قال ابن إسحاق «٥»: ثم أسرى برسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
_________________
(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٧/ ١٤٣)، أسباب النزول للواحدى (ص ٤٠٤) .
(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٣/ ٢٢٠، ٢٢١، ٢٣٦)، مجمع الزوائد للهيثمى (١٠/ ٣٦٠، ٣٦١) .
(٣) ذكره الشوكانى فى فتح القدير (٢/ ١٤٧) .
(٤) ذكره الشوكانى فى فتح القدير (٢/ ١٤٨) .
(٥) انظر: السيرة (٢/ ٥- ٧) . قلت: ولم يذكر ابن إسحاق تحديد السنة التى وقع فيها الإسراء، وقد تعرض ابن كثير فى البداية والنهاية لذلك، فقال: ذكر ابن عساكر أحاديث الإسراء فى أوائل البعثة، وأما ابن إسحاق فذكرها فى هذا الموطن بعد البعثة بنحو من عشر سنين، وروى البيهقى من طريق موسى بن عقبة، عن الزهرى أنه قال: أسرى برسول الله ﷺ قبل خروجه إلى المدينة بسنة ثم روى عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدى أنه قال: فرض على رسول الله ﷺ الخمس ببيت المقدس ليلة أسرى به-
[ ١ / ٢٣٣ ]
وهو بيت المقدس من إيلياء، وقد فشا الإسلام مكة فى قريش وفى القبائل كلها.
فكان من الحديث فيما بلغنى، عن مسراه صلوات الله عليه وسلامه، عن عبد الله بن مسعود، وأبى سعيد الخدرى، وعائشة زوج النبى ﷺ، ومعاوية بن أبى سفيان، وأم هانىء بنت أبى طالب، والحسن بن أبى الحسن، وابن شهاب الزهرى، وقتادة وغيرهم من أهل العلم ما اجتمع فى هذا الحديث، كل يحدث عنه بعض ما ذكر من أمر رسول الله ﷺ حين أسرى به.
وكان فى مسراه وما ذكر منه بلاء وتمحيص وأمر من الله فى قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولى الألباب وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق.
وكان من أمر الله على يقين، فأسرى به كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التى يصنع بها ما يريد.
فكان عبد الله بن مسعود، فيما بلغنى عنه، يقول أتى رسول الله ﷺ بالبراق، وهى الدابة التى كانت تحمل عليها الأنبياء قبله، تضع حافرها فى منتهى طرفها، فحمل عليه، ثم خرج به صاحبه يرى الآيات فيما بين السموات والأرض حتى انتهى إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى فى نفر من الأنبياء ﵈ قد جمعوا له، فصلى بهم ثم أتى بثلاثة آنية، إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء، قال:
فسمعت قائلا يقول: إن أخذ الماء فغرق وغرقت أمته، وإن أخذ الخمر فغوى وغوت أمته، وإن أخذ اللبن هدى وهديت أمته. قال: «فأخذت إناء اللبن فشربت، فقال له جبريل: هديت وهديت أمتك يا محمد» «١» .
قال «٢»: وحدثت عن الحسن أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «بينا أنا نائم فى الحجر
_________________
(١) - قبل مهاجره بستة عشر شهرا. فعلى قول السدى يكون الإسراء فى شهر ذى القعدة، وعلى قول الزهرى وعروة يكون فى ربيع الأول. ثم ذكر عن جابر، وابن عباس قالا: ولد رسول الله ﷺ عام الفيل يوم الإثنين الثانى عشر من ربيع الأول، وفيه بعث وفيه عرج به إلى السماء وفيه هاجر ومات. وفيه انقطاع، ثم ذكر أن المقدسى أورد حديثا لا يصح سند: أن الإسراء كان ليلة السابع والعشرين من رجب والله أعلم. انظر: المنتظم لابن الجوزى (حاشية ٣/ ٢٦) تحقيقنا.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره (٥/ ٢٨)، ابن حجر فى فتح البارى (٧/ ٢٥٦)، الهيثمى فى المجمع (١/ ٧٨)، السيوطى فى الخصائص الكبرى (١/ ٢٦٨، ٢٦٩) .
(٣) انظر: السيرة (٢/ ٧) .
[ ١ / ٢٣٤ ]
جاءنى جبريل فهمزنى بقدمه، فجلست فلم أر شيئا، فعدت لمضجعى، فجاءنى الثانية فهمزنى بقدمه فجلست فلم أر شيئا، فعدت لمضجعى فجاءنى الثالثة فهمزنى بقدمه فجلست فأخذ بعضدى، فقمت معه فخرج بى إلى باب المسجد، فإذا دابة أبيض، بين البغل والحمار، فى فخذيه جناحان يحفز بهما رجليه. يضع يديه فى منتهى طرفه، فحملنى عليه ثم خرج معى لا يفوتنى ولا أفوته» «١» .
وفى حديث قتادة أن رسول الله ﷺ قال: «لما دنوت منه لأركبه شمش فوضع جبريل يده على معرفته ثم قال: ألا تستحى يا براق مما تصنع! فو الله ما ركبك عبد الله قبل محمد أكرم عليه منه. فاستحيا حتى ارفض عرقا ثم قر حتى ركبته» «٢» .
وفى حديث الحسن من انتهاء جبريل بالنبى ﷺ إلى بيت المقدس وإمامته فيه بمن وجد عنده من الأنبياء، على جميعهم السلام، نحو ما تقدم من ذلك فى حديث ابن مسعود.
قال: ثم أتى بإناءين فى أحدهما خمر وفى الآخر لبن، فأخذ إناء اللبن وترك إناء الخمر، فقال له جبريل: هديت للفطرة وهديت أمتك وحرمت عليكم الخمر.
وذكر تحريم الخمر هنا غريب جدا، والذى عليه العلماء أن الخمر إنما حرمت بالمدينة بعد سنين من الهجرة.
قال الحسن: ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى مكة، فلما أصبح غدا على قريش فأخبرهم الخبر. فقال أكثر الناس: هذا والله الإمر البين «٣»، والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد فى ليلة واحدة ويرجع إلى مكة!. قال: فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبى بكر، فقالوا: هل لك يا أبا بكر فى صاحبك! يزعم أنه جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة.
فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه. فقالوا: بلى ها هو ذاك فى المسجد يحدث به الناس.
فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك؟! فو الله إنه
_________________
(١) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (١٥/ ٣، ٤) .
(٢) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٣٣٣١)، تفسير الطبرى (١٥/ ١٢، ١٣)، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٢٤٧)، مسند الإمام أحمد (٣/ ١٦٤) .
(٣) الإمر البين: هو الأمر العظيم أو الشنيع، وقيل: هو العجب.
[ ١ / ٢٣٥ ]
ليخبرنى أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض فى ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد ما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا نبى الله، أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: «نعم» . قال: يا نبى الله، فصفه لى فإنى قد جئته.
قال الحسن: فقال رسول الله ﷺ: «فرفع لى حتى نظرت إليه»، فجعل رسول الله ﷺ يصفه لأبى بكر، ويقول أبو بكر: صدقت أشهد أنك رسول الله. كلما وصف له منه شيئا قال: صدقت أشهد رسول الله. حتى إذا انتهى قال رسول الله ﷺ لأبى بكر:
وأنت يا أبا بكر الصديق أشهد أنك. فيومئذ سماه الصديق.
قال الحسن: وأنزل الله فيمن ارتد عن إسلامه لذلك: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا [الإسراء: ٦٠]، فهذا حديث عن مسرى رسول الله ﷺ، وما دخل فيه من حديث قتادة «١» .
قال ابن إسحاق «٢»: وحدثنى بعض آل أبى بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن أسرى بروحه «٣» .
وكان معاوية بن أبى سفيان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة «٤» .
فلم ينكر ذلك من قولهما لقول الحسن إن هذه الآية نزلت فى ذلك، قول الله:
وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ولقوله تعالى فى الخبر عن إبراهيم إذ قال لابنه: يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات: ١٠٢] ثم مضى على ذلك، فعرفت أن الوحى من الله يأتى الأنبياء أيقاظا ونياما.
