قال ابن إسحاق «٢»: فلما أذن الله ﵎ لرسوله فى الحرب، وبايعه هذا الحى من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن اتبعه وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله ﷺ أصحابه من قومه ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها، فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينتظر أن يأذن له ربه فى الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة «٣» .
فكان أول من هاجر إليها من أصحاب رسول الله ﷺ من قريش من بنى مخزوم: أبو
_________________
(١) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٣١٧١)، سنن النسائى الكبرى (٦/ ٤١١)، المستدرك للحاكم (٢/ ٦٦)، تفسير ابن كثير (٥/ ٤٣٠) .
(٢) انظر: السيرة (٢/ ٧٧) .
(٣) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٦٩) .
[ ١ / ٢٧٢ ]
سلمة بن عبد الأسد «١»، هاجر إليها قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة، وكان قدم مكة من أرض الحبشة، فلما آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار خرج إلى المدينة مهاجرا «٢» .
قالت أم سلمة: لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لى بعيره ثم حملنى عليه وحمل معى ابنى سلمة فى حجرى، ثم خرج بى يقود بعيره، فلما رأته رجال بنى المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها فى البلاد؟! قالت: فنزعوا خطام البعير من يده فأخذونى منه، وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبى سلمة، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. فتجاذبوا بنى سلمة بينهم حتى خلعوا يده! وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسنى بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجى أبو سلمة إلى المدينة، ففرق بينى وبين زوجى وبين ابنى، فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكى حتى أمسى، سنة أو قرييا منها. حتى مر بى رجل من بنى عمى فرأى ما بى فرحمنى فقال لبنى المغيرة: ألا تحرجون من هذه المسكينة! فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها.
فقالوا لى: الحقى بزوجك إن شئت. ورد بنو عبد الأسد إلى عند ذلك ابنى، فارتحلت بعيرى ثم أخذت بنى فوضعته فى حجرى، ثم خرجت أريد زوجى بالمدينة وما معى أحد من خلق الله، قلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجى.
حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبى طلحة «٣»، أخا بنى عبد الدار، فقال: إلى أين يا بنت أبى أمية؟ قلت: أريد زوجى بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قلت:
لا والله، إلا الله وبنى هذا! قال: والله مالك من مترك. فأخذ بخطام البعير يقودنى معه يهوى بى، فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه كان إذا بلغ
_________________
(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٠٤٣)، الإصابة الترجمة رقم (١٠٠٤٩)، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٩٧٨)، تهذيب الكمال (١٦١٠)، تقريب التهذيب (٢/ ٤٣٠)، تهذيب التهذيب (١٢/ ١١٥) .
(٢) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (٧/ ٢٦٨)، تاريخ الطبرى (١/ ٥٦٥) .
(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٧٩٠)، الإصابة الترجمة رقم (٥٤٥٦)، أسد الغابة الترجمة رقم (٣٥٨٠)، الثقات (٣/ ٢٦٠)، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٧٣)، تقريب التهذيب (٢/ ١٠)، تهذيب التهذيب (٧/ ١٢٤)، تهذيب الكمال (٢/ ٩١٠)، الجرح والتعديل (٦/ ١٠٥٥)، سير أعلام النبلاء (٣/ ١٠) .
[ ١ / ٢٧٣ ]
المنزل أناخ بى ثم استأخر عنى، حتى إذا نزلت استأخر ببعيرى فحط عنه ثم قيده فى الشجر، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيرى فرحله ثم استأخر عنى فقال: اركبى، فإذا ركبت واستويت على بعيرى أتى فأخذ بخطامه فقادنى حتى ينزل بى، فلم يزل يصنع ذلك بى حتى أقدمنى المدينة، فلما نظرنا إلى قرية بنى عمرو بن عوف وكان أبو سلمة بها، قال: زوجك فى هذه القرية فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعا إلى مكة، فكانت أم سلمة تقول: ما أعلم أهل بيت فى الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبى سلمة، وما رأيت صاحبا كان أكرم من عثمان بن طلحة «١» .
قال ابن إسحاق «٢»: ثم كان أول من قدمها من المهاجرين بعد أبى سلمة، عامر بن ربيعة»
حليف بنى عدى بن كعب، معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة بن غانم «٤»، ثم عبد الله بن جحش بن رئاب من بنى غنم بن ذودان بن أسد بن خزيمة حليف بنى أمية ابن عبد شمس، احتمل بأهله وبأخيه أبى أحمد [عبد] «٥» بن جحش «٦»، وكان أبو أحمد رجلا ضرير يطوف مكة أعلاها وأسفلها بغير قائد، وكان شاعرا وكانت عنده الفرعة بنت أبى سفيان بن حرب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب.
