فقال رسول الله ﷺ: «أدنوه منى» «١» . فأدنوه منه فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله ﷺ.
وقاتلت أم عمارة نسيبه بنت كعب المازنية، يومئذ قالت: خرجت أول النهار وأنا أنظر ما يصنع الناس ومعى سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو فى أصحابه والدولة والريح للمسلمين، فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله ﷺ، فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمى عن القوس، حتى خلصت الجراح إلىّ.
قالت أم سعد بنت سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جراحا أجوف له غور فقلت: من أصابك بهذا، قالت: ابن قميئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله ﷺ أقبل يقول: دلونى على محمد فلا نجوت إن نجا. فاعترضته أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله ﷺ فضربنى هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كانت عليه درعان.
وترس دون رسول الله ﷺ أبو دجانة بنفسه، يقع النبل فى ظهره وهو منحن عليه، حتى كثر فيه النبل.
ورمى سعد بن أبى وقاص دون رسول الله ﷺ، قال سعد: فلقد رأيته يناولنى النبل ويقول: «أرم فداك أبى وأمى» «٢» حتى إنه ليناولنى السهم ماله من نصل فيقول: «ارم به» .
ورمى رسول الله ﷺ يوم أحد عن قوسه حتى اندقت سيتها.
وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان «٣» فردها رسول الله ﷺ بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما.
_________________
(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٣٥) .
(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ٤٧، ٥/ ١٢٤، ٨/ ٥٢)، صحيح مسلم فى كتاب فضائل الصحابة (٤١، ٤٢)، سنن الترمذى (٢٨٢٩، ٣٧٥٣)، السنن الكبرى للبيهقى (٩/ ١٦٢)، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٣٩)، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٢٧، ٨/ ٧٢) .
(٣) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧٠٩١)، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٢٧٧)، طبقات خليفة (٨١، ٩٦)، تاريخ خليفة (١٥٣)، التاريخ الكبير (٧/ ١٨٤، ١٨٥)، تاريخ الفسوى (١/ ٣٢٠)، الجرح والتعديل (٧/ ١٣٢)، تاريخ ابن عساكر (١٤/ ٢٠٠)، تهذيب الكمال (١١٢٣)، تاريخ الإسلام (٢/ ٥٠)، العبر (١/ ٢٧)، تهذيب التهذيب (٨/ ٣٥٧، ٣٥٨)، خالصة تذهيب الكمال (٣١٥)، شدرات الذهب (١/ ٣٤) .
[ ١ / ٣٧٩ ]
وأصيب فم عبد الرحمن بن عوف فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضها فى رجله فعرج.
وأتى أنس بن النضر عم أنس بن مالك وبه سمى، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله فى رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ قالوا:
قد قتل محمد رسول الله. قال: فما تصنعون بالحياة بعده! قوموا على ما مات عليه رسول الله ﷺ. ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل، رحمه الله تعالى.
وروى حميد عن أنس، أن عمه أنس بن النضر هذا غاب عن قتال يوم بدر، فقال:
غبت عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين لئن أشهدنى الله قتالا ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إنى أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، يعنى المشركين، وأعتذر إليك مما جاء به هؤلاء، يعنى المسلمين، ثم مشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ فقال: أى سعد، والذى نفسى بيده إنى لأجد ريح الجنة دون أحد! واها لريح الجنة. فقال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. فوجدناه بين القتلى وبه بضع وثمانون جراحة من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وقد مثلوا به حتى عرفته أخته ببنانه.
قال أنس: كنا نقول أنزلت هذه الآية: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب: ٢٣] فيه وفى أصحابه.
قال ابن إسحاق «١»: وكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وتحدث الناس بقتله: كعب بن مالك الأنصارى، قال: عرفت عينيه تزهران تحت المغفر فناديت بأعلى صوتى: يا معشر المسلمون أبشروا، هذا رسول الله ﷺ، فأشار إلى أن أنصت. فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به ونهض معهم نحو الشّعب، معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة، ورهط من المسلمين.
فلما أسند رسول الله ﷺ فى الشعب أدركه أبى بن خلف وهو يقول: أين محمد: لا نجوت إن نجوت! فقال القوم: يا رسول الله، أيعطف عليه رجل منا؟ فقال: «دعوه» «٢» .
_________________
(١) انظر السيرة (٣/ ٤٦) .
(٢) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٦٢٤)، سنن ابن ماجه (٥٣٠)، مجمع الزوائد للهيثمى (٣/ ١٩) .
[ ١ / ٣٨٠ ]
فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، يقول بعض القوم: فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعراء من ظهر البعير إذا انتفض بها، ثم استقبله فطعنه فى عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا.
وكان أبى بن خلف يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول: يا محمد، إن عندى العوذ، فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه. فيقول رسول الله ﷺ: «أنا أقتلك إن شاء الله» «١» .
فلما رجع إلى قريش وقد خدشه فى عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم قال: قتلنى والله محمد! فقالوا له: ذهب والله فؤادك! والله إن بك بأس. قال: إنه قد كان قال لى بمكة: أنا أقتلك. فو الله لو بصق على لقتلنى.
فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة.
وقد قال رسول الله ﷺ فيما قاله يومئذ: «اشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله» «٢» . فسحقا لأصحاب السعير.
ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى الشعب خرج على بن أبى طالب حتى ملأ درقته من المهراس، فجاء به إلى رسول الله ﷺ ليشرب منه، فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه، وغسل عن وجهه الدم فصب على رأسه وهو يقول: «اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله» «٣» .
فبينا رسول الله ﷺ فى الشعب معه أولئك النفر من أصحابه إذا علت عالية من قريش الجبل فقال: «اللهم إنه لا ينبغى لهم أن يعلونا» «٤» فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.
ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها فلم يستطع، وقد كان بدن
_________________
(١) انظر الحديث فى: تفسير القرطبى (٧/ ٣٨٥)، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٥)، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١/ ٣٢) .
(٢) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٤/ ٢٧٥)، شرح السنة للبغوى (١٢/ ٣٣٧)، كنز العمال للمتقى الهندى (٢٩٨٨٥، ٢٩٨٨٧) .
(٣) سبق تخريجه.
(٤) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٤/ ٩٠)، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٦)، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٣٨) .
[ ١ / ٣٨١ ]