ثم خرج [عليهم] (١) ﵊ وقد أخذ الله أبصارهم عنه، فلم يره منهم أحد، ونثر على رؤوسهم كلهم ترابا كان في يده (٢).
وأذن الله لنبيه ﷺ في الهجرة، وأمره جبريل أن يستصحب أبا بكر ﵁، واستأجر عبد الله بن الأريقط (٣) دليلا وهو على شركه (٤)، وعامر بن فهيرة خادما، وذلك بعد العقبة بشهرين وليال (٥).
_________________
(١) = وفيه بعد البيت الثاني: وبات رسول الله في الغار آمنا موقّى وفي حفظ الإله وفي ستر وبتّ أراعيهم وما يتهمونني وقد وطّنت نفسي على القتل والأسر
(٢) ما بين المعكوفتين من (٣) والمطبوع فقط، وهي لفظ السيرة ١/ ٤٨٣.
(٣) كانوا-كما في السيرة-قد اختاروا شبابا أقوياء، فوقفوا صفين على بابه ﷺ، فخرج وهو يقرأ: يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إلى فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ. وقال السهيلي ٢/ ٢٢٩: وفي قراءة الآيات الأول من سورة (يس) من الفقه: التذكرة بقراءة الخائفين لها، اقتداء به ﵊. وأورد لذلك حديثا رواه ابن أبي أسامة في مسنده.
(٤) كذا في الطبقات ١/ ٢٢٩، وفي السيرة ١/ ٤٨٥: أرقط، وقال ابن هشام ١/ ٤٨٨: أريقط، وفي الطبري ٢/ ٣٧٨: أرقد، وفي الإصابة ٤/ ٥: أريقد، بالدال المهملة.
(٥) في الطبقات ١/ ٢٢٩، والبخاري (٣٩٠٥): ولكنهما أمناه. أقول: ويظهر أنه أسلم بعد ذلك، فقد ذكره الذهبي في التجريد ١/ ٢٩٦، إلا أن ابن الأثير في منال الطالب/١٧٧/نقل عن أبي موسى أنه لا يعرف له إسلاما. وقال الحافظ في الإصابة: ولم أجد من ذكره في الصحابة غير الذهبي.
(٦) عزاه الحافظ في الفتح ٧/ ٦٨ إلى الأموي في المغازي عن ابن إسحاق. وذكره صاحب الإمتاع ١/ ٤١ دون عزو. أقول وهو مبني على ما تقدم من أن بيعة العقبة كانت أيام التشريق من ذي الحجة، وجزم ابن إسحاق بأن الهجرة كانت-
[ ١٥٤ ]
وقال الحاكم [في المستدرك] (١): بثلاثة أشهر أو قريبا منها (٢).
وكان مدة مقامه بمكة من حين النبوة إلى ذلك الوقت بضع عشرة سنة، وفي ذلك يقول صرمة:
ثوى في قريش بضع عشرة حجّة يذكّر لو يلقى صديقا مواتيا (٣)
وقال عروة: عشرا (٤).
وقال ابن عباس: خمس عشرة. وفي رواية عنه: ثلاث عشرة (٥).
_________________
(١) = أول يوم من ربيع الأول.
(٢) من (٢) فقط.
(٣) مستدرك الحاكم ٢/ ٦٢٥ عن ابن شهاب.
(٤) البيت من قصيدة لأبي قيس صرمة بن أبي أنس. أسلم وهو شيخ كبير، وحسن إسلامه ﵁. (انظر السيرة ١/ ٥١٠ - ٥١٢، وأنساب الأشراف ١/ ٢٦٨، والطبري ٢/ ٣٨٥ و٢/ ٦٢٦ - ٦٢٧، ودلائل البيهقي ٢/ ٥١٣ وفيها: لو (ألفى) صديقا. أقول: البيت منسوب لحسان بن ثابت ﵁، وهو وباقي الأبيات آخر ديوانه ٤٧٨ - ٤٧٩، وعزاه ابن قتيبة في المعارف /١٥١/له عن أبي اليقظان، ثم ذكر رواية ابن إسحاق: أنه لصرمة.
(٥) عن عروة: أخرجه الحاكم ٢/ ٦٢٦، وأخرجه البخاري في آخر المغازي، باب وفاة النبي ﷺ (٤٤٦٤ - ٤٤٦٥) عن عائشة وابن عباس. وأخرجه الطبري ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤ عن أنس وابن عباس وسعيد بن المسيب وعمرو بن دينار ﵃ جميعا.
(٦) أخرج الأولى عن ابن عباس ﵄: مسلم في الفضائل، باب كم أقام النبي ﷺ بمكة والمدينة (٢٣٥٣)، والطبري ٢/ ٣٨٦، والحاكم ٢/ ٦٢٧. وأخرج الثانية عنه: البخاري في مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ (٣٩٠٢)، ومسلم في الكتاب والباب السابقين (٢٣٥). وجمع الطبري ٢/ ٣٨٧ بين القولين فقال: فلعل الذين قالوا: كان مقامه بمكة بعد الوحي عشرا، عدوا مقامه بها من حين أتاه جبريل بالوحي من الله ﷿، وأظهر الدعاء إلى-
[ ١٥٥ ]
قال الخوارزمي: تنقص يوما واحدا.
