قال ابن إسحاق «٢»: فلما بلغ رسول الله ﷺ أربعين سنة بعثه الله رحمة للعالمين وكافة للناس. وكان الله قد أخذ له الميثاق على كل نبى بعثه قبله بالإيمان به والتصديق له والنصر على من خالفه، وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم، فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق.
فيه يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي أى ثقل ما حملتكم من عهدى قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران: ٨١] . فأخذ الله ميثاق النبيين جميعا بالتصديق له والنصر وأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من أهل هذين الكتابين.
وعن عائشة ﵂، أن أول ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من النبوة حين أراد الله كرامته ورحمة العباد به، الرؤيا الصادقة، لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، وحبب الله إليه الخلوة، فلم يكن شىء أحب إليه من أن يخلو وحده «٣» .
_________________
(١) أخرجه البخارى (٤/ ٨٨، ٧/ ١٠٣)، مسلم كتاب الإيمان (١٧٨)، البيهقى فى الدلائل (١/ ١٤٢)، السيوطى فى الدر المنثور (١/ ٢٧٣)، ابن كثير فى البداية (٦/ ١٩٠)، العجلونى فى كشفا الخفاء (١/ ١٤٢)، أبو نعيم فى الدلائل (١٦٥) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ١٩٩) .
(٣) انظر الحديث فى: البخارى فى صحيحه كتاب بدء الوحى (١/ ٢٢)، صحيح مسلم كتاب الإيمان (١/ ٢٥٢)، مسند الإمام أحمد (٦/ ١٥٣، ٢٣٢، ٢٣٣) . مستدرك الحاكم (٣/ ١٨٣، ١٨٤) .
[ ١ / ١٦٣ ]
وعن بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ حين أراده الله بكرامته وابتدائه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى تحسر عنه البيوت ويفضى إلى شعاب مكة وبطون أوديتها، فلا يمر رسول الله ﷺ، بحجر ولا شجرة إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. فيلتفت حوله عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى إلا الشجر والحجارة، فمكث كذلك يرى ويسمع ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل بما جاءه من كرامة الله وهو بحراء فى رمضان «١» .
وعن عبيد بن عمير بن قتادة الليثى، يحدث كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من النبوة حين جاءه جبريل قال: كان رسول الله ﷺ يجاور فى حراء من كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تحنث به قريش فى الجاهلية، والتحنث: التبرر.
فكان يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته الكعبة، فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله، ثم يرجع إلى بيته «٢» .
حتى إذا كان الشهر الذى أراد الله به فيه ما أراد من كرامته، وذلك الشهر رمضان، خرج رسول الله ﷺ إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل بأمر الله.
قال رسول الله ﷺ فجاءنى وأنا نائم بنمط «٣» من ديباج فيه كتاب «٤»، فقال: إقرأ.
قلت: «ما أقرأ» فغتنى به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ. فقلت: «ما أقرأ» فغتنى «٥» به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال: اقرأ، قلت: «ما أقرأ» فغتنى به حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى فقال: اقرأ: قلت: «ماذا أقرأ؟»، ما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود لى بمثل ما صنع، قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ
_________________
(١) ذكره ابن سعد فى الطبقات (١/ ١٥٧)، البيهقى فى دلائل النبوة (٢/ ١٤٦)، الحاكم فى المستدرك (٤/ ٧٠) .
(٢) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٢) .
(٣) النمط: هو ضرب من البسط.
(٤) كتاب: قال فى الروض الأنف: قال بعض المفسرين فى قوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ إنها إشارة إلى الكتاب الذى جاء به جبريل حين قال له: اقرأ.
(٥) فغتنى: قال ابن الأثير: الغت والغط سواء كأنه أراد عصرنى عصرا شديدا حتى وجدت منه المشقة، كما يجد من يغمس فى الماء قهرا.
[ ١ / ١٦٤ ]
مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ [العلق: ١، ٥]، فقرأتها ثم انتهى فانصرف عنى وهببت من نومى، «فكأنما كتبت فى قلبى كتابا» .
فخرجت حتى إذا كنت فى وسط من الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسى إلى السماء أنظر، فإذا جبريل فى صورة رجل صاف قدميه فى أفق السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل.
فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهى عنه فى آفاق السماء، فلا أنظر فى ناحية منها إلا رأيته كذلك، فمازلت واقفا ما أتقدم أمامى وما أرجع ورائى، حتى بعثت خديجة رسلها فى طلبى، فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف فى مكانى ذلك، ثم انصرف عنى وانصرفت عنه راجعا إلى أهلى حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها. فقالت: يا أبا القاسم أين كنت؟ فو الله لقد بعث رسلى فى طلبك فبلغوا مكة ورجعوا إلى، ثم حدثتها بالذى رأيت، فقالت: أبشر يا ابن عمى واثبت، فو الذى نفس خديجة بيده إنى لأرجو أن تكون نبى هذه الأمة.
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل وهو ابن عمها، وكان قد تنصر وقرأ الكتب وسمع من أهل التوراة والإنجيل، فأخبرته بما أخبرها رسول الله ﷺ أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس قدوس، والذى نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتنى يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى، وإنه لنبى هذه الأمة، فقولى له فليثبت، فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة.
فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف، صنع كما كان يصنع، بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة، فقال له: يا ابن أخى، أخبرنى بما رأيت وسمعت، فأخبره رسول الله ﷺ، فقال له ورقة: والذى نفسى بيده، إنك لنبى هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذى جاء موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقيل يا فوخه، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله «١» .
ويروى عن خديجة أنها قالت لرسول الله ﷺ: أى ابن عم، أتستطيع أن تخبرنى بصاحبك هذا الذى يأتيك إذا جاءك؟ قال: «نعم» . قالت: فإذا جاءك فأخبرنى به،
_________________
(١) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ١٤٦، ١٤٩)، فتح البارى لابن حجر (٨/ ٥٨٨، ٥٨٩) .
[ ١ / ١٦٥ ]