ولقد حرص سلف الأمة ﵃ ورحمهم الله على كل ما يتعلق بنبينا ﷺ، حتى إنهم دونوا ما كان يركبه ﷺ وما كان يملكه من الدواب، وهذا أمر محمود لهم، وقد كان السلف كذلك من عنايتهم بكل ما يتعلق به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يؤكد ما قلناه من أن من أحب شيئًا أحب ما يتعلق به.
أما ما ذكره المصنف فإنه بالنسبة لطالب العلم لا يلزم حفظه كله، والمقصود عندما تتذكر الأحاديث أن تربط الأحاديث الفقهية أو غير الفقهية بما قرأت في السيرة.
مثال ذلك: حديث خزيمة بن ثابت أن النبي ﷺ اشترى فرسًا من رجل من بني مرة ولم يكن هناك شاهد، فكأنهما اختلفا في أمر، فطلب الأعرابي شاهدًا يشهد أن النبي ﷺ اشترى منه هذا الفرس؛ لأن النبي ﵊ اتفق معه على سعر، ثم إن الأعرابي كأنه طمع، فقال: ما بعتك، فقال النبي ﵊: إنك بعتني إياه، وقد انتهينا من الأمر، فلم يجد شاهدًا، فجاء خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقال: أنا أشهد أن النبي ﷺ اشتراه منك بكذا وكذا.
فلما شهد قال له ﵊: كيف تشهد -وهو يعلم أنه لم يحضر-؟! فقال: يا رسول الله! إنني أصدقك بخبر السماء -أو كلمة نحوها- أفلا أصدقك في أنك اشتريت فرسًا من أعرابي بكذا وكذا.
فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
فالإنسان أحيانًا يرزقه الله موهبة في انتهاز الفرص الحسنة، ومن أمثلة هذا من السيرة ما فعله أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، فالنبي ﵊ لما دخل المدينة كان فيها حيان عظيمان: الأوس والخزرج، فكان راكبًا على الناقة، فيقول له الخزرج: هلم إلى هاهنا يا رسول الله، فيقول: (خلو سبيلها فإنها مأمورة)، ويقول الأوس نفس الكلام، فيقول: (خلو سبيلها فإنها مأمورة)، وكان بين الأوس والخزرج من النزاعات ما الله به عليم، فلم يكن يحب ﵊ أن ينزاح ويميل إلى أحدهما من أول الأمر، فلما بركت الناقة تركها النبي ﷺ، ولم ينزل، ثم قامت وجالت جولة ثم رجعت وبركت في موطنها الأول، ولم ينزل ﵊؛ إذ لو نزل عند الأوس لقال الخزرج: مالأ علينا من أول يوم، ولو نزل عند الخزرج لقالت الأوس مثل ذلك، فبقي على الناقة.
فجاء أبو أيوب الأنصاري، فعمد إلى متاع النبي ﵊ وأدخله بيته، فلما أدخله بيته حسم الأمر، فلما جاء الناس المجاورون للأرض التي أصبحت بعد ذلك مسجدًا يقولون: يا رسول الله! هاهنا هاهنا.
قال ﵊: (المرء مع رحله)، فظفر أبو أيوب ﵁ وأرضاه بسكنى النبي ﵊ عنده من دون غيره من الأنصار بتفكيره وانتهازه للفرصة الحسنة.
وكذلك خزيمة بن ثابت، فإن كل الصحابة يصدقون النبي ﵊ بخبر السماء، ولكن خزيمة انتهز الفرصة أكثر من غيره، وقال: أنا أشهد، ومعلوم أنه حين يقول بهذا الأمر فإن النبي ﵊ لن يرد شهادته، فظفر بأن تجعل شهادته بشهادة رجلين ﵁ وأرضاه، وهذه من المناقب المحمودة في الرجال.
إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكونا وإن درت نياقك فاحتلبها فلا تدري الفصيل لمن يكون وهذه أسباب يضعها الله ﵎ في الناس، فهذا يصيب بها وهذا يخطئ، وإذا أراد الله شيئًا هيأ أسبابه.
[ ٤ / ١٢ ]