وظاهر بين درعين فجلس تحته بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها، فقال ﷺ:
«أوجب طلحة» «١» .
وصلى رسول الله ﷺ الظهر- يومئذ- قاعدا من الجراح التى أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعودا.
ولما خرج ﷺ إلى أحد رفع حسيل بن جابر وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان، وثابت بن قيس فى الآكام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران: لا اب لك! ما ننتظر؟ فو الله إن بقى لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار، إنما نحن هامة اليوم أو غد، أفلا نأخذ أسيافنا ثم نلحق رسول الله ﷺ، لعل الله يرزقنا شهادة معه؟ فأخذا اسيافهما ثم خرجا حتى دخلا فى الناس ولم يعلم بهما.
فأما ثابت فقتله المشركون، وأما حسيل فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه وهم لا يعرفونه، فقال حذيفة: أبى! قالوا: والله إن عرفناه. وصدقوا. قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فأراد رسول الله ﷺ أن يديه فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزاده عند رسول الله خيرا.
وكان ممن قتل يوم أحد مخيرق من أحبار اليهود، وقد تقدم خبره وكيف قال- يومئذ- ليهود: لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. فتعللوا عليه بأنه يوم السبت، فقال لهم: لا سبت لكم. وأخذ سيفه وعدّته فلحق برسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل بعد أن قال: إن أصبت فمالى لمحمد يصنع فيهما يشاء. وفيه قال رسول الله ﷺ:
«مخيريق خير يهود» «٢» .
وكان عمرو بن ثابت وقش أصيرم بنى عبد الأشهل يأبى الإسلام على قومه، فلما
_________________
(١) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٣٧٣٨)، مسند الإمام أحمد (١/ ١٦٥)، السنن الكبرى للبيهقى (٦/ ٣٧٠، ٩/ ٤٦)، مستدرك الحاكم (٣/ ٢٥، ٣٧٣)، موارد الظمآن للهيثمى (٢٢١٢)، الترغيب والترهيب للمنذرى (٢/ ٢٨١)، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٣٦١، ١٢/ ٩١)، مشكاة المصابيح للتبريزى (٦١١٢)، شرح السنة للبغوى (١٤/ ١٢٠)، الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ١/ ١٥٥)، السنة لابن أبى عاصم (٢/ ٦١٢)، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٣٣٦٤)، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٣٨) .
(٢) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٢/ ١٨٣)، دلائل النبوة لأبى نعيم (١/ ١٨)، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٣٧، ٤/ ٣٦)، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٣/ ٢٤٥، ١٠/ ٨٧) .
[ ١ / ٣٨٢ ]
كان يوم أحد بدا له فى الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيفه فغزا حتى دخل فى عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فبينا رجال من بنى الأشهل يلتمسون قتلاهم فى المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث.
فسألوه ما جاء بك عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة فى الإسلام؟ قال: بل رغبة فى الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفى فغدوت مع رسول الله ﷺ، ثم قاتلت حتى أصابنى ما أصابنى. ثم لم يلبث أن مات فى ايديهم، فذكروه لرسول الله ﷺ فقال: «إنه لمن أهل الجنة» «١» .
وكان أبو هريرة يقول: حدثونى عن رجل دخل الجنة لم يصل قط؟ فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟ فيقول: أصيرم بنى عبد الأشهل؟
وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا له: إن الله قد عذرك. فأتى رسول الله ﷺ فقال: إن بنى يريدون أن يحبسونى عن هذا الوجه والخروج معك فيه، فو الله إنى لأرجو أن أطأ بعرجتى هذه فى الجنة. فقال له رسول الله ﷺ: «أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك» . وقال لبنيه: «ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه الشهادة» «٢» فخرج معه فقتل، يرحمه الله.
ووقعت هند بنت عتبة «٣» والنسوة اللاتى معها يمثلن بالقتلى من المسلمين يجدعن الاذان والأنوف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وأنوفهم خدما وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا قاتل حمزة، وبقرت عن كبد حمزةرضي الله عنه- فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها:
نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر «٤»
ما كان عن عتبة لى من صبر ولا أخى وعمه وبكر
_________________
(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٤٢٨، ٤٢٩) .
(٢) انظر الحديث فى: إتحاف السادة المتقين (١٠/ ٣٣٢)، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٧) .
