وكان النبي ﷺ نزل بقديد (٢) على أم معبد عاتكة بنت خالد (٣)، فمسح ضرع شاة مجهودة، وشرب من لبنها، وسقى أصحابه، واستمرت تلك البركة فيها (٤).
فلما جاء زوجها-
قال السهيلي: ولايعرف اسمه (٥).
_________________
(١) وفي رواية بدل (تزودها): يردّدها. وقول أسماء ﵂ وثلاثة الأبيات الأولى هي رواية ابن إسحاق ١/ ٤٨٧، وعنه الطبري ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠، وهي مخرجة من عدة وجوه أخرى كما سوف يأتي في قصة أم معبد ﵂ ووصفها للنبي ﷺ، وقد عارض هذه الأبيات حسان ﵁ كما في تلك المصادر وديوانه ١٣٩ - ١٤٢.
(٢) موضع قرب مكة المكرمة، بينها وبين المدينة المنورة، معروف حتى الآن.
(٣) كذا اسمها في الطبقات ٨/ ٢٨٨، وفيها وفي السيرة ١/ ٤٨٧: أنها من بني كعب من خزاعة. وجاء في الاشتقاق/٤٧٤/، وجمهرة أنساب العرب/٢٣٨/: عاتكة بنت خليف. وفي البداية ٣/ ١٨٨ عن ابن إسحاق من رواية يونس: عاتكة بنت خلف، وقال الأموي: عاتكة بنت تبيع حليف بني منقذ. فالله أعلم. هذا وأخرج ابن سعد ١/ ٢٣٠: أنها كانت امرأة جلدة، برزة، تحتبي بفناء الخيمة، ثم تسقي وتطعم.
(٤) ذكر ابن سعد ٨/ ٢٨٩ من طريق الواقدي عن أم معبد، أنها قالت: إن الشاة التي لمس رسول الله ﷺ ضرعها عندنا، بقيت حتى كان زمان الرمادة، زمان عمر بن الخطاب ﵁، وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة. قالت: وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا، وما في الأرض قليل ولا كثير.
(٥) الروض الأنف ٢/ ٢٣٥. وترجمه ابن الأثير والحافظ بكنيته فقظ.
[ ١٥٨ ]
وردّ بقول العسكري: اسمه أكثم بن أبي الجون، ويقال: ابن الجون (١) -
ورأى ما بالشاة من اللبن، سألها فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة (٢)، متبلّج الوجه (٣)، حسن الخلق (٤)، لم تعبه ثجلة (٥)، ولم تزر به صعلة (٦)، وسيم قسيم (٧) في عينيه دعج (٨)، وفي أشفاره وطف (٩)، وفي
_________________
(١) كذا قال مجد الدين بن الأثير في منال الطالب/١٧٥/، وأخوه عز الدين في أسد الغابة ١/ ١٣٣. وترجم الحافظ في الإصابة لهذا الاسم بالقولين، ولم يذكر أنه زوج أم معبد ﵂، ولكن جاء في نسبه أنه خزاعي، وروى له من عدة طرق، وفي إحداها عن الإمام أحمد قال: معبد بن أكثم. لذلك ذكر صاحب الروض ٢/ ٢٣٥ أن له رواية. فالله أعلم.
(٢) الوضاءة: الحسن والجمال والنظافة، ومنه اشتقاق الوضوء.
(٣) وفي رواية: أبلج الوجه: الحسن المشرق المضيء، ومنه قولهم: الحق أبلج.
(٤) كناية عن حسن الأوصاف الظاهرة، كما يمكن أن تضبط ب (حسن الخلق). وهذه كناية عن الأوصاف الباطنة.
(٥) الثجلة، بالثاء المثلثة والجيم: عظم البطن مع استرخاء أسفله. وفي رواية: نحله، بالنون والحاء المهملة: من النحول.
(٦) الصّعلة: بفتح الصاد: صغر الرأس. وفي رواية: صقلة، بالقاف: الخصر، والمراد طوله، وقيل: ضمره وقلة لحمه. والمعنى: أنه ليس بعظيم البطن، ولا منتفخ الخصر، ولا صغير الرأس، فلا عيب في صفة من صفاته ﷺ.
(٧) بالرفع على الاستئناف، وفي رواية: «وسيما قسيما» بالنصب على الصفة. والوسيم: المشهور بالحسن. والقسيم: الحسن القسمة، وهي الوجه. ورجل مقسّم الوجه، وقسيم الوجه: كأن كل موضع منه قد أخذ من الحسن والجمال قسما، فهو كله جميل، ليس فيه ما يستقبح.
(٨) الدّعج: شدة سواد العين مع سعتها. يقال: عين دعجاء.
(٩) الأشفار: حروف الأجفان التي ينبت عليها الشّعر، واحدها: شفر، بالضم. والوطف: كثرة شعر العين والاسترخاء، وإنما يكون ذلك مع الطول. وفي-
[ ١٥٩ ]
صوته صحل (١)، أحور، أكحل، أزجّ، أقرن (٢)، شديد سواد الشعر، في عنقه سطع (٣)، وفي لحيته كثاثة (٤)، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكأنّ منطقه خرزات نظم يتحدّرن، حلو المنطق، فصل، لا نزر ولا هذر (٥)، أجهر الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول (٦)، ولا تقتحمه عين من
_________________
(١) = رواية: الغطف، بالغين: وهو المشهور كما في منال الطالب/١٨٦/، ويريد به الطول. وفي دلائل أبي نعيم: عطف. وقال ابن الأثير: وهو انعطاف شعر الأجفان لطولها. وفي الفائق: العطف والغطف: واحد.
