا ذلك منه. ثم انتدب رجل آخر من العشرة فكان حاله معه كذلك، ثم انتدب آخر بعد آخر، إلى تمام العشرة، والبخاري لا يزيد على قوله: لا أعرفه.
فلما فرغوا التفت إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول، فهو كذا، والثاني كذا على النسق، إلى آخر العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، ثم فعل بالباقين مثل ذلك، فأقر له الناس بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل.