لهن: ابكين على حتى أسمع ما تقلن قبل أن أموت. فقالت كل واحدة منهن شعرا ترثيه به وأنشدته إياه، فأشار برأسه، وقد أصمت: أن هكذا فابكيننى. وذكر ابن إسحاق تلك الأشعار «١» .
وقال ابن هشام: إنه لم ير أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها «٢» .
قال ابن إسحاق: وقال حذيفة بن غانم أخو بنى عدى بن كعب يبكى عبد المطلب بن هاشم، ويذكر فضله، وفضل قصى على قريش وفضل ولده من بعده عليهم:
أعينى جودا بالدموع على الصدر ولا تسأما أسقيتما سبل القطر «٣»
وجودا بدمع واشفحا كل شارق بكاء امرئ لم يشوه نائب الدهر «٤»
وسحا وجما واسجما ما بقيتما على ذى حياء من قريش وذى ستر
على رجل جلد القوى ذى حفيظة جليل المحيا غير نكس ولا هذر
على المزد البهلول ذى البأس والندى ربيع لؤى فى القحوط وفى العسر
على خير حاف من معد وناعل كريم المساعى طيب الخيم والنجر «٥»
على شيبة الحمد الذى كان وجهه يضىء سواد الليل كالقمر البدر
وساقى الحجيج ثم للخير هاشم وعبد مناف ذلك السيد الفهرى
طوى زمزما عند المقام فأصبحت سقايته فخرا على ذى فخر
ليبك عليه كل عان بكربة وآل قصى من مقل وذى وفر
بنوه سراة كهلهم وشبابهم تفلق عنهم بيضة الطائر الصقر
_________________
(١) انظر ما ذكره ابن إسحاق فى: السيرة (١/ ١٥٠- ١٥٤) .
(٢) هذا قول ابن هشام فى السيرة وقد ذكر أنه ذكرها لأنه رواه عن محمد بن سعيد بن المسيب فكتبه. انظر: السيرة (١/ ١٥٠) .
(٣) سبل: أى المطر، وقيل: هو المطر بين السحاب والأرض حين يخرج من السحاب ويخرج من الأرض. انظر: اللسان (مادة سبل) .
(٤) كل شارق: الشارق أى كل يوم طلعت فيه الشمس، وقيل: الشارق قرن الشمس. ولم يشوه: الإشواء يوضع موضع الإبقاء، قال أبو منصور: هذا كله من إشواء الرامى وذلك إذا رمى فأصاب الأطراف ولم يصيب المقتل فيوضع الإشواء موضع الخطأ والشىء الهين.
(٥) أورد فى السيرة بعد هذا البيت بيتين لم يذكرهما هنا هما: وخيرهم أصلا وفرعا ومعدنا وأحظاهم بالمكرمات وبالذكر وأولاهم بالمجد والحلم والنهى وبالفضل عند المجحفات من الغبر انظر: السيرة (١/ ١٥٥) .