(٣) انظر ترجمتها فى: الإصابة ترجمة رقم (١١٨٦٠)، أسد الغابة ترجمة رقم (٧٣٥٠)، الثقات (٢/ ٤٣٩)، أعلام النساء (٥/ ٢٣٩)، تجريد أسماء الصحابة (٢/ ٣١٠)، أزمنة التاريخ الإسلامى (١٠٠٨)، تلقيح فهوم أهل الأثر (٣١٩)، ودر السحابة (٨٢٤) .
(٤) السعر: أى الالتهاب.
[ ١ / ٣٨٣ ]
شفيت نفسى وقضيت نذرى شفيت وحشى غليل صدرى
فشكر وحشى علىّ عمرى حتى ترم أضلعى فى قبرى
فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب، فقالت:
خزيت فى بدر وبعد بدر يا منه وقاع عظيم الكفر
صبحك الله غداة الفجر بالهاشمين الطوال الزهر
بكل قطاع حسام يفرى حمزة ليثى وعلى صقرى
إذ رام شيب وأبوك غدرى فخضبا منه ضواحى النحر
ونذرك السوء فشر نذر
وقد كان الحليس بن زبان أخو بنى الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيد الأحابيش، مر بأبى سفيان وهو يضرب فى شدق حمزة بن عبد المطلب بزح الرمح ويقول: ذق عقق، فقال الحليس: يا بنى كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما. فقال: ويحك، اكتمها عنى فإنها كانت زلة.
ثم إن أبا سفيان حين أراد الإنصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته:
أنعمت فعال، إن الحرب سجال يوم بيوم بدر، اعل هبل. أى ظهر دينك.
فقال رسول الله ﷺ: «قم يا عمر فأجبه، فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار» «١» .
وفى الصحيح من حديث البراء أن أبا سفيان قال: إنه لنا العزى ولا عزى لكم.
فقال النبى ﷺ: «أجيبوه» . قالوا: ما نقول؟ قال قالوا: «الله مولانا ولا مولى لكم» «٢» .
وفيه أيضا: أن أبا سفيان أشرف يوم أحد فقال: أفى القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه.
فقال: أفى القوم ابن أبى قحافة؟ قال: لا تجيبوه. قال: أفى القوم ابن الخطاب؟ فلما لم يجبه أحد قال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال:
كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يخزيك.
قال ابن إسحاق: فلما أجاب عمر أبا سفيان قال له: هلم إلى يا عمر، فقال رسول
_________________
(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٨) .
(٢) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٤/ ٨٠)، مسند الإمام أحمد (٤/ ٢٩٣)، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢١٣)، تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر (٦/ ٣٩٨) .
[ ١ / ٣٨٤ ]
الله ﷺ لعمر: «ايته فانظر ما شأنه» «١» . فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمر:
أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا وإنه ليسمع كلامك الآن، قال: أنت أصدق عندى من ابن قميئه وابر. لقول ابن قميئة لهم: إنى قد قتلت محمدا، ثم نادى أبو سفيان: إنه قد كان فى قتلاكم مثل، والله ما رضيت وما سخطت، وما أمرت وما نهيت.
ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل. فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه قل: «نعم، هو بيننا وبينكم موعد» «٢» .
ثم بعث رسول الله ﷺ على بن أبى طالب فقال: «اخرج فى آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، والذى نفسى بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأناجزنهم» «٣»؛ فخرج على فرآهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة.
وفرغ الناس لقتلاهم وانتشروا يبتغونهم، فلم يجدوا قتيلا إلا وقد مثلوا به إلا حنظلة ابن أبى عامر فإن أباه كان مع المشركين فتركوه له، وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلا فدفع صدره بقدمه وقال: قد تقدمت إليك فى مصرعك هذا، ولعمر الله إن كنت لواصلا للرحم برا بالوالدة.
وقال رسول الله ﷺ: «من رجل ينظر لى ما فعل سعد بن الربيع، أفى الأحياء هو أم فى الأموات؟» «٤» فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل. فنظر فوجده جريحا فى القتلى وبه رمق، قال فقلت له: إن رسول الله ﷺ أمرنى أن أنظر أفى الأحياء أنت أم فى الأموات؟ قال: أنا فى الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ عنى السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيّا عن أمته، وأبلغ قومك السلام عنى وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف. قال: ثم لم أبرح حتى مات. فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته خبره.
_________________
(١) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (٢/ ٩٠) .
(٢) انظر الحديث فى: التاريخ لابن كثير (٤/ ٣٨)، تاريخ الطبرى (٢/ ٧١) .
