والذي يعنينا من هذا كله الدروس والعبر والعظات التي يجدها شارح السيرة في هذه الغزوات التي غزاها النبي ﷺ.
فأول ذلك: أن يعلم المرء أن الله ما أمر بشيء أعظم من توحيده، وما نهى عن شيء أعظم من الإشراك به، فما بعث الرسل ولا أنزلت الكتب إلا ليعبد الله وحده دون سواه، ففي بدر قال ﵊ لأصحابه: (امضوا؛ فإن الله وعدني إحدى الطائفتين)، وقلنا: إن إحدى الطائفتين العير أو النصر، فلما فر أبو سفيان بالعير ونجا ذهبت الأولى، وبقيت الثانية وهي النصر، فهو ﵊ أتى بدرًا وهو يعلم أنه منصور لا محالة؛ لأن الله وعده، وأخبر الناس بذلك، ومع ذلك وقف ﷺ ليلة بدر في العريش رافعًا يديه يدعو ويتضرع إلى الله ويسأله جل وعلا ويحمد الله بحامد عظيمة حتى قرب الصبح، وهو يعلم أنه منصور، ولكنه فعل ذلك ليحقق التوحيد على أكمل وجه، والتوحيد لا يتحقق في مظهر أكبر من دعاء الله ﵎، فوقف ﷺ يدعو ويلح على ربه حتى أشفق عليه أبو بكر، فجاءه من الخلف والتزمه وقد سقط رداءه ﷺ عن كتفيه، وهو واقف يتضرع إلى ربه ويدعوه في أمر قد أخبره الله جل وعلا بأنه كائن، فما وقف ﷺ يدعو إلا ليبين التوحيد للناس، وليعلم كل أحد أنه لا يمكن لمخلوق أن يستغني عن الله ﵎ طرفة عين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، والعبد لو ترك لحوله وفصاحته أو ماله أو بلاغته أو أولاده أو عشيرته أو ملكه أو سلطانه لهلك، فلا ينجي من كل مكروه إلا الله، ولا يهب النعم ويعطيها ويمنحها إلا الله، فمن استعان بالله جل وعلا وفق، وقد تجد الرجل من الفصاحة والبلاغة والدعوة بمكان، وتجد من يدعوه لا يتأثر؛ لأن الله لم يكتب لذلك المتلقي التأثر، قال الله جل وعلا حكاية عن نوح بعد أن أخلص لقومه ودعاهم وبين لهم معالم الهدى: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤]، فمهما بذلت معكم من جهد فلا ينفع إن كان الله جل وعلا لم يرد لكم الهداية.
فاسأل الله ﵎ من فضله، وأر الله جل وعلا من التضرع والمسكنة ما يحب يعطك الله جل وعلا ما تحب من خيري الدنيا والآخرة.
[ ٣ / ١٥ ]