[ ١ / ١١٩ ]
قصى الذى عادى كنانة كلها ورابط بيت الله فى العسر واليسر
فإن تك غالته المنايا وصرفها فقد عاش ميمون النقيبة والأمر
وأبقى رجالا سادة غير عزل مصاليت أمثال الردينية السمر
أبو عتبة الملقى إلى حباءه أغر هجان اللون من نفر غر
وحمزة مثل البدر يهتز للندى نقى الثياب والذمام من الغدر
وعبد مناف ماجد ذو حفيظة وصول لذى القربى رحيم بذى الصهر
كهولهم خير الكهول ونسلهم كنسل الملوك لا تبور ولا تحرى
متى ما تلاقى منهم الدهر ناشئا تجده بإجريا أوائله يجرى
هم ملأوا البطحاء مجدا وسؤددا إذا استبق الخيرات فى سالف العصر
وهم حضروا والناس باد فريقهم وليس بها إلا شيوخ بنى عمرو
بنوها ديارا جمة وطووا بها بئرا تسح الماء من ثبج بحر
لكى يشرب الحجاج منها وغيرهم إذا ابتدروها صبح تابعة النحر
ثلاثة أيام تظل ركابهم محبسة بين الأخاشب والحجر
وقدما غنينا قبل ذلك حقبة ولا نستقى إلا بخم أو الحفر
هم يغفرون الذنب ينقم دونه ويعفون عن قول السفاهة والهجر
أخارج إما أهلكن فلا تزل لهم شاكرا حتى تغيب فى القبر
ولا تنس ما أسدى ابن لبنى فإنه قد أسدى يدا محقوقة منك بالشكر
وأنت ابن لبنى من قصى إذا انتموا بحيث انتهى قصد الفؤاد من الصدر
وأمك سر من خزاعة جوهر إذا حصل الأنساب يوما ذوو الخبر
إلى سبأ الأبطال تنمى وتنتمى وأكرم بها منسوبة فى ذرى الدهر*
ابن لبنى هذا أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب، وهو أبو عتبة الذى ذكره قبل فى هذا الشعر. وكانت أمه امرأة من خزاعة اسمها لبنى بنت هاجر. ولذلك قال: «وأمك سر من خزاعة» «١» .
ونماها إلى سبأ الأبطال بناء على ما قدمناه من انتماء خزاعة إلى عمرو بن عامر، من
_________________
(١) (*) أورد فى السيرة بعد هذا البيت بيتين لم يذكرهما هنا هما: أبو شمير منهم وعمرو بن مالك وذو جدن من قومها وأبو الجبر وأسعد قاد الناس عشرين حجة يؤيد فى تلك المواطن بالنصر انظر: السيرة (١/ ١٥٧، ١٥٨) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ١٥٨) .
[ ١ / ١٢٠ ]
غسان وانتفائهم من المضرية. واليد التى ذكر هذا الشاعر أنها ترتبت عليه لأبى لهب:
وذكر ابن إسحاق أنه كان أخذ بغرم أربعة آلاف درهم بمكة، فوقف بها، فمر به أبو لهب فافتكه.
ونسب الزبير هذا الشعر لحذافة بن غانم، ودليله قوله فيه:
«أخارج إما أهلكن» البيت.
فإن خارجة هو ابن حذافة وحذيفة الذى نسب ابن إسحاق إليه الشعر هو أخو حذافة، ولا يعرف له ابن يسمى خارجة، وإنما هو والد أبى جهم بن حذيفة، واسم أبى جهم عبيد «١»، وهو الذى بعث إليه رسول الله ﷺ بالخميصة ذات الأعلام التى ألهته عن صلاته، وأمر أن يؤتى بأنبجانية.
ولما هلك عبد المطلب، ولى زمزم والسقاية عليها ابنه العباس وهو يومئذ من أحدث إخوته سنا، فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وهى بيده، فأقرها رسول الله ﷺ على ما مضى من ولايته، وكان رسول الله ﷺ يجله إجلال الولد الوالد.
يقول كريب مولى ابن عباس: وما ينبغى لرسول الله ﷺ أن يجل إلا والدا أو عما، فضيلة خص الله بها العباس دون من سواه. وقال ﷺ: «احفظونى فى عمى عباس، فإن عم الرجل صنو أبيه» «٢» .
وطلع يوما على رسول الله ﷺ فقال: «هذا العباس أجود قريش كفّا وأوصلها» «٣» .
ولم يزل العباس سيدا فى الجاهلية والإسلام، يمنع الجار ويبذل المال ويعطى فى النوائب.
قال الزبير: وكان يقال: كان للعباس بن عبد المطلب ثوب لعارى بنى هاشم، وجفنة
_________________
(١) هو: أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب القرشى العدوى، قيل: اسمه عامر بن حذيفة، وقيل: عبيد الله بن حذيفة. انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٩٢٩)، الإصابة الترجمة رقم (٩٧٠٣)، أسد الغابة الترجمة رقم (٥٧٨٠) .