_________________
(١) ذكر البخارى فى صحيحه (٤٧١٦) كتاب التفسير باب وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ، من حديث ابن عباس، قال: هى رؤيا عين رأيها رسول الله ﷺ ليلة أسرى به والشجرة الملعونة هى شجرة الزقوم. وأخرجه أحمد فى مسنده (١/ ٢٢١، ٣٧٠)، الترمذى فى كتاب التفسير (٣١٣٤)، الحاكم فى المستدرك (٢/ ٣٦٢) .
(٢) انظر: السيرة (٢/ ٩) .
(٣) ذكره الطبرى فى تفسيره (١٥/ ١٣) .
(٤) ذكره الطبرى فى تفسيره (١٥/ ١٣) .
[ ١ / ٢٣٦ ]
وكان رسول الله ﷺ يقول: «تنام عينى وقلبى يقظان» «١» . فالله أعلم أى ذلك كان قد جاءه وعاين ما عاين من أمر الله، على أى حاليه كان نائما أو يقظان، كل ذلك حق وصدق.
وزعم الزهرى عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ وصف لأصحابه إبراهيم وموسى وعيسى حين رآهم فى تلك الليلة صلوات الله على جميعهم، فقال: «أما إبراهيم فلم أر رجلا أشبه بصاحبكم، ولا صاحبكم أشبه به منه، وأما موسى فرجل آدم طويل ضرب جعد أقنى كأنه من رجال شنوءة، وأما عيسى ابن مريم فرجل أحمر بين القصير والطويل، سبط الشعر كثير خيلان الوجه كأنه خرج من ديماس تخال رأسه يقطر ماء وليس فيه ماء، أشبه رجالكم به عروة بن مسعود الثقفى» «٢» .
قال ابن هشام «٣»: وكانت صفة رسول الله ﷺ فيما ذكر عمر مولى غفرة، عن إبراهيم بن محمد بن على بن أبى طالب، قال: كان علىّ إذا نعت النبى ﷺ يقول: لم يكن بالطويل الممغط ولا القصير المتردد، كان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان أبيض مشربا أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش والكند دقيق المسربة أجرد شئن الكفين والقدمين، إذا تمشى تقلع كأنما يمشى فى صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، وهو ﷺ خاتم النبيين أجود الناس كفا وأجرأ الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وأوفى الناس بذمة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله، ﷺ «٤» .
_________________
(١) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (١٥/ ١٣) .
(٢) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (١٥/ ١٢) .
(٣) انظر: السيرة (٢/ ١١) .
(٤) انظر الحديث فى: سنن الترمذى (٣٦٣٨)، وقال: حديث حسن غريب ليس إسناده بمتصل. وقال أبو عيسى: سمعت أبا جعفر محمد بن الحسين، يقول: سمعت الأصمعى يقول فى تفسير صفة النبى ﷺ: الممغط: الذاهب طولا، وقال: سمعت أعرابيا يقول فى كلامه تمغط فى نشابته، أى مدها مدا شديدا. والمتردد: الداخل بعضه فى بعض قصرا. وأما القطط: فالشديد الجعودة. والرجل: الذى فى شعره حجونة، أى تثن قليل. وأما المطهم: فالبادن الكثير اللحم. والمكلثم: المدور الوجه. والمشرب: الذى فى بياضه حمرة. والأدعج: الشديد سواد العين. والأهدب: الطويل الأشفار. والكتد: مجتمع الكتفين وهو الكامل. والمسربة: هو الشعر الدقيق الذى كأنه قضيب من الصدر إلى السربة. والشثن: الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين. والتقلع: أن-
[ ١ / ٢٣٧ ]
