قال الله العظيم: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ [آل عمران: ٩٦] .
[ ١ / ٣٠ ]
وفى الصحيح من حديث أبى ذر الغفارى، أنه سأل رسول الله ﷺ: أى مسجد وضع فى الأرض أول؟ فقال له: «المسجد الحرام» قال: قلت: ثم أى؟ قال: «ثم المسجد الأقصى» قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون عاما» «١» .
وذكر الزبير بن أبى بكر بإسناده إلى جعفر بن محمد الصادق ﵁، قال:
كنت مع أبى محمد بن على بمكة فى ليالى العشر قبل التروية بيوم أو يومين، وأبى قائم يصلى فى الحجر، وأنا جالس وراءه، فجاء رجل أبيض الرأس واللحية، جليل العظام بعيد ما بين المنكبين عريض الصدر، عليه ثوبان غليظان فى هيئة محرم، فجلس إلى جنبه، فخفف أبى الصلاة، فسلم ثم أقبل عليه، فقال له الرجل: يا أبا جعفر، أخبرنى عن بدء خلق هذا البيت كيف كان؟.
فقال له أبو جعفر محمد بن على: ممن أنت يرحمك الله؟ قال: رجل من أهل الشام.
فقال له محمد بن على: إن أحاديثنا إذا سقطت إلى الشام جاءتنا صحاحا، وإذا سقطت إلى العراق حجاءتنا وقد زيد فيها ونقص.
ثم قال: بدء خلق هذا البيت أن الله ﵎، قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، فردوا عليه: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها الآية.
وغضب عليهم، فعاذوا بالعرش، وطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم، فرضى عنهم وقال لهم: ابنوا لى فى الأرض بيتا فيعوذ به من سخطت عليه من بنى آدم ويطوفون حوله، كما فعلتم بعرشى، فأرضى عنهم.
فبنوا له هذا البيت. فهذا يا عبد الله بدء خلق هذا البيت.
فقال الرجل: يا أبا جعفر، فما بدء خلق هذا الركن؟.
فقال: إن الله ﵎ لما خلق الخلق، قال لبنى آدم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
وأقروا. وأجرى نهرا أحلى من العسل وألذ من الزبد، ثم أمر القلم فاستمد من ذلك النهر فكتب إقرارهم وما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر، فهذا الاستلام الذى ترى إنما هو بيعة على إقرارهم بالذى كانوا أقروا به.
_________________
(١) أخرجه البخارى (٤/ ١٧٧، ١٩٧)، مسلم فى صحيحه كتاب المساجد (١، ٢)، البيهقى فى السنن الكبرى (٢/ ٤٣٣)، السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٢)، ابن كثير فى التفسير (٢/ ٦٣، ٥/ ٤٠٩)، القرطبى فى التفسير (٤/ ١٣٧)، أبو نعيم فى الحلية (٤/ ٢١٦) .
[ ١ / ٣١ ]
وقال جعفر بن محمد: كان أبى إذا استلم الركن قال: اللهم أمانتى أديتها، وميثاقى وفيت به، ليشهد لى عندك بالوفاء. قال: وقام الرجل فذهب.
قال جعفر بن محمد: فأمرنى أبى أن أرده عليه، فخرجت فى أثره وأنا أراه، يحول بينى وبينه الزحام، حتى دخل نحو الصفا، فتبصرته على الصفا فلم أره، ثم ذهبت إلى المروة فلم أره عليها، فجئت إلى أبى فأخبرته فقال لى أبى: لم تكن لتجده، وذلك الخضر ﵇؟!!
وخرج الترمذى من حديث عبد الله بن عباس وصححه، قال: قال رسول الله ﷺ:
«نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بنى آدم» «١» .
ومن حديث عبد الله بن عمرو، مرفوعا وموقوفا، قال: «إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس نورهما لأضاآ ما بين المشرق والمغرب» «٢» .
ومن حديث ابن عباس أيضا قال: قال رسول الله ﷺ فى الحجر: «والله ليبعثه الله يوم القيامة، له عينان يبصر بهما ولسان ينطق، يشهد على من استلمه بحق» «٣» .
وذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى من حديث عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهب بن منبه يقول: إن آدم ﵇ لما هبط إلى الأرض فرأى سعتها ولم ير فيها أحدا غيره، قال: يا رب أما لأرضك هذه عامر يسبح بحمدك ويقدسك غيرى؟
قال الله تعالى: إنى سأجعل فيها من ولدك من يسبح بحمدى ويقدسنى، وسأجعل فيها بيوتا ترفع لذكرى ويسبح فيها خلقى ويذكر فيها اسمى، وسأجعل من تلك البيوت بيتا أخصه بكرامتى وأوثره باسمى، فأسميه بيتى، وعليه وضعت جلالى، ثم أنا
_________________
(١) أخرجه الترمذى حديث رقم (٨٧٧)، ابن خزيمة فى صحيحه (٢٧٣٣)، المتقى الهندى فى الكنز (٣٤٧٣٧)، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (٤/ ٣٤٤)، التبريزى فى مشكاة المصابيح (٢٥٧٧) .