فغلقت دار بنى جحش هجرة، فمر بها عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبو جهل بن هشام فنظر إليها عتبة تخفق أبوابها يبابا ليس فيها ساكن، فتنفس الصعداء ثم قال:
وكل دار وإن طالت سلامتها يوما ستدركها النكباء والحوب
ولما خرج بنو جحش من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب فباعها من عمرو بن علقمة أخى بنى عامر بن لؤى، فذكر ذلك عبد الله بن جحش، لما بلغه لرسول الله ﷺ،
_________________
(١) ذكر هذه القصة ابن حجر فى الإصابة (٨/ ٢٤٠)، البخارى فى التاريخ الكبير (٤/ ٨٠) .
(٢) انظر: السيرة (٢/ ٧٧- ٧٩) .
(٣) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٣٣٥)، الإصابة الترجمة رقم (٤٣٣٩)، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٦٩٣)، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٢٨٤) .
(٤) انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٥١٦)، الإصابة الترجمة رقم (١١٧١٢)، أسد الغابة الترجمة رقم (٧٢٦١) .
(٥) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «عبيد»، والتصحيح من السيرة، والاستيعاب.
(٦) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٣٨٨، ٢٨٦٠)، الإصابة الترجمة رقم (٩٥٠٥)، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٦٦٩) .
[ ١ / ٢٧٤ ]
فقال له رسول الله ﷺ: «ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا فى الجنة خيرا منها؟» قال: بلى. قال: «فذلك لك» .
فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة كلمة أبو أحمد فى دارهم، فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فقال الناس لأبى أحمد: يا أبا أحمد، إن رسول الله ﷺ يكره أن ترجعوا فى شىء أصيب منكم فى الله. فأمسك عن كلام رسول الله ﷺ.
وكان بنو غنم بن ذودان أهل الإسلام قد أوعبوا إلى المدينة مع رسول الله ﷺ هجرة رجالهم ونساءهم، فقال أبو أحمد بن جحش يذكر هجرة بنى أسد بن خزيمة من قومه إلى الله ﵎ وإلى رسوله، وإيعابهم فى ذلك حين دعوا إلى الهجرة:
ولو حلفت بين الصفا أم أحمد ومروتها بالله برت يمينها
لنحن الأولى كنا بها ثم لم نزل بمكة حتى عاد غثا سمينها
بها خيمت غنم بن ذودان وانبنت وما أرعدت غنم وخف قطينها
إلى الله تعدو بين مثنى وواحد ودين رسول الله بالحق دينها
وقال أبو أحمد أيضا:
ولما رأتنى أم أحمد غاديا بذمة من أخشى بغيب وأرهب
تقول فإما كنت لا بد فاعلا فيمم بنا البلدان ولتنأ يثرب
فقلت لها ما يثرب بمظنة وما يشأ الرحمن فالعبد يركب
إلى الله وجهى والرسول ومن يقم إلى الله يوما وجهه لا يخيب
فكم قد تركنا من حميم مناصح وناصحة تبكى بدمع وتندب
يرى أن وترا نأينا عن بلادنا ونحن نرى أن الرغائب نطلب «١»
دعوت بنى غنم لحقن دمائهم وللحق لما لاح للناس ملحب
أجابوا بحمد الله لما دعاهم إلى الحق داع والنجاح فأوعبوا
وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا «٢»
كفوجين أما منهما فموفق على الحق مهدى وفوج معذب
طغوا وتمنوا كذبة وأزلهم عن الحق إبليس فخابوا وخيبوا
_________________
(١) الوتر: طلب الثأر، يريد أنه يستحق أن يطالبوا مخرجهم به. النأى: البعد. الرغائب: جمع رغيبة، وهى من العطاء الكثير.
(٢) أجلبوا: يروى بالجيم وبالحاء المهملة فمن رواه بالحاء المهملة فمعناه أعانوا، ومن واه بالجيم فمعناه أحدثوا جلبه وهى الصياح.
[ ١ / ٢٧٥ ]
ورغنا إلى قول النبى محمد فطاب ولاة الحق منا وطيبوا
نمت بأرحام إليهم قريبة ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرب
فأى ابن أخت بعدنا يأمننكم وأية صهر بعد صهرى يرقب
ستعلم يوما أينا إذ تزايلوا وزيل أمر الناس للحق أصوب
ثم خرج عمر بن الخطاب ﵁، وعياش بن أبى ربيعة المخزومى «١»، حتى قدما المدينة.