(٣) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ٧١)، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ١٣٨)، المغازى للواقدى (١/ ٢٩٨) .
(٤) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٨٥)، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٩) .
[ ١ / ٣٨٥ ]
وفى سعد هذا يقول أبو بكر الصديقرضي الله عنه- وقد دخل عليه رجل وعلى صدره بنت لسعد جارية صغيرة يرشفها ويقبلها فقال الرجل: من هذه؟ فقال أبو بكر ﵁: بنت رجل خير منى، سعد بن الربيع، كان من النقباء ليلة العقبة وشهد بدرا، واستشهد يوم أحد.
وخرج رسول الله ﷺ يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادى قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فقال رسول الله ﷺ حين رأى ما رأى: «لولا أن تحزن صفية ويكون سنّة من بعدى لتركته حتى يكون فى بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرنى الله على قريش فى مواطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم» «١» .
فلما رأى المسلمون حزن الرسول ﷺ وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثله لم يمثلها أحد من العرب. فأنزل الله تعالى، فيما قاله من ذلك رسوله صلوات الله عليه وسلامه: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل: ١٢٦، ١٢٧]، فعفا رسول الله ﷺ وصبر ونهى عن المثلة.
ويقال: إن رسول الله ﷺ لما وقف على حمزة قال: «لن أصاب بمثلك أبدا! ما وقفت موقفا قط أغيظ إلى من هذا» «٢» . ثم قال: «جاءنى جبريل فأخبرنى أن حمزة مكتوب فى أهل السموات السبع: حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله» «٣» .
ثم أمر به رسول الله ﷺ فسجى ببرده، ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات، ثم أتى بالقتلى، يوضعون إلى حمزة وصلى عليهم وعليه معهم، حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة.
وأقبلت صفية بنت عبد المطلب «٤» إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها فقال رسول الله
_________________
(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٣٩) .
(٢) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (١/ ٣٧١)، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٠) .
(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٠) .
(٤) انظر ترجمتها فى: طبقات ابن سعد (٨/ ٤١)، طبقات خليفة (٣٣١)، تاريخ خليفة (١٤٧)، المعارف (١٢٨)، تاريخ الإسلام (٣٨١٢)، الإصابة ترجمة رقم (١١٤١١) .
[ ١ / ٣٨٦ ]
ﷺ لابنها الزبير بن العوام: «القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها» . فقال لها: يا أمه، إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعى. قالت ولم؟ وقد بلغنى أن قد مثّل بأخى، وذلك فى الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فلما أخبر الزبير بذلك رسول الله ﷺ قال له: «خل سبيلها» . فأتته فنظرت إليه فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له.
ثم أمر به رسول الله ﷺ فدفن.
وزعم آل عبد الله بن جحش أن رسول الله ﷺ دفن عبد الله بن جحش مع حمزة فى قبره، وهو ابن أخته أميمة بنت عبد المطلب، وكان قد مثل به كما مثل بخاله حمزة، إلا أنه لم يبقر عن كبده وجدع أنفه وأذناه، فلذلك يقال له: المجدع فى الله.
وكان فى أول النهار قد لقى سعد بن أبى وقاص فقال له عبد الله: هلم يا سعد فلندع الله وليذكر كل واحد منا حاجته فى دعائه وليؤمن الآخر. فقال سعد: يا رب إذا لقيت العدو فلقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى ثم ارزقنى الظفر عليه حتى أقتله وأسلبه سلبه. فأمن عبد الله بن جحش ثم قال: اللهم ارزقنى رجلا شديدا بأسه شديدا حرده أقاتله فيك ويقاتلنى فيقتلنى ثم يجدع أنفى وأذنى، فإذا لقيتك غدا قلت لى: يا عبد الله، فيم جدع أنفك وأذناك؟ فأقول: فيك يا رب وفى رسولك. فتقول لى: صدقت. فأمن سعد على دعوته.
قال سعد: كانت دعوة عبد الله خيرا من دعوتى، لقد رأيته النهار وإن أذنيه وأنفه معلقان فى خيط، ولقيت أنا فلان من المشركين فقتلته وأخذت سلبه.
وذكر الزبير أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم أحد فأعطاه رسول الله ﷺ عرجونا فعاد فى يده سيفا منه، فقاتل به فكان ذلك السيف يسمى العرجون، ولم يزل هذا يتوارث حتى بيع من بغا التركى بمائتى دينار.