(٢) أخرجه الإمام أحمد فى المسند (٢/ ٢١٣)، الحاكم فى المستدرك (١/ ٤٥٦)، المتقى الهندى فى كنز العمال (٣٤٧٤١)، التبريزى فى مشكاة المصابيح (٢٥٧٩)، السيوطى فى جمع الجوامع (٥٥٧٠) .
(٣) أخرجه الترمذى فى سننه حديث (٩٦١)، الزبيدى فى إتحاف السادة المتقين (٤/ ٢٧٦)، المتقى الهندى فى الكنز (٣٤٧٢٣) .
[ ١ / ٣٢ ]
مع ذلك فى كل شىء ومع كل شىء، أجعل ذلك البيت حرما آمنا، يتحرم بحرمته من حوله ومن تحته ومن فوقه، فمن حرمه بحرمتى استوجب بذلك كرامتى ومن أخاف أهله فقد أخفر ذمتى وأباح حرمتى، أجعله أول بيت وضع للناس ببطن مكة مباركا، يأتونه شعثا غبرا على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يزجون بالتلبية زجيجا ويثجون بالبكاء ثجيجا، ويعجون بالتكبير عجيجا.
فمن اعتمده لا يريد غيره فقد وفد إلى وزارنى وضافنى، وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يسعف كلا بحاجته.
تعمره يا آدم ما كنت حى، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك، أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن «١» .
وفى حديث غير هذا عن عطاء وقتادة، أن آدم ﵇، لما أهبطه الله من الجنة وفقد ما كان يسمعه ويأنس إليه من أصوات الملائكة وتسبيحهم، استوحش حتى شكا ذلك إلى الله تعالى فى دعائه وصلاته، فوجهه إلى مكة، وأنزل الله تعالى ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن.
وقال الله: يا آدم، إنى قد أهبطت لك بيتا تطوف به، كما يطاف حول عرشى وتصلى عنده كما يصلى عند عرشى.
فانطلق إليه آدم، فطاف به هو ومن بعده من الأنبياء، إلى أن كان الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى أمر الله إبراهيم ﵇ ببناء البيت، فبناه، فذلك قوله تعالى:
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ الآية.
وعن ابن عباس، أن الله أوحى إلى آدم: أن لى حرما بحيال عرشى، فانطلق فابن لى بيتا فيه، ثم حف به كما رأيت ملائكتى يحفون بعرشى، فهنالك أستجيب لك ولولدك، من كان منهم فى طاعتى.
فقال آدم: أى رب، وكيف لى بذلك؟ لست أقوى عليه ولا أهتدى لمكانه.
فقيض الله له ملكا فانطلق به نحو مكة، فكان آدم ﵇ إذا مر بروضة ومكان يعجبه قال للملك: انزل بنا هاهنا. فيقول له الملك: أمامك.
حتى قدم مكة، فبنى البيت من خمسة أجبل، من طور سيناء، وطور زيتا، ومن لبنان، والجودى، وبنى قواعده من حراء.
_________________
(١) أخرجه الطبرى فى التاريخ (١/ ١٣١) .
[ ١ / ٣٣ ]
فلما فرغ من بنائه خرج به الملك إلى عرفات، فأراه المناسك كلها، التى يفعلها الناس اليوم، ثم قدم به مكة، فطاف بالبيت أسبوعا ثم رجع إلى أرض الهند فمات بها.
وفى رواية أنه حج من الهند أربعين حجة على رجليه.
وذكر الواقدى عن أبى بكر بن سليمان بن أبى خيثمة العدوى قال: قلت لأبى جهم ابن حذيفة: يا عم، حدثنى عن بناء البيت ونزول إسماعيل ﵇ الحرم.
قال: يا ابن أخى سلنى عنه على نشاط منى فإنى أعلم من ذلك ما لا يعلمه غيرى.
قال: فمكثت شهرا أذكره المرة بعد المرة، فيقول مثل قوله الأول، وكان قد كبر ورق وضعف، فدخلت عليه يوما وهو مسرور، فقال لى: اسمع حديثك الذى سألتنى عنه.
إن البيت بناؤه حرم فى السماء السابعة وفى الأرض السابعة. يعنى أن ما يقابله حرم.
وإن آدم ﵇، أمر بأساسه فبناه هو وحواء، أسساه بصخر أمثال الخلفات، يعنى النوق التى فى بطونها أجنة، واحدتها خلفة. أذن الله ﷿ للصخر أن يطيعهما.