قال عمر ﵁: لما أردنا الهجرة إلى المدينة اتعدت أنا وعياش بن أبى ربيعة، وهشام بن العاص التناضب من أضاة بنى غفار «٢» فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه. فأصبحت أنا وعياش عندها وحبس عنا هشام وفتن فافتتن.
فلما قدمنا المدينة نزلنا بقباء، وخرج أبو جهل والحارث أخوه إلى عياش، وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما حتى قدما علينا فقالا له: إن أمك نذرت أن لا تمس رأسها بمشط حق تراك ولا تستظل من شمس حتى تراك.
فرق لها، فقلت له: يا عياش، والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فو الله لو قد آذى أمك لا متشطت! ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت. فقال: أبر قسم أمى، ولى هناك مال فآخذه.
قلت: والله إنك لتعلم أنى لمن أكثر قريش مالا، فلك نصف مالى ولا تذهب معهما.
فأبى على إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتى هذه فإنها نجيبة ذلول، فالزم ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانج عليها.
فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: والله يا أخى لقد استغلظت بعيرى هذا أفلا تعقبنى على ناقتك هذه؟ قال: بلى. قال: فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطا ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن!.
_________________
(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٠٣٢)، الإصابة الترجمة رقم (٦١٣٨)، أسد الغابة الترجمة رقم (٤١٤٥) .
(٢) أضاة بنى غفار: الأضاءة الماء المستنقع من سيل، ويقال: هو مسيل الماء إلى الغدير، وغفار قبيلة من كنانة على عشرة أميال من مكة. انظر: معجم البلدان (١/ ٢١٤) .
[ ١ / ٢٧٦ ]
وفى غير حديث عمر أنهما دخلا به مكة نهارا موثقا ثم قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا «١» .
قال عمر ﵁، فى حديثه: فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله ﵎، فيهم وفى قولنا وقولهم لأنفسهم: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر: ٥٣] «٢» .
قال عمر بن الخطاب ﵁: فكتبتها بيدى فى صحيفة وبعثت بها إلى هشام ابن العاص، قال: فقال هشام: لما أتتنى جعلت أقرؤها بذى طوى أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم فهمنيها. فألقى الله فى قلبى أنها إنما نزلت فينا وفيما كنا نقول فى أنفسنا ويقال فينا. فرجعت إلى بعيرى فجلست عليه، فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة. هذا ما ذكر ابن إسحاق فى شأن هشام.
وذكر ابن هشام عمن يثق به «٣» أن رسول الله ﷺ قال وهو بالمدينة: من لى بعياش ابن أبى ربيعة، وهشام بن العاص؟ فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة: أنا لك يا رسول الله بهما. فخرج إلى مكة فقدمها مستخفيا، فلقى امرأة تحمل طعاما، فقال لها: أين تريدين يا أمة الله؟ فقالت: أريد هذين المسجونين تعنيهما، فتبعها حتى عرف موضعيهما، وكانا محبوسين فى بيت لا سقف له، فلما أمسى تسور عليهما ثم أخذ مروة فوضعها تحت قيديهما ثم ضربهما بسيفه فقطعهما، فكان يقال لسيفه ذو المروة لذلك.
ثم حملهما على بعيره وساق بهما فعثر فدميت إصبعه فقال:
هل أنت إلا إصبع دميت وفى سبيل الله ما لقيت
_________________
(١) انظر: السيرة (٢/ ٨٢) .
(٢) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٢/ ٤٣٥)، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١٤)، دلائل النبوة (٢/ ١٤٦)، تفسير الطبرى (٢٤/ ١١)، طبقات ابن سعد (٣/ ٢٧١)، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٦١)، كشف الأستار (٢/ ٣٧٠) .
(٣) انظر: السيرة (٢/ ٨٣) .
[ ١ / ٢٧٧ ]
ثم قدم بهما المدينة على رسول الله ﷺ «١» .
ثم تتابع المهاجرون أرسالا، فنزل طلحة بن عبيد الله وصهيب بن سنان على خبيب ابن إساف. بالسبخ، ويقال: بل نزل طلحة على أسعد بن زرارة.
قال ابن هشام «٢»: وذكر لى أن صهيبا حين أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذى بلغته، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك! والله لا يكون ذلك.
فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالى أتخلون سبيلى؟ قالوا: نعم. قال: فإنى قد جعلت لكم مالى. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» «٣» !.
قال ابن إسحاق «٤»: وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد أصحابه من المهاجرين، ينتظر أن يؤذن له فى الهجرة، ولم يتخلف معه أحد بمكة من المهاجرين، إلا من حبس أو فتن، إلا على بن أبى طالب وأبو بكر الصديق، وكان أبو بكر كثيرا ما يستأذن رسول الله ﷺ فى الهجرة فيقول له: لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبا. فيطمع أبو بكر أن يكونه «٥» .
ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، عرفوا أنهم قد نزلوا دارا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ، وعرفوا أنه مجمع لحربهم، فاجتمعوا له فى دار الندوة، وهى دار قصى بن كلاب التى كانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها، يتشاورون ما يصنعون فى أمره.
فاعترض لهم إبليس فى هيئة شيخ جليل عليه بت «٦»، فوقف على باب الدار فى
_________________
(١) ذكره ابن حجر فى فتح البارى (١/ ٥٥٧)، وقال: من زيادات ابن هشام فى السيرة.
(٢) انظر: السيرة (٢/ ٨٤) .
(٣) انظر الحديث فى: الحلية لأبى نعيم (١/ ١٥١، ١٥٣)، مستدرك الحاكم (٣/ ٣٩٨)، طبقات ابن سعد (٣/ ٢٢٧، ٢٢٨)، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٧٣، ١٧٤)، المطالب العالية لابن حجر (٣/ ٣٥٥٢) .
(٤) انظر: السيرة (٢- ٨٧) .
(٥) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٦٢)، وقال: رواه الطبرانى وفيه عبد الرحمن بن بشير الدمشقى ضعفه أبو حاتم.
(٦) بت: بفتح الباء وتشديد التاء، الكساء الغليظ من صوف جيد أو خز يلبس كالعباءة ويدل على المكانة والشرف، وجمعه بتوت.
[ ١ / ٢٧٨ ]
اليوم الذى اتعدوا له، ويسمى يوم الزحمة، فلما رأوه واقفا على بابها قالوا: من الشيخ؟
قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذى اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا قالوا: أجل، فادخل. فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش وغيرهم.
فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، وإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيا، فتشاوروا ثم قال قائل: احبسوه فى الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيرا والنابغة ومن مضى منهم من هذا الموت حتى يصيبه ما أصابهم.
فقال الشيخ النجدى: لا والله، ما هذا لكم برأى، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذى أغلقتم دونه إلى أصحابه. فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأى فانظروا فى غيره.
فتشاوروا ثم قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فو الله ما نبالى أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
قال الشيخ النجدى: لا والله، ما هذا لكم برأى، ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال لما يأتى به؟! والله لو فعلتم ذلك ما أمنت أن يحل على حى من أحياء العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد، أديروا فيه رأيا غير هذا، فقال أبو جهل: والله إن لى فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم، قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطى كل فتى منهم سيفا صارما ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه فى القبائل جميعا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم.
فقال الشيخ النجدى: القول ما قاله الرجل، هو الرأى لا رأى غيره. فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له. فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه، فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه
[ ١ / ٢٧٩ ]
حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله ﷺ مكانهم قال لعلى بن أبى طالب: نم على فراشى وتسج بردى هذا الحضرمى الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شىء تكرهه منهم. وكان رسول الله ﷺ ينام فى برده ذلك إذا نام «١» .
فاجتمعوا له وفيهم أبو جهل، فقال وهو على بابه: إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان لكم فيه ذبح، ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحرقون فيها! وخرج عليهم رسول الله ﷺ فأخذ حفنة من تراب فى يده ثم قال: نعم، أنا الذى أقول ذلك، أنت أحدهم.
وأخذ الله على أبصارهم عنه فلا يرونه، وجعل ينثر ذلك التراب على رؤسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إلى قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ٩] .
حتى فرغ رسول الله ﷺ من هؤلاء الآيات ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال:
ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدا. قال: خيبكم الله! قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا، وانطلق لحاجته، أفلا ترون ما بكم؟!
فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا برد رسول الله ﷺ فيقولون: والله، إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا، فقام على عن الفراش، فقالوا: والله لقد صدقنا الذى كان حدثنا «٢» .
فكان مما أنزل الله من القرآن فى ذلك اليوم وما كانوا أجمعوا له قول الله سبحانه:
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [الأنفال: ٣٠] «٣» .
_________________
(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٤٦٨)، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٧٦)، طبقات ابن سعد (١/ ٢١٢) .
(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٧٧)، فتح القدير للشوكانى (٤/ ٥١٠) .
(٣) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ٣٤٨)، مجمع الزوائد للهيثمى (٧/ ٢٧)، مستدرك الحاكم (٣/ ٤) .
[ ١ / ٢٨٠ ]
وأذن الله ﵎، عند ذلك لنبيه فى الهجرة.