قال ابن حجر نقلًا عن البغوي:
وكان من المستضعفين ممن يعذب في الله (٢).
ولما أقبل أبو ذر الغفاري - ﵁ - إلى مكة مؤمنًا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: "ارْجِعْ إلى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي" فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، فثَارَ عليه الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، فَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ! أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُمْ إِلَى الشَّامِ عَلَيْهِمْ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهَا، وَثَارُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ فَأَنْقَذَهُ (٣).
فهذا قليل من كثير مما لاقاه النبي - ﷺ - وأصحابه من كفار مكة لإرغامهم على ترك عقيدة التوحيد.
ووالله ما كان هذا منهم لتكذيبهم له - ﷺ -، فهم يعلمون جيدًا أنه الصادق، وقد شهدوا له بذلك حتى بعد مبعثه - ﷺ -، ولكن الذي حملهم على ذلك جحودهم وظلمهم وكبرهم! قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا
_________________
(١) متفق عليه أخرجه البخاري (٢٤٢٥)، كتاب: الخصومات، باب: التقاضي، ومسلم (٢٧٩٥) كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: سؤال اليهود النبي - ﷺ - عن الروح.
(٢) "الإصابة" ٢/ ٩٠٩.
(٣) صحيح: أخرجه مسلم (٢٤٧٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل أبي ذر.
[ ٧٤ ]
يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ﴾ [النمل: ١٤]، وكانوا ينكرون على النبي - ﷺ - ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥] وكان من أسباب محاربتهم للدعوة أن قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١].
فلم يكن عندهم أدنى استعداد لترك دين الآباء والأجداد حتى قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢].
ثم التجأ المشركون- بعد ذلك إلى أسلوب آخر ألا وهو أسلوب التشكيك -أي: تشكيك المؤمنين في دينهم ونبيهم- فلجأوا إلى طلب المستحيلات، حتى يعجز عنها النبي - ﷺ -، ثم يغمزُن بعد ذلك أصحابه أنه لو كان نبيًا حقًا لما عجز عن ذلك، فكانوا يطالبونه بهذه الآيات ويقولون حتى تطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين، وهم لا ينوون في قرارة أنفسهم إلا نكران هذه الآيات.
فلما علم الله منهم أنهم يطالبون بهذه الآيات على وجه العناد لا على وجه طلب الهدى، والرشاد لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا ولا ما إليه رغبوا، لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيِّهم وضلالتهم يترددون (١).
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵁ - قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا
_________________
(١) "البداية والنهاية" ٣/ ٥٦.
[ ٧٥ ]
الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنُ بِكَ، قَالَ: "وَتَفْعَلُوا؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدَعَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لك: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ الرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ، قَالَ: "بَلْ بَابُ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ" (١).