ثم نزل البيت من السماء من ذهب أحمر، وكل به من الملائكة سبعون ألف ملك، فوضعوه على رأس آدم ﵇، ونزل الركن، وهو يومئذ درة بيضاء، فوضع موضعه اليوم من البيت، وطاف به آدم وصلى فيه. فلما مات آدم ﵇ وليه بعده ابنه شيث، فكان كذلك حتى حجه نوح ﵇. فلما كان الغرق يعنى الطوفان، بعث الله جل ثناؤه سبعين ألف ملك فرفعوه إلى السماء، كى لا يصيبه الماء النجس، وبقيت قواعده، وجاءت السفينة فدارت به سبعا ثم دثر البيت، فلم يحجه من بين نوح وبين إبراهيم أحد من الأنبياء على جميعهم السلام «١» .
وعن غير الواقدى فى غير حديث أبى الجهم، أن شيث بن آدم ﵉، هو أول من بنى الكعبة، وأنها كانت قبل أن يبنيها خيمة من ياقوتة حمراء يطوف بها آدم ويأنس بها لأنها أنزلت إليه من الجنة، وكان قد حج إلى موضعها من الهند.
وفى الخبر أن موضعها كان غثاء على الماء قبل أن يخلق الله السموات والأرض، فلما
_________________
(١) قد أورد الحافظ ابن كثير فى البداية والنهاية الكثير من الأخبار عن بناء البيت. انظرها فى البداية والنهاية (١/ ١٦٧- ١٧٠) .
[ ١ / ٣٤ ]
بدأ الله خلق الأشياء، خلق التربة قبل السماء، فلما خلق السماء وقضاهن سبع سماوات، دحا الأرض، أى بسطها، وإنما دحاها من تحت الكعبة، فلذلك سميت مكة أم القرى.
وذكر ابن هشام أن الماء لم يصل الكعبة حين الطوفان، ولكنه قام حولها، وبقيت هى فى هواء إلى السماء، وأن نوحا قال لأهل السفينة، وهى تطوف بالبيت: إنكم فى حرم الله ﷿ وحول بيته، فأحرموا لله ولا يمس أحد امرأة. وجعل بينهم وبين النساء حاجزا، فتعدى حام، فدعا عليه نوح بأن يسود الله لون بنيه، فأجابه الله على وفق ما دعاه، واسود كوش بن حام وولده إلى يوم القيامة.
وقد قيل فى سبب دعوته غير هذا، فالله أعلم.
ويروى أنه لما نضب ماء الطوفان، بقى مكان البيت ربوة من مدرة، فحج إليه بعد ذلك هود وصالح ومن آمن معهما، وأن يعرب قال لهود ﵇: ألا تبنيه؟ قال: إنما يبنيه نبى كريم يأتى من بعدى، يتخذه الرحمن خليلا.
قال أبو الجهم، من حديث الواقدى «١»: حتى أراد الله بإبراهيم ما أراد، فولد له إسماعيل وهو ابن تسعين سنة، فكان بكر أبيه، فلما أراد الله ﷿، أن يبوئ لإبراهيم مكان البيت وأعلامه، أوحى الله إليه يأمره بالمسير إلى بلده الحرام، فركب إبراهيم البراق، وحمل إسماعيل أمامه وهو ابن سنتين، وهاجر خلفه، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم، فكان لا يمر بقرية إلا قال له إبراهيم: بهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: لا. حتى قدم به مكة، وهى إذ ذاك عضاة وسلم وسمر، والعماليق يومئذ حول الحرم، وهم أول من نزل مكة ويكونون بعرفة، وكانت المياه يومئذ قليلة، وكان موضع البيت قد دثر وهو ربوة حمراء مدرة، وهو يشرف على ما حوله، فقال جبريل حين دخل من كداء «٢»، وهو الجبل الذى يطلعك على الحجون «٣» والمقبرة: بهذا أمرت. قال إبراهيم: بهذا أمرت؟ قال: نعم.
_________________
(١) انظر ما ذكره ابن كثير فى البداية (١/ ١٥٩) .
(٢) كداء: بفتح أوله ممدود لا يصرف لأنه مؤنث، جبل بمكة، وهو عرفة وهى كلها موقف إلا عرنة فليست فى الحرم بينها وبين الحرم رمية حجر. انظر: الروض المعطار (٤٩٠)، معجم ما استعجم (٤/ ١١١٧، ١١١٨) .
(٣) الحجون: بفتح الحاء، موضع بمكة عند المحصب، وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذى يلى شعب الجزارين إلى ما بين الحوضين اللذين فى حائط عوف، وقيل: الحجون مقبرة أهل مكة تجاه دار أبى موسى الأشعرى ﵁. انظر: الروض المعطار (١٨٨) .
[ ١ / ٣٥ ]