واحتمل ناس من المسلمين قتلاهم إلى المدينة فدفنوهم بها، ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك قال: «ادفنوهم حيث صرعوا» «١» .
ولما أشرف صلوات الله عليه وسلامه يوم أحد على القتلى قال: «أنا شهيد على هؤلاء، إن ما من جريح يجرح فى الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمى جرحه اللون لون
_________________
(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢٩٠) .
[ ١ / ٣٨٧ ]
دم والريح ريح مسك، انظروا أكثر هؤلاء جمعا للقرآن فاجعلوه أمام أصحابه فى القبر» «١» . وكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة فى القبر الواحد.
وقال- يومئذ- حين أمر بدفن القتلى: «انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام، فإنهما كانا متصافيين فى الدنيا فاجعلوهما فى قبر واحد» «٢» .
وذكر مالك بن أنس فى موطّئه أن السيل حفر قبرهما بعد زمان فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا كأنما ماتا بالأمس، وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة.
ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش، فلما لقيت الناس نعى لها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت، فقال رسول الله ﷺ: «إن زوج المرأة منها لبمكان» «٣» لما رأى من تثبتها على أخيها وخالها وصياحها على زوجها.
ومر رسول الله ﷺ بدار من دور الأنصار فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم، فذرفت عيناه فبكى، ثم قال: «لكن حمزة لا بواكى له» «٤» .
فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن حضير إلى دار بنى عبد الأشهل أمرا نساءهما أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله ﷺ، ففعلن فلما سمع رسول الله ﷺ بكاءهن على حمزة خرج عليهن وهن على باب المسجد يبكين عليه، فقال: «ارجعن
_________________
(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤١، ٤٢)، الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ١/ ٧) .
(٢) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٥٦٢)، موطأ مالك (٢/ ٤٧٠/ ٤٩) .
(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٣٠١)، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٦) .
(٤) انظر الحديث فى: سنن ابن ماجه (١٥٩١)، مسند الإمام أحمد (٢/ ٤٠، ٨٤، ٩٢)، السنن الكبرى للبيهقى (٤/ ٧٠)، مستدرك الحاكم (١/ ٣٨١، ٣/ ١٩٥)، المعجم الكبير للطبرانى (٣/ ١٥٩، ١١/ ٣٩٢)، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٢٠)، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١/ ٣١، ٣/ ١/ ٥، ١٠، ١١)، مصنف ابن أبى شيبة (٣/ ٣٩٤)، مصنف عبد الرزاق (٦٦٩٤)، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٢١٦، ٣٠١)، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٦٩٤٥) .
[ ١ / ٣٨٨ ]
يرحمكن الله، فقد آسيتن «١» بأنفسكن» «٢» . وقيل: إنه لما سمع بكاءهن قال: «رحم الله الأنصار، فإن المواساة منهم ما علمت لقديمة، مروهن فلينصرفن» .
ومر رسول الله فى انصرافه بامرأة من بنى دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد، فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين. قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. فأشير لها إليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل! تريد صغيرة.
فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: «اغسلى عن هذا دمه يا بنية، فو الله لقد صدقنى اليوم» «٣»، وناولها على بن أبى طالب سيفه فقال: وهذا فاغسلى عنه دمه، فو الله لقد صدقنى اليوم. فقال رسول الله ﷺ: «لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة» «٤» .
وكان يقال لسيف رسول الله ﷺ: ذو الفقار. ونادى مناد يوم أحد:
لا سيف إلا ذو الفقا ر ولا فتى إلا على
وقال رسول الله ﷺ لعلى بن أبى طالب: «لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا» «٥» .
وكان يوم أحد السبت للنصف من شوال.
فلما كان الغد منه يوم الأحد أذن مؤذن رسول الله ﷺ بطلب العدو، وأذن مؤذنه:
أن لا يخرجن معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس.
فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: يا رسول الله، كان أبى خلفنى على أخوات لى سبع وقال: «يا بنى لا ينبغى لى ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذى أو ثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسى، فتخلف على أخواتك.
فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه.
وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج فى طلبهم فيظنوا به قوة، وأن الذى أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.
_________________
(١) آسيتن: أى عزيتن وعاونتن.
(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٧)، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٣٠١، ٣٠٢) .
(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٧) .
(٤) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٢٤)، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٧) .
(٥) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٧) .
[ ١ / ٣٨٩ ]