وأما العباس فقد كان أسن من النبي ﷺ بثلاث سنوات -أي أكبر-، لكنه كان مؤدبًا، فإذا سئل أيهما أكبر أنت أم رسول الله ﷺ؟ يقول: هو أكبر مني، وأنا أسن منه، فهذا من الأدب؛ فكلمة أكبر تحتمل أشياء كثيرة، فيقول: هو أكبر مني، أي: في الفضل والعلم والعقل والدين والهداية، وأنا أسن منه، وكلمة أسن تعطي نفس المعنى بالسن، لكنها تؤتي نفس الضعف، كمن يقال: أسن فلان، يعني: ضعف، فاللغة من يعرفها كثيرًا يستطيع أن يلعب بألفاظها، فقال العباس: هو أكبر مني، وأنا أسن منه.
قلنا: إن العباس أسلم قبل عام الفتح على الصحيح، وفي معركة خيبر كان أحد الصحابة قد أسلم ويخفي إسلامه عن قريش، ثم لما دخل مكة والنبي ﵊ قد انتصر في خيبر، أشاع هذا الرجل في القرشيين أن النبي ﵊ غلب في خيبر وهزم وقتل، حتى يطمئن على ماله ويريد أن يخرج من مكة، قبل أن يخرج جاء إلى العباس وقال له: إن النبي ﵊ قد انتصر، وإنما أنا قلت هذا خوفًا على تجارتي، وأبشرك أن النبي ﵊ قد تزوج بنت ملكهم، أي: بنت حيي بن أخطب، فسكت العباس حتى اطمأن أن صاحبه هذا خرج من مكةفلبس أحسن ثياب -وهذه عادة عند القرشيين الناس من قديم يفرون من الشماتة- فدخل المسجد وقريش في أنديتها تحسب أن النبي ﵊ قد غلب في خيبر أو قتل، فدخل وهو متجمل متطيب وطاف بالبيت، فلما طاف بالبيت جاء القرشيون إليه يقولون له: هذا والله التجمل لحر المصيبة يا أبا الفضل، يعنون أن محمدًا ابن أخيه قد مات، هذا والله التجمل لحر المصيبة يا أبا الفضل! وهي كنية العباس، فقال: وما ذاك؟ فقالوا له: قتل ابن أخيك كذا وكذا، قال: كذبتم، والله لقد أضحى منتصرًا معرسًا في ابنة ملكهم، أي: متزوجًا بابنة ملكهم، ثم تبين للقرشيين صدق ما قاله أبو الفضل ﵁ وأرضاه.
ثم هاجر العباس بعد ذلك وأدرك النبي ﷺ عندما مات، وقلنا: إنه واحد من الستة الذين اشتركوا في غسل النبي ﵊، وقلنا: إن الصحيح أنه لم ينزل القبر، وإنما نزل قبره ابناه قثم والفضل، وكنيته أبو الفضل ﵁ وأرضاه.
وزوجته كنيتها أم الفضل لها أخت اسمها ميمونة، وكان أبو الفضل العباس يرى من ميمونة أخت زوجته يرى منها التقوى، فأشار على النبي ﵊ أن يتزوجها فتزوجها، وهي ميمونة بنت الحارث الهلالية، وهي خالة ابن عباس كما سيأتي، فكان عندها مع النبي ﵊ فينقل للناس أخبار قيام الليل عن رسول الله ﷺ.
والعباس كان الصحابة يعرفون له قدره وأنه سيد بني هاشم في زمانه؛ لأنه أكبرهم، وهو أول من صلى على رسول الله ﷺ وهو ميت، وقلنا في درس وفاته ﵊: إن الناس صلوا عليه أرسالًا -أي: متفرقين-، فكان أول من صلى عليه عمه العباس، ولم يتقدم أحد، ثم صلى عليه بنو هاشم كلهم كـ علي وغيره من بني هاشم.
هذا ما كان من العباس ﵁، وقد أكرمه الله أن من ذريته ابنه عبد الله بن عباس الصحابي المعروف بالعلم، ثم من ذريته قيام دولة بني العباس، فـ أبو العباس السفاح مؤسس دولة بني العباس من ذرية العباس بن عبد المطلب ﵁، وإنما سميت دولتهم بالدولة العباسية نسبة إلى العباس بن عبد المطلب عم النبي صلوات الله وسلامه عليه.
هذا بالنسبة لأعمامه.
[ ٢ / ٦ ]