ذكر ابن إسحاق عمن سمى من شيوخه «٣» أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بنى عبد الأشهل ودار بنى ظفر، فدخل به حائطا من حوائط بنى ظفر، فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم.
فلما سمع بذلك سعد بن معاذ «٤» وأسيد بن حضير «٥» وهما يومئذ سيدا قومهما بنى عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، قال سعد لأسيد: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة منى حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتى ولا أجد عليه مقدما.
_________________
(١) - مسلم كتاب الحدود (٣/ ٤٣)، مسند الإمام أحمد (٥/ ٣١٦)، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٢٤٦، ٢٤٧)، مستدرك الحاكم (٢/ ٦٢٤) .
(٢) انظر: السيرة (٢/ ٤٣) .
(٣) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (١/ ٥٥٩)، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٢٦٤) .
(٤) انظر: السيرة (٢/ ٤٤) .
(٥) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٩٦٣)، الإصابة الترجمة رقم (٣٢١٣)، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٠٤٦)، طبقات خليفة (٧٧)، التاريخ الكبير (٤/ ٦٥)، الجرح والتعديل (٤/ ٩٣)، تهذيب الكمال (٤٧٧)، العبر (١/ ٧)، تهذيب التهذيب (٣/ ٤٨١)، خلاصة تذهيب الكمال (٦٣٥)، شذرات الذهب (١/ ١١) .
(٦) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٥٤)، الإصابة الترجمة رقم (١٨٥)، أسد الغابة الترجمة رقم (١٧٠)، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢١)، تهذيب الكمال (١/ ١١٣)، تقريب التهذيب (١/ ٧٨)، خلاصة تذهيب تهذيب الكمال (١/ ٩٨)، الوافى بالوفيات (٩/ ٢٥٨)، سير الإعلام (١/ ٢٩٩)، تهذيب التهذيب (١/ ٣٤٧)، الجرح والتعديل (٢/ ١١٦٣)، الأنساب (١/ ٢٧٨)، الرياض المستطابة (٢٩) .
[ ١ / ٢٦١ ]
فأخذ أسيد حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه. قال: فوقف عليهما متشتما فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت بأنفسكما حاجة.
فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره. قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما ذكر عنهما: والله لعرفنا فى وجهه الإسلام قبل أن يتكلم فى إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله، كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا فى هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك ثم تتشهد شهادة الحق ثم تصلى.
فقام فاغتسل وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين ثم قال لهما:
إن ورائى رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، سعد ابن معاذ. ثم انصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس فى ناديهم، فلما نظر إليه سعد مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذى ذهب به، فلما وقف على النادى قال له سعد: ما فعلت؟ قال كلمت الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت. وقد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك «١» .
فقام سعد مغضبا مبادرا متخوفا للذى ذكر له من بنى حارثة، فأخذ الحربة من يده ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا. ثم خرج إليهما فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما ثم قال: يا أبا أمامه، والله لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رمت هذا منى، أتغشانا فى دارينا بما نكره!.
وقد قال أسعد لمصعب بن عمير: أى مصعب، جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان. فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره.
قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن.
قالا: فعرفنا والله فى وجهه الإسلام قبل أن يتكلم لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم فى هذا الدين؟.
قالا: تغتسل فتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى ركعتين. فقام فاغتسل
_________________
(١) ليخفروك: أخفره أى نقض عهده وخاس به وغدره، وأخفر الذمة لم يف بها.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وطهر ثوبيه وتشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادى قومه ومعه أسيد بن حضير، فلما رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب به.
فلما وقف عليهم قال: يا بنى عبد الأشهل كيف تعلمون أمرى فيكم؟ قالوا: سيدنا، أفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة «١» . قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم حرام على حتى تؤمنوا بالله ورسوله.
قال: فو الله ما أمسى فى دار بنى عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.
ورجع مصعب إلى منزل أسعد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون «٢»، إلا ما كان من دار بنى أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف، وتلك أوس الله، وهم من الأوس بن حارثة.
وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت «٣» وكان شاعرا لهم قائدا يسمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ ومضى بدر وأحد والخندق، وقال فيما رأى من الإسلام وما اختلف الناس فيه من أمره:
أرب الناس أشياء المت يلف الصعب منها بالذلول
أرب الناس إما إن ضللنا فيسرنا لمعروف السبيل
فلولا ربنا كنا يهودا وما دين اليهود بذى شكول «٤»
ولولا ربنا كنا نصارى مع الرهبان فى جبل الجليل
ولكنا خلقنا إذ خلقنا حنيفا ديننا عن كل جيل «٥»
نسوق الهدى ترسف مذعنات مكشفة المناكب فى الجلول
_________________
(١) أيمننا نقيبة: النقيبة أيمن النعل، وقال ابن بزرج: اللهم نقيبة أى نفاذ رأى، ورجل ميمون النقيبة: مبارك النفس، مظفر بما يحاول. انظر: اللسان (مادة نقب) .
(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٤٣٨، ٤٣٩)، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٤٢) .
(٣) انظر ترجمته فى: طبقات فحول الشعراء (١/ ٢٢٦) .
(٤) قال السهيلى فى الروض الأنف: شكول جمع شكل، وشكل الشىء بالفتح هو مثله، والشكل بالكسر الدل والحسن، فكأنه أراد أن دين اليهود بدع فليس له شكول أى: ليس له نظير فى الحقائق ولا مثيل يعضده من الأمر بالمعروف المقبول.
(٥) خنيفا: من حنف إذا مال، أى مائلا عن الأديان الباطلة، والميل هو الصنف من الناس.
[ ١ / ٢٦٣ ]