ثم فتر الوحي عن رسول الله - ﷺ - فترة، كما ثبت ذلك في بعض طرق حديث عائشة السابق، وفي "الصحيحين" عن جَابِر بن عبد الله أَنَّهُ سَمِعَ رسول الله -ﷺ - يَقُولُ: "ثُمَّ فَتَرَ عَنِّي الْوَحْي فَتْرَةً" ولم يذكر النبي - ﷺ - كم كانت مدة
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (٣)، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، مسلم (١٦٠) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) انظر: "سيرة ابن هشام" ١/ ١٧٢.
[ ٥٧ ]
فترة الوحي، واختلفت فيه أقوال العلماء اختلافًا شديدًا.
إلا أن المبارك فوري قال في كتابه "الرحيق المختوم": وقد ظهر لي شيء غريب بعد إدارة النظر في الروايات وفي أقوال أهل العلم ولم أر من تعرض له منهم، وهو أن هذه الأقوال والروايات تفيد أن رسول الله -ﷺ - كان يجاور بحراء شهرًا واحدًا، وهو شهر رمضان من كل سنة، وذلك من ثلاث سنوات قبل النبوة، وأن سنة النبوة كانت هي آخر تلك السنوات الثلاث، وأنه كان يتم جواره بتمام شهر رمضان، فكان ينزل بعده من حراء صباحًا -أي: لأول يوم من شهر شوال- ويعود إلى البيت. وقد ورد التنصيص في رواية "الصحيحين" على أن الوحي الذي نزل عليه - ﷺ - بعد الفترة إنما نزل وهو راجع إلى بيته بعد إتمام جواره بتمام الشهر. أقول فهذا يفيد أن الوحي الذي نزل عليه بعد الفترة إنما نزل في أول يوم من شهر شوال بعد نهاية شهر رمضان الذي تشرف فيه بالنبوة والوحي، وأنه كان آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزول كان في ليلة الاثنين الحادية عشرة (١) من شهر رمضان فهذا يعني أن فترة الوحي كانت لعشرة أيام فقط، وأن الوحي نزل بعدها صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من النبوة (٢).
وأما ما ذكر في حديث عائشة - ﵂ - عن محاولة النبي - ﷺ - التردِّي من شواهق الجبال فقد ذهب ابن حجر إلى أنه بلاغ مرسل من مراسيل الزهري ومراسيل الزهري ضعيفة (٣).
وردَّ الألبانيُّ هذه الزيادة بعلتين:
الأولى: تفرد معمر بها دون يونس وعقيل فهي شاذة.
_________________
(١) والصواب: الحادية والعشرين.
(٢) "الرحيق المختوم" (٧٦).
(٣) "فتح الباري" ١٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠.
[ ٥٨ ]
الثانية: أنها مرسلة معضلة ولم تأت من طريق موصولة يحتج بها.
ثم ذكر أنها زيادة منكرة من حيث المعنى، إذ لا يليق بالنبي المعصوم أن يحاول قتل نفسه مهما كان الدافع له على ذلك (١).