قال ابن إسحاق «٤»: فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانه من الله ومن عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد،
_________________
(١) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٣/ ٣٨٣)، المطالب العالية لابن حجر (٤٠٣٤)، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٧٣٦٦، ٣٧٣٦٨)، حلية الأولياء لأبى نعيم (١/ ١٤٠)، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٥٩) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ٢٦٥) .
(٣) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ١٧١) . وقال: وفى مثل هذا أنزل الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ الآية، فهؤلاء كانوا معذورين بما حصل لهم من الإهانة والعذاب البليغ، أجارنا الله من ذلك بحوله وقوته.
(٤) انظر: السيرة (١/ ٢٦٦- ٢٦٨) .
[ ١ / ١٩٦ ]
وهى أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» «١» .
فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرارا بدينهم إلى الله. فكانت أول هجرة كانت فى الإسلام.
وكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة معه امرأته سهلة بنت سهيل، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، ومصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومى معه امرأته أم سلمة، وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب بن نفيل معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة، وسهل بن بيضاء من بنى الحارث بن فهر، وأبو سبرة بن أبى رهم، ويقال: بل أبو حاطب بن عمرو. ويقال: هو كان أول من قدمها.
وكان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين، ثم خرج جعفر بن أبى طالب وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة منهم من خرج بأهله ومنهم من خرج بنفسه.
فكان جميع من لحق بأرض الحبشة من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا، إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه.
وكان مما قيل من الشعر فى الحبشة أن عبد الله بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعيد بن سهم، حين أمنوا بأرض الحبشة وحمدوا جوار النجاشى، وعبدوا الله لا يخافون على ذلك أحدا قال:
يا راكبا بلغن عنى مغلغلة من كان يرجو بلاغ الله والدين «٢»
كل امرىء من عباد الله مضطهد ببطن مكة مقهور ومفتون
أنا وجدنا بلاد الله واسعة تنجى من الذى والمخزاة والهون
فلا تقيموا على ذل الحياة وخز ى فى الممات وغيب غير مأمون
إنا تبعنا رسول الله واطرحوا قول النبى وعالوا فى الموازين
فاجعل عذابك بالقوم الذين بغوا وعائذا بك أن يعلوا فيطغونى
وقال عبد الله بن الحارث أيضا، يذكر نفى قريش إياهم من بلادهم ويعاتب بعض
_________________
(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٦٦) .
(٢) مغلغلة: بفتح العين هى الرسالة المحمولة من بلد إلى بلد.
[ ١ / ١٩٧ ]
قومه فى ذلك:
أبت كبدى لا أكذبنك قتالهم على وتأباه على أناملى
وكيف قتالى معشرا أدبوكم على الحق ألا تأشبوه بباطل
نفتهم عباد الجن من حر أرضهم فأضحوا على أمر شديد البلابل «١»
فإن تك كانت فى عدى أمانة عدى بن سعد عن تقى أو تواصل
فقد كنت أرجو أن ذلك فيهم بحمد الذى لا يطبى بالجعائل
وبدلت شبلا شبل كل ضعيفة بذى فجر مأوى الضعاف الأرامل «٢»
وقال عبد الله بن الحارث أيضا:
وتلك قريش تجحد الله حقه كما جحدت عاد ومدين والحجر «٣»
فإن أنا لم أبرق فلا يسعنى من الأرض بر ذو فضاء ولا بحر
بأرض بها عبد الإلة محمد أبين ما فى النفس إذ بلغ النفر
فسمى عبد الله يرحمه الله، المبرق ببيته الذى قال.
وقال عثمان بن مظعون يعاتب أمية بن خلف وهو ابن عمه، وكان يؤذيه فى إسلامه، وكان أمية شريف قومه فى زمانه ذلك:
أتيم بن عمرو للذى جاء بغضه ومن دونه الشرمان والبرك أكتع «٤»
أأخرجتنى من بطن مكة آمنا وأسكنتنى فى صرح بيضاء تقذع
تريش نبالا لا يواتيك ريشها وتبرى نبالا ريشها لك أجمع
وحاربت أقواما كراما أعزة وأهلكت أقواما بهم كنت تقرع
ستعلم إن نابتك يوما ملمة وأسلمك الأوباش ما كنت تصنع
وتيم بن عمرو، الذى يدعو عثمان، هو جمح بن عمرو، كان اسمه تيما.