(٢) أخرجه الطبرانى فى الصغير (١/ ٢٠٧)، الخطيب البغدادى فى التاريخ (١٠/ ٦٨)، الهيثمى فى المجمع (٩/ ٢٦٩)، المتقى الهندى فى الكنز (٣٣٣٨٩، ٣٣٣٩٥، ٣٣٣٩٦، ٣٣٤١١)، ابن عدى فى الضعفاء (٢/ ٧٦٨) .
(٣) أخرجه ابن كثير فى البداية والنهاية (٧/ ١٦١)، السيوطى فى اللآلئ المصنوعة (١/ ٢٢٣)، الحاكم فى المستدرك (٣/ ٣٢٨، ٣٢٩) .
[ ١ / ١٢١ ]
لجائعهم، ومقطرة لجاهلهم. والمقطرة: خشبة ذات سلسلة يحبس فيها الناس. وفى ذلك يقول إبراهيم بن على بن هرمة:
وكانت لعباس ثلاث نعدها إذا ما جناب الحى أصبح أشهبا
فسلسلة تنهى الظلوم وجفنة تناخ فيكسوها السنام المرغبا
وحلمة عصب ما تزال معدة لعار ضريك ثوبه قد تهدبا
وقال ابن شهاب: لقد جاء الله بالإسلام وإن جفنة العباس لتدور على فقراء بنى هاشم، وإن قيده وسوطه لمعد لسفهائهم. قال: فكان ابن عمر يقول: هذا والله الشرف، يطعم الجائع ويؤدب السفيه!.
وكان أبو بكر وعمر فى ولايتهما لا يلقى العباس واحد منهما وهو راكب إلا نزل عن دابته وقادها ومشى مع العباس حتى يبلغ منزله أو مجلسه فيفارقه. وبقى رسول الله ﷺ بعد مهلك جده عبد المطلب مع عمه أبى طالب. وكان عبد المطلب يوصيه به فيما يزعمون.
وذلك أن عبد الله أبا رسول الله ﷺ وأبا طالب أخوان لأب وأم، فكان أبو طالب هو الذى يلى رسول الله ﷺ بعد جده، فكان إليه ومعه «١» .
وذكر الواقدى أن أبا طالب كان مقلا من المال، وكانت له قطعة من الإبل تكون بعرنة، فيبدو إليها فيكون فيها، ويؤتى بلبنها إذا كان حاضرا بمكة.
فكان عيال أبى طالب إذا أكلوا جميعا وفرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله ﷺ شبعوا. فكان أبو طالب إذا أراد أن يعشيهم أو يغديهم يقول: كما أنتم حتى يأتى ابنى.
فيأتى رسول الله ﷺ فيأكل معهم فيفضلون من طعامهم؛ وإن كان لبنا شرب رسول الله ﷺ أولهم، ثم يناول العيال القعب فيشربون منه فيروون من عند آخرهم من القعب الواحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعبا!. فيقول أبو طالب: إنك لمبارك!. وكان الصبيان يصبحون شعثا رمضا ويصبح رسول الله ﷺ دهينا كحيلا.
وقالت أم أيمن «٢»، وكانت تحضنه: ما رأيت رسول الله ﷺ شكا جوعا قط ولا
_________________
(١) انظر: السيرة (١/ ١٥٩) .
(٢) هى: بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، غلبت عليها كنيتها. انظر ترجمتها فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٣٢٨٧)، الإصابة الترجمة رقم (١٠٩٢١) .
[ ١ / ١٢٢ ]
عطشا، وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة، فربما عرضنا عليه الغذاء فيقول: لا أريده أنا شبعان.
قال ابن إسحاق «١»: ثم إن أبا طالب خرج فى ركب تاجرا إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل صب به «٢» رسول الله ﷺ فيما يزعمون، فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معى ولا يفارقنى ولا أفارقه أبدا أو كما قال.
فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى «٣» من أرض الشام، وبها راهب يقال له بحيرى فى صومعة له، وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل فى تلك الصومعة منذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر.
فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام، فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك فيما يزعمون عن شىء رآه وهو فى صومعته، يزعمون أنه رأى رسول الله ﷺ فى الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم، ثم أقبلوا فنزلوا فى ظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة وتهصرت «٤» أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إنى قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وأحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم. فقال له رجل منهم:
والله يا بحيرى إن لك اليوم لشأنا! ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟.
قال له بحيرى: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلوا منه كلكم. فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم لحداثة سنه فى رحال القوم، فلما نظر بحيرى فى القوم لم ير الصفة التى يعرف
_________________
(١) هذه قصة بحيرى، وقد ذكرها ابن إسحاق فى السيرة (١/ ١٦٠- ١٦٢) .
(٢) صب به: الصبابة الشوق، وقيل: رقته وحرارته، وقيل: رقة الهواء، وصب الرجل إذا عشق يصب صبابا. انظر: اللسان (مادة صبب) .
(٣) بصرى: موضع بالشام من أعمال دمشق وهى قصبة كورة حوران مشهورة عند العرب. انظر: معجم البلدان (١/ ٤٤١) .
(٤) تهصرت: قال الجوهرى: هصرت الفض بالكسر إذا أخذت برأسه فأملته إليك، وتهصرت أغصان الشجر أى تهدلت عليه. انظر: اللسان (مادة هصر) .
[ ١ / ١٢٣ ]
ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامى.
فقالوا له: يا بحيرى ما تخلف عنك أحد ينبغى له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنا، فتخلف فى رحالهم. فقال: لا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم.
فقال رجل من قريش: واللات والعزى، إن كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا. ثم قام إليه فاحتضنه وأجلسه مع القوم.
فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى فقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتنى عما أسألك عنه. وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسألنى باللات والعزى شيئا، فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما» . فقال له بحيرى: فبالله إلا ما أخبرتنى عما أسألك عنه. قال له: سلنى عما بدا لك.
فجعل يسأله عن أشياء من حاله فى نومه وهيئته وأموره، ويخبره رسول الله ﷺ فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته وأموره ويخبره. ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التى عنده. فلما فرغ أقبل على عمه أبى طالب، فقال:
ما هذا الغلام منك؟ قال: ابنى، قال: ما هو بابنك، وما ينبغى لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخى. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به.
قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فو الله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده «١» .
فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام.
فزعموا أن نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله ﷺ ما رأى بحيرى فى ذلك السفر الذى كان فيه مع عمه أبى طالب، فأرادوه فردهم عنه بحيرى، وذكرهم الله
_________________
(١) ذكر قصة بحيرى: الترمذى فى السنن (٣٦٢٠)، ابن أبى شيبة فى المصنف (١١/ ٤٧٩، ١٤/ ٢٨٦)، أبو نعيم فى الدلائل (١٢٩)، الحاكم فى المستدرك (٢/ ٦١٦)، ابن حجر فى الفتح (٨/ ٥٨٧)، ابن هشام فى السيرة (١/ ١٦٠)، ابن سعد فى الطبقات (١/ ١٢٠)، الطبرى فى التاريخ (٢/ ٢٧٧)، ابن عساكر فى تاريخ دمشق (١، ١٠)، السهيلى فى الروض الأنف (١/ ٢٠٥- ٢٠٨) .
[ ١ / ١٢٤ ]
وما يجدون فى الكتاب من ذكره وصفاته، وأنهم إن أجمعوا إلى ما أرادوا لم يخلصوا إليه، حتى عرفوا ما قال لهم وصدقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا عنه.
فشب رسول الله ﷺ يكلؤه الله ويحفظه، ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد به من كرامته ورسالته. حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التى تدنس الرجال، تنزها وتكرما. حتى ما اسمه فى قومه إلا الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة.