قال ابن إسحاق «١»: وكان فيما بلغنى عن أم هانىء بنت أبى طالب أنها كانت تقول: ما أسرى برسول الله ﷺ إلا وهو فى بيتى، نام عندى تلك الليلة فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله ﷺ فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: يا أم هانىء، لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادى، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم قد صليت معكم صلاة الغداة الآن كما ترين، ثم قام ليخرج فأخذت بطرف ردائه، فتكشف عن بطنه وكأنه قبطية مطوية، فقلت: يا نبى الله، لا تحدث بهذا الناس فيكذبوك ويؤذوك، قال: والله لأحدثنهموه. فقلت لجارية لى حبشية: ويحك، اتبعى رسول الله ﷺ حتى تسمعى ما يقول للناس وما يقولون له، فلما خرج إلى الناس أخبرهم فعجبوا وقالوا: ما آية ذلك يا محمد، فإنا لم نسمع بمثل هذا قط؟ قال: آية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان بوادى كذا، فأنفرهم حسن الدابة، فند لهم بعير فدللتهم عليه وأنا موجه إلى الشام، ثم أقبلت حتى إذا كانت بضجنان مررت بعير بنى فلان فوجدت القوم نياما ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشىء، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ثم غطيت عليه كما كان، وآية ذلك أن عيرهم الآن تصوب من البيضاء، ثنية التنعيم، يقدمها جمل أورق عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء، فابتدر القوم الثنية فلم يلقهم أول من الجمل، كما وصف لهم، وسألوهم عن الإناء فأخبروهم أنهم وضعوه مملوء ماء ثم غطوه، وأنهم هبوا فوجدوه مغطى كما غطوا ولم يجدوا فيه ماء، وسألوا الآخرين وهم بمكة فقالوا: صدق والله، لقد أنفرنا فى الوادى الذى ذكر وندّ لنا بعير، فسمعنا صوت رجل يدعونا إليه حتى أخذناه «٢» .
قال ابن إسحاق «٣»: وحدثنى من لا أتهم، عن أبى سعيد الخدرى أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لما فرغت مما كان فى بيت المقدس أتى بالمعراج، ولم أر شيئا قط أحسن منه، وهو الذى يمد إليه ميتكم عينيه إذا حضر، فأصعدنى صاحبى فيه حتى انتهى بى إلى باب من أبواب السماء يقال له: باب الحفظة، عليه ملك من الملائكة يقال له:
_________________
(١) - يمشى بقوة. والصبب: الحدور، يقال: إنحدرنا فى صبوب وصبب. وقوله: جليل المشاش: يريد رؤس المناكب. العشرة: الصحبة. والعشير: الصاحب. والبديهة: المفاجأة، يقال: بدهته بأمر أى فجأته.
(٢) انظر: السيرة (٢/ ١٢- ١٣) .
(٣) انظر الحديث فى: تفسير الطبرى (١٥/ ٢)، تفسير ابن كثير (٥/ ٣٩)، مجمع الزوائد للهيثمى (١/ ٧٦، ٩/ ٤٢)، عيون الأثر لابن سيد الناس (١/ ١٧٤) .
(٤) انظر: السيرة (٢/ ١٣) .
[ ١ / ٢٣٨ ]
إسماعيل تحت يديه اثنا عشر ألف ملك تحت يدى كل ملك منهم اثنا عشر ألف ملك.
يقول رسول الله ﷺ حين حدث بهذا الحديث: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر: ٣١]، فلما دخل بى قال: «من هذا يا جبريل؟ قال: محمد. قال: أو قد بعث؟
قال: نعم، فدعا لى بخير» . وقاله «١» .
قال «٢»: وحدثنى بعض أهل العلم عمن حدثه عن رسول الله ﷺ أنه قال: ثم تلقتنى الملائكة حين دخلت السماء الدنيا، فلم يلقنى ملك إلا ضاحكا مستبشرا، يقول خيرا ويدعو به، حتى لقينى ملك من الملائكة فقال مثل ما قالوا ودعا بمثل ما دعوا به، إلا أنه لم يضحك، ولم أر منه من البشر مثل ما رأيت من غيره، فقلت لجبريل: من هذا الملك الذى قال لى مثل ما قالت الملائكة ولم يضحك ولم أر منه من البشر مثل الذى رأيت منهم. فقال جبريل: أما إنه لو كان ضحك إلى أحد قبلك أو كان ضاحكا إلى أحد بعدك لضحك إليك، ولكنه لا يضحك، هذا مالك صاحب النار.
قال رسول الله ﷺ: فقلت لجبريل، وهو من الله بالمكان الذى وصف لكم مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢١] ألا تأمره أن يرينى النار؟ فقال: بلى، يا مالك أر محمدا النار، فكشف عنها غطاءها ففارت وارتفعت حتى ظننت لتأخذن ما أرى.