قال ابن إسحاق «٥»: فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد أمنوا واطمأنوا
_________________
(١) حر أرضهم: هى الأرض الكريمة. البلابل: شدة الهم والوساوس فى الصدور وحديث النفس.
(٢) لا يطبى: أى لا يستمال ولا يستدعى. الجعائل: جمع جعالة وهى الرشوة.
(٣) الحجر: هو اسم ديار ثمود بوادى القرى من المددينة والشام، وقيل: هو من وادى القرى على يوم بين جبال وبها قامت منازل ثمود. انظر: معجم البلدان (٢/ ٢٢١) .
(٤) الشرم: لجة البحر، وقيل: موضع فيه: وقيل: هو أبعد قعره والشروم غمرات البحر واحدها شرم. انظر: اللسان (مادة شرم) . البرك: هو جماعة الإبل الباركة، وقيل: اسم موضع.
(٥) انظر: السيرة (١/ ٢٧٥- ٢٧٩) .
[ ١ / ١٩٨ ]
بأرض الحبشة، وأنهم قد أصابوا بها دارا وقرارا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا فيهم رجلين من قريش جلدين إلى النجاشى، فيردهم عليهم، ليفتنوهم فى دينهم، ويخرجوهم من دارهم، التى اطمأنوا بها وأمنوا فيها.
فبعثوا عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص وجمعوا لهما هدايا للنجاشى ولبطارقته ثم بعثوهما.
فقال أبو طالب، حين رأى ذلك من رأيهم وما بعثوهما فيه، أبياتا يحض النجاشى على حسن جوارهم والدفع عنهم:
ألا ليت شعرى كيف فى النأى جعفر وعمرو وأعداء العدو الأقارب
وهل نالت أفعال النجاشى جعفرا وأصحابه أو عاق ذلك شاغب
تعلم أبيت اللعن أنك ماجد كريم فلا يشقى لديك المجانب «١»
تعلّم فإن الله زادك بسطة وأسباب خير كلها بك لازب
وأنك فيض ذو سجال غزيرة ينال الأعادى نفعها والأقارب
وذكر ابن إسحاق: من حديث «٢» أم سلمة زوج النبى ﷺ، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة، تعنى مع زوجها الأول أبى سلمة، جاورنا بها خير جار النجاشى، أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشى فينا رجلين منهم جليدين، وأن يهدوا للنجاشى هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا لهم، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص، وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشى فيهم، ثم قدما إلى النجاشى هداياه، ثم اسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم.
قالت: فخرجا حتى قدما إلى النجاشى، ونحن عنده بخير دار، عند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلماه، وقالا لكل بطريق: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينكم، وجاؤا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم
_________________
(١) أبيت اللعن: هذه تحية العرب فى الجاهلية للملوك. المجانب: أراد به الداخل فى حماه.
(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ٢٠٢)، مجمع الزوائد (٦/ ٢٤، ٢٧) .
[ ١ / ١٩٩ ]
إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا «١»، وأعلم بما عابوا عليهم؛ فقالوا لهما: نعم.
ثم إنهما قربا هداياهما إلى النجاشى فقبلها، ثم قالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا فى دينك، جاؤا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم عليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه.
قالت: ولم يكن شىء أبغض إلى عبد الله بن أبى ربيعة، وعمرو بن العاص من أن لا يسمع كلامهما النجاشى. فقالت بطارقته: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى بلادهم وقومهم.
فغضب النجاشى، ثم قال: لاها الله، إذا لا أسلمهم إليهما، ولا يكاد قوم جاورونى ونزلوا بلادى، واختارونى على من سواى، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان من أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم، وأحسنت جوارهم ما جاورونى. ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ، فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا كائنا فى ذلك ما هو كائن.
فلما جاؤا، وقد دعا النجاشى أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذى قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا به فى دينى ولا فى دين أحد من هذه الملل؟.
قالت: فكان الذى كلمه جعفر بن أبى طالب، قال: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتى الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسىء الجوار، ويأكل القوى منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. قالت: فعدد عليه أمور الإسلام.
_________________
(١) أعلى بهم عينا: أى أبصر بهم، وقيل: أى عينهم وأبصارهم فوق عين غيرهم.
[ ١ / ٢٠٠ ]