(٢) الصّحل: البحّة، تريد أن لا يكون حادا، وهو يستحسن لخلوه عن الحدة المؤذية. قال أبو نعيم: وبذلك توصف الظباء. وفيه أيضا: «صهل» بالهاء، ورجح الأول.
(٣) الحور، بالتحريك: شدة بياض وسواد العين. والكحل، بفتحتين: سواد في أجفان العين خلقة. والأزجّ: المتقوّس الحاجبين، في طول وامتداد. والأقرن: المتصل رأسي حاجبيه. قال ابن الأثير: كذا في حديث أم معبد، والصحيح في صفته: أنه لم يكن أقرن.
(٤) السّطع، بفتح الطاء: طول العنق. وقال أبو نعيم: وهذا مما يمدح به الناس. وعند الخشني: سطح. ولم أجد من ذكرها.
(٥) الكثاثة، بثائين: دقة نبات شعر اللحية مع استدارة فيها، كذا عند الخشني. وقال ابن الأثير: اجتماعه والتفافه وكثرته. وذكره (كثافة) بالفاء في الثانية، وقال: ويروى (كثاثة)، وهو بمعناه.
(٦) النّزر: القليل. والهذر: الكثير غير المفيد. أرادت أن منطقه-مع حلاوته- ليس بقليل لا يفهم، ولا كثير يمل ويسأم، بل هو قصد بين ذلك. وروي (هدر) بالدال المهملة الساكنة والمعنى متقارب.
(٧) الرّبعة من الرجال: ما بين الطويل والقصير. وتشنؤه من طول: أي لا يبغض لفرط طوله. وفي رواية: «لا يأس من طول» ومعناه: أنه كان ميله إلى جانب الطول أكثر من ميله إلى جانب القصر.
[ ١٦٠ ]
قصر (١)، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، ولا عابس ولا مفنّد (٢).
قال: والله هذا صاحب قريش (٣).
ثم هاجرت بعد ذلك هي وزوجها فأسلما (٤).
_________________
(١) لا تقتحمه عين من قصر: أي لا تحتقره العيون لقصره، فتتركه وتجاوزه إلى غيره، بل تقبله وتقف عنده. . يقال في المنظر المستقبح: اقتحمته العين: أي ازدردته واحتقرته.
(٢) قال ابن قتيبة وأبو نعيم: المحفود: المخدوم، قال تعالى: بَنِينَ وَحَفَدَةً. ومحشود: هو الذي قد حشده أصحابه، وصفّوا حوله، وأطافوا به. والعابس: الكالح الوجه المقطّب. والمفنّد: المنسوب إلى الجهل وقلة العقل، من الفند: الخرف. وفي رواية: (ولا معتد). من العداء وهو الظلم. انظر في شرح حديث أم معبد: غريب الحديث لابن قتيبة ١/ ١٩٠ - ١٩٧، ودلائل النبوة لأبي نعيم ٣٣٧ - ٣٤٣، والخشني على سيرة ابن هشام ٢/ ١٤٦ - ١٥٠ حيث خرجوه من رواية حبيش بن خالد صاحب رسول الله ﷺ، وهو أخو أم معبد ﵄. كما شرحوه، وشرحه أيضا الزمخشري في الفائق ١/ ٩٤ - ٩٩، وابن الأثير في منال الطالب ١٧١ - ١٩٦، وابن الجوزي في الوفا ٢٤٤ - ٢٤٧، والمنتظم ٣/ ٥٧ - ٦١ حيث أخرجه من حديث أبي معبد.
(٣) حديث أم معبد ﵂ أخرجه بالإضافة إلى من تقدم: ابن سعد ١/ ٢٣٠ - ٢٣٢، والطبراني كما في مجمع الزوائد ٦/ ٥٥ - ٥٨، ورواه الحاكم في المستدرك ٣/ ٩ - ١١. وقال ابن الأثير في منال الطالب ١٧٤ - ١٧٥: حديث أم معبد حديث مشهور بين العلماء، مروي في كتبهم، وهو من أعلام النبوة، ورواه جماعة من الحفاظ عن حبيش صاحب رسول الله ﷺ، وروي من طرق أخرى كثيرة. وقد أخرج أيضا عن أبي معبد نفسه، وعنه عن أم معبد، وأخرج عن أسماء بنت أبي بكر، وأبي سليط الأنصاري.
(٤) أما هي فقد ذكر الواقدي كما في الطبقات ٨/ ٢٨٩: أنها أسلمت بعد ذلك-
[ ١٦١ ]
وكان أهلها يؤرخون بيوم نزول الرجل المبارك (١).
ولما مرت قريش سألوها عنه ووصفوه، فقالت: ما أدري ما تقولون، قد ضافني حالب الحائل. فقالوا: ذاك الذي نريد (٢).
وفي الإكليل: قصة أخرى شبيهة بقصة أم معبد.
قال الحاكم: ولا أدري أهي هي أم غيرها (٣).