فقلت لجبريل: مره فليردها إلى مكانها. فأمره، فقال لها: اخبى فرجعت إلى مكانها الذى خرجت منه، فما شبهت رجوعها إلا وقوع الظل، حتى إذا دخلت من حيث خرجت رد عليها غطاءها «٣» .
قال أبو سعيد الخدرى فى حديثه «٤» عن رسول الله ﷺ، قال: لما دخلت السماء الدنيا رأيت بها رجلا جالسا تعرض عليه أرواح بنى آدم، فيقول لبعضها إذا عرضت عليه خيرا ويسر به، ويقول: روح طيبة خرجت من جسد طيب، ويقول لبعضها إذا عرضت عليه أف، ويعبس بوجهه، روح خبيثة خرجت من جسد خبيث.
قال: قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم تعرض عليه أرواح ذريته، فإذا
_________________
(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٣٩٠)، تفسير ابن كثير (٥/ ٢٠، ٢٢)، البداية والنهاية (٣/ ١١٠، ١١١)، الكامل فى الضعفاء لابن عدى (٥/ ٧٩) .
(٢) انظر: السيرة (٢/ ١٤) .
(٣) لم أقف على تخريجه، بهذا اللفظ فيما بين يديه من مصادر.
(٤) تقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٣٩ ]
مرت به روح المؤمن منهم سر بها وإذا مرت به روح الكافر منهم أنف منها وكرهها.
قال: ثم رأيت رجالا لهم مشافر كمشافر «١» الإبل، فى أيديهم قطع من نار كالأفهار «٢» يقذفونها فى أفواههم فتخرج من أدبارهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلما.
ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط، بسبيل آل فرعون، يمرون عليهم كالإبل المهيومة «٣» حتى يعرضوا على النار، يطأونهم لا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك. قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا.
ثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم غث منتن، يأكلون من الغث المنتن ويتركون السمين الطيب، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء، ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن.
ثم رأيت نساء معلقات بثديهن، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء اللاتى أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم. قال: ثم صعد بى إلى السماء الثانية فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا.
قال: ثم أصعد بى إلى السماء الثالثة فإذا فيها رجل صورته كصورة القمر ليلة البدر، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك يوسف بن يعقوب، ثم أصعد بى إلى السماء الرابعة، فإذا فيها رجل، فسألته من هو؟ فقال: هذا إدريس. قال: يقول رسول الله ﷺ:
وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا [مريم: ٥٧] .
قال: ثم أصعد بى إلى السماء الخامسة فإذا فيها كهل أبيض الرأس واللحية عظيم العثنون لم أر كهلا أجمل منه. قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا المحبب فى قومه:
هارون بن عمران.
قال: ثم أصعد بى إلى السماء السادسة فإذا فيها رجل آدم طويل أقنى كأنه من رجال شنوءة فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران.
_________________
(١) مشافر: جمع شفر، وهو للبعير كالشفة للإنسان والجعفلة للفرس. انظر: اللسان (مادة شفر) .
(٢) الأفهار: جمع فهر بكسر فسكون وهو الحجر قدر ما يدق به الجوز ونحوه وتصغيرها فهير. انظر: اللسان (مادة فهر) .
(٣) المهيومة: العطشى، وقيل: هو من الداء، وقيل: الهيم الإبل التى يصيبها داء فلا تروى من الماء.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ثم أصعد بى إلى السماء السابعة فإذا كهل جالس على كرسى إلى باب البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يرجعون فيه إلى يوم القيامة، لم أر رجلا أشبه بصاحبكم ولا صاحبكم أشبه به منه. قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم.
ثم دخل بى الجنة فرأيت فيها جارية لعساء فسألتها لمن أنت؟ وقد أعجبتنى فقالت:
لزيد بن حارثة. فبشر بها رسول الله ﷺ زيدا.
ومن حديث عبد الله بن مسعود «١» أن جبريل لم يصعد به إلى سماء من السموات إلا قالوا له حين يستأذن فى دخولها: من هذا يا جبريل؟ فيقول: محمد. فيقولون: أو قد بعث؟ فيقول: نعم. فيقولون حياه الله من أخ وصاحب. حتى انتهى به إلى السماء السابعة، ثم انتهى به إلى ربه، ففرض عليه خمسين صلاة كل يوم.