وكان ﷺ يحدث عما كان الله يحفظه به فى صغره وأمر جاهليته، أنه قال: لقد رأيتنى فى غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة، فإنى لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمنى لاكم ما أراه لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك. قال: فأخذته فشددته على، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتى وإزارى على من بين أصحابى «١» . وذكر البخارى عنه ﷺ أنه قال: «ما هممت بسوء من أمر الجاهلية إلا مرتين» «٢» .
وروى غيره أن إحدى المرتين كان فى غنم يرعاها هو وغلام من قريش، فقال لصاحبه: «اكفنى أمر الغنم حتى آتى مكة»، وكان بها عرس فيها لهو، فلما دنا من الدار ليحضر ذلك ألقى عليه النوم، فنام حتى ضربته الشمس، عصمة من الله له!. والمرة الأخرى مثل الأولى سواء.
وذكر الواقدى عن أم أيمن قالت: كانت بوانة صنما تحضره قريش وتعظمه وتنسك له وتحلق عنده وتعكف عليه يوما إلى الليل فى كل سنة، فكان أبو طالب يحضره مع قومه ويكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد معهم فيأبى ذلك.
قالت: حتى رأيت أبا طالب غضب عليه ورأيت عماته غضبن يومئذ أشد الغضب، وجعلن يقلن: إنا لنخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا. ويقلن: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا؟!
فلم يزالوا به حتى ذهب، فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع مرعوبا فزعا، فقلن له: ما
_________________
(١) ذكره ابن إسحاق فى السيرة (١/ ١٦٢- ١٦٣)، البيهقى فى دلائل النبوة (٢/ ٣١)، ابن حجر فى فتح البارى (٧/ ١٨١)، ابن كثير فى البداية والنهاية (٢/ ٢٨٧) .
(٢) أخرجه الهيثمى فى المجمع (٨/ ٢٢٦)، المتقى الهندى فى الكنز (٣٥٤٣٨) .
[ ١ / ١٢٥ ]
دهاك؟ قال: إنى أخشى أن يكون بى لمم. فقلن: ما كان الله ﷿ ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذى رأيت؟.
قال: إنى كلما دنوت من صنم منها تمثل لى رجل أبيض طويل يصيح بى: وراءك يا محمد لا تمسه. قالت: فما عاد إلى عيد لهم حتى نبئ صلوات الله عليه وعلى آله.
ولما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة تزوج خديجة بنت خويلد، فيما ذكره غير واحد من أهل العلم «١» .
وذكر الواقدى بإسناد له إلى نفيسة بنت منية أخت يعلى بن منية، وقد رويناه أيضا من طريق أبى على بن السكن، وحديث أحدهما داخل فى حديث الآخر مع تقارب اللفظ، وربما زاد أحدهما الشىء اليسير، وكلاهما ينمى إلى نفيسة.
قالت: لما بلغ رسول الله ﷺ، خمسا وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الأمين، لما تكاملت فيه من خصال الخير، قال أبو طالب: يا ابن أخى أنا رجل لا مال لى، وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة، وليست لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك فى عيراتها فيتجرون لها فى مالها ويصيبون منافع.
فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك، وإن كنت لأكره أن تأتى الشام وأخاف عليك من يهود، ولكن لا تجد من ذلك بدا.
وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة تبعث بها إلى الشام، فتكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم المال مضاربة.
وكانت قريش قوما تجارا، ومن لم يكن تاجرا من قريش فليس عندهم بشىء.
فقال رسول الله ﷺ: فلعلها ترسل إلى فى ذلك. فقال أبو طالب: إنى أخاف أن تولى غيرك، فتطلب أمرا مدبرا. فافترقا، وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له، وقبل ذلك ما قد بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكريم أخلاقه، فقالت: ما علمت أنه يريد هذا.
_________________
(١) انظر: السيرة (١/ ١٦٥)، طبقات ابن سعد (٨/ ١٤- ١٩)، الروض الأنف للسهيلى (٤/ ٢٦٧)، تاريخ الطبرى (٣/ ١٦١) .
[ ١ / ١٢٦