قال صاحب الرسالة المستطرفة:
وصحيح أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الحاكم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن الييّع - بوزن قيّم - صاحب التصانيف التي لم يسبق لمثلها ككتاب (الإكليل) وكتاب (المدخل إليه) (وتاريخ نيسابور) (وفضائل الشافعي) وغيرها، المتوفى بنيسابور سنة خمس وأربعمائة، وهو المعروف بـ (المستدرك على الصحيحين) مما لم يذكراه وهو على شرطهما، أو شرط أحدهما، أولا على شرط واحد منهما. وهو متساهل في التصحيح. واتفق الحفاظ على أن تلميذه البيهقي أشد تحريًا منه.
وقد لخص مستدركه هذا الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز التركماني الفارقي الأصل الذهبي نسبة إلى اذهب كما في النصير الدمشقي الشافعي المتوفى بدمشق سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، وتعقب كثيرًا منها بالضعف والنكارة أو الوضع، وقال في بعض كلامه: إن العلماء لا يعتدون بتصحيح الترمذي والحاكم. وذكر له ابن الجوزي في موضوعاته ستين حديثًا أو نحوها. ولكن انتصر له الحفاظ في أكثرها.
وفي التعقيبات أنه جَرَّد بعض الحفاظ منه مائة حديث موضوعة في جزء، ولجلال الدين (توضيح المدرك في تصحيح المستدرك) لم يكمل ولخصه أيضًا - أعني المستدرك - برهان الدين الحلبي - وزعم أبو سعد الماليني أنه ليس فيه حديث على شرطهما، ورده الذهبي بأنه غلو وإسراف، بل فيه جملة وافرة على شرطهما، وأخرى كبيرة على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك نحو نصف الكتاب، وفيه نحو الربع مما صح سنده، وإن كان فيه علة، وما بقي فهو مناكير وواهيات لا تصح وفي بعض ذلك موضوعات، ويقال: إن السبب في التساهل الواقع فيه أنه صنفه أواخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغير أو أنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قدر الخمس الأول منه قليل جدًا بالنسبة لباقيه، وقد قال الحافظ: وجدت قريبًا من نصف الجزء الثاني - من تجزئة ستة من المستدرك - إلى هنا انتهى إملاء الحاكم، قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة،
[ ١ / ٧٧ ]
والتساهل في القدر المملى قليل جدًا بالنسبة إلأى ما بعده. وقد قال الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم. وقال العماد ابن كثير: قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة وهما خير من المستدرك بكثير وأنظف أسانيد ومتونًا، وقال غيرهما: صحيح ابن خزيمة أعلى مزية من صحيح ابن حبان وصحيح ابن حبان أعلى من الحاكم، وهو مقارب للحاكم في التساهل، لأنه غير متقيد بالمعدِّلين، بل ربما يخرج للمجهولين لا سيما ومذهبه إدراج الحسن في الصحيح، ولكن هذا كله اصطلاح له ولا مُشاحة فيه، على أن في صحيح ابن خزيمة أيضًا أحاديث محكوم منه بصحتها وهي لا ترتقي عن درجة الحسن، بل وفيما صححه الترمذي من ذلك أيضًا جملة من أنه يفرق بين الصحيح والحسن وحينئذ فلابد من النظر في أحاديث كل ليحكم على كل واحد منه بما يليق به. والله أعلم.
وفي تدريب الراوي:
واعتنى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في المستدرك بضبط الزوائد عليهما، مما هو على شرطهما أو على شرط أحدهما، أو صحيح مصحح وإن لم يوجد شرط أحدهما، وربما أورد فيه ما لم يصح عنده منبهًا على ذلك وهو متساهل في التصحيح. وقد لخص الذهبي مستدركه وتعقب كثيرًا منه بالضعف والنكارة، وجمع جزءًا في الأحاديث التي فيه وهي موضوعة فذكر نحو مئة حديث. فما صححه الحاكم ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحًا ولا تضعيفًا، حكمنا بأنه حسن، إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه، أهـ ملخصًا.
وقد أغنانا عن ذلك الذهبي، فما أقره عليه فهو صحيح، وما سكت عنه ولم يتعقبه بشيء فهو كما قال ابن الصالح: حسن. وقد رأيت العزيزي في (شرحه للجامع الصغير) يحتج كثيرًا بتقرير الذهبي للحاكم على التصحيح، فليعلم ذلك. والله أعلم. أهـ.
وقد علق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة على قول صاحب تدريب الراوي: (فما صححه الحاكم ولم تجد فيه لغيره من المعتمدين ..) بقوله:
هذا كلام ابن الصلاح في (مقدمته) ووافقه النووي في (التقريب) وقد انتقده السيوطي في (التدريب) ص ٥٣ فقال عقبه: اله البدر بن جماعة: والصواب أنه يتتبع
[ ١ / ٧٨ ]
عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الصحة أو الضعف، ووافقه العراقي وقال: إن حكمه أي: ابن الصلاح - عليه بالحسن فقط تحكم.
قال إلا أن ابن الصلاح قال ذلك بناء على رأيه: أنه قد انقطع التصحيح في هذه الأعصار، فليس لأحد أن يصحح، فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه، والعجب من المصنف - أي النووي - كيف وافقه هنا؟ مع مخالفته له في المسألة المبني عليها.
* * *
[ ١ / ٧٩ ]