قال رسول الله ﷺ: فأقبلت راجعا فلما مررت بموسى بن عمران، ونعم الصاحب كان لكم، سألنى: كم فرض عليك من الصلاة؟ فقلت: خمسين صلاة فى كل يوم.
قال: إن الصلاة ثقيلة وإن أمتك ضعيفة، فارجع إلى ربك فسله أن يخفف عنك وعن أمتك. فرجعت فسألت ربى فوضع عنى عشرا، ثم انصرفت فمررت على موسى فقال لى مثل ذلك، فرجعت فسألت ربى فوضع عنى عشرا ثم لم يزل يقول لى مثل ذلك كلما رجعت إليه، فأرجع فأسأل حتى انتهيت إلى أن وضع عنى ذلك إلا خمس صلوات فى كل يوم وليلة.
ثم رجعت على موسى فقال لى مثل ذلك، فقلت: قد راجعت ربى وسألته حتى استحييت منه، فلما أنا بفاعل. فمن أداهن منكم إيمانا واحتسابا لهن كان له أجر خمسين صلاة «٢» .
قال ابن إسحاق «٣»: فأقام رسول الله ﷺ على أمر الله صابرا محتسبا مؤديا إلى قومه النصيحة، على ما يلقى منهم من التكذيب والأذى والاستهزاء، وكان عظماء المستهزئين خمسة نفر من قومه، وكانوا ذوى أسنان وشرف فى قومهم: الأسود بن المطلب الأسدى، أبو زمعة، وكان رسول الله ﷺ فيما بلغنى قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه
_________________
(١) انظر: السيرة (٢/ ١٧) .
(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (١/ ٢٥٩) .
(٣) انظر: السيرة (٢/ ١٩) .
[ ١ / ٢٤١ ]
واستهزائه به فقال: «اللهم أعم بصره وأثكله ولده» «١» .
والأسود بن عبد يغوث الزهرى، والوليد بن المغيرة المخزومى، والعاص بن وائل السهى، والحارث بن الطلاطله الخزاعى. فلما تمادوا فى الشر وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء أنزل الله عليه: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الحجر: ٩٤، ٩٦] .
فأتى جبريل ﵇، رسول الله ﷺ وهم يطوفون بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمر به الأسود بن المطلب فرمى فى وجهه بورقة خضراء فعمى، وسيأتى بعد أنه أصيب له يوم بدر ثلاثة من ولده، ابناه زمعة وعقيل وابن ابنه الحارث بن زمعة، فاستوفى الله سبحانه بذلك فيه لرسوله ﷺ إجابة دعوته عليه بالعمى والثكل.
ثم مر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه حبنا، وعن غير ابن إسحاق أنه لما نزل: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر: ٩٥] نزل جبريل ﵇، فحنا ظهر الأسود بن عبد يغوث الزهرى، فقال له رسول الله ﷺ خالى خالى فقال له جبريل: خله عنك، ثم حناه حتى قتله.
قال ابن إسحاق: ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله أصابه قبل ذلك بسنين وهو يجر سبله، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبرقة فدخلت فى أخمص رجله شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخض قيحا فقتله «٢» .
قال «٣»: وكان النفر الذين يؤذون رسول الله ﷺ فى بيته أبو لهب، والحكم بن أبى العاص بن أمية، وعقبة بن أبى معيط، وعدى ابن حمراء الثقفى، وابن الأصداء الهذلى، وكانوا جيرانه لم يسلم أحد منهم إلا الحكم.
فكان أحدهم فيما ذكر لى، يطرح عليه رحم الشاة وهو يصلى، وكان أحدهم يطرحها فى برمته إذا نصبت له حتى اتخذ رسول الله ﷺ حجرا يستتر به منهم إذا
_________________
(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٠٥)، تفسير الطبرى (١٤/ ٤٨)، تفسير ابن كثير (٤/ ٤٧٠) .
(٢) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (٤/ ٤٧٠)، تفسير الطبرى (١٤/ ٤٨) .
(٣) انظر: السيرة (٢/ ٢٦) .
[ ١ / ٢٤٢ ]