ولم يعلم بخروجه ﵊ إلا عليّ وآل أبي بكر ﵃. فدخلا غارا بثور-جبل بأسفل مكة-فأقاما فيه ثلاثا، وقيل: بضعة عشر يوما (١).
فأمر الله العنكبوت فنسجت على بابه، والراءة فنبتت عليه، وحمامتين وحشيتين فعششتا على بابه (٢).
قال السهيلي: وحمام الحرم من نسلهما (٣).
_________________
(١) = التوحيد. وعد الذين قالوا: كان مقامه ثلاث عشرة من أول الوقت الذي استنبىء فيه، وكان إسرافيل المقرون به وهي السنون الثلاث التي لم يكن أمر فيها بإظهار الدعوة.
(٢) الأول: هو قول ابن إسحاق ١/ ٤٨٦، وابن سعد ١/ ٢٢٩، وهو الوارد في الصحيح، أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ إلى المدينة (٣٩٠٥). وأما الثاني: فقد رواه الإمام أحمد ٣/ ٤٨٧، والحاكم في المستدرك ٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩ من رواية طلحة النضري. وقال الحافظ في التعليق عليه: قال الحاكم: معناه مكثنا مختفين من المشركين في الغار وفي الطريق بضعة عشر يوما. قلت-يعني الحافظ-: لم يقع في رواية أحمد ذكر الغار، وهي زيادة في الخبر من بعض رواته، ولا يصح حمله على حالة الهجرة لما في الصحيح. . (انظر الفتح ٧/ ٢٧٩).
(٣) الطبقات ١/ ٢٢٩، ودلائل أبي نعيم (٢٢٩)، ودلائل البيهقي ٢/ ٤٨٢، وكشف الأستار ٢/ ٢٩٩، وفيها بدل (الراءة): شجرة. وهما بمعنى، قال في الروض ٢/ ٢٣٢: قال قاسم بن ثابت في الدلائل: وهي شجرة معروفة. وقال عن أبي حنيفة الدينوري: الراءة من أغلاث الشجر، وتكون مثل قامة الإنسان، ولها خيطان، وزهر أبيض تحشى به المخاد.
(٤) الروض الأنف ٢/ ٢٣٢، وعزاه لمسند البزار. وانظر كشف الأستار ٢/ ٣٠٠، -
[ ١٥٦ ]
ثم خرج منه ليلة الإثنين لأربع ليال خلون من ربيع الأول على ناقته الجدعاء (١).
قالت أسماء ﵂: فمكثنا ثلاث ليال لا ندري أين وجه النبي ﷺ، حتى أنشد رجل من الجن شعرا يسمعه الناس وما يرونه:
جزى الله ربّ الناس خير جزائه رفيقين حلاّ خيمتي أمّ معبد (٢)
هما نزلا بالبرّ ثمّ تروّحا فأفلح من أمسى رفيق محمد (٣)
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلّبت عليه صريحا ضرّة الشاة مزبد (٤)
_________________
(١) = وفي الطبقات ١/ ٢٢٩: فسمّت-يعني دعا وبارك-النبي ﷺ عليهن، وفرض جزاءهن، وانحدرن في حرم الله. وهذا أخرجه أبو نعيم والبيهقي (انظر التخريج السابق).
(٢) التاريخ هكذا: ذكره ابن سعد ١/ ٢٣٢، أما الناقة فسماها ١/ ٢٢٨: القصواء. لكن الذي في الصحيح: كما قال المؤلف ﵀ (الجدعاء)، وعزاه صاحب الروض ٢/ ٢٣٠ إلى ابن إسحاق في غير رواية ابن هشام. وانظر صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع (٤٠٩٣).
(٣) وفي رواية: (قالا) خيمتي أم معبد. من القيلولة. وتعديته بغير حرف الجر خلاف القاعدة.
(٤) وروي: هما نزلاها بالهدى واهتدت به.
(٥) هكذا جاء هذا البيت في رواية الحاكم ٣/ ١٠، وأبي نعيم/٣٣٩/، وهو مشكل من حيث الإعراب، لأن (مزبد) صفة لصريح، والتي جاءت في معظم الروايات بالجر هكذا: له بصريح. ثم إني وجدت ابن الأثير ﵀ في منال الطالب/١٩١ - ١٩٢/يذكر هذه الرواية ويعرب (مزبد) مجرورا على الجوار كقولهم: «جحر ضبّ خرب». ثم ذكر وجها آخر، انظره فيه.
[ ١٥٧ ]
فغادره رهنا لديها لحالب تزودها في مصدر ثم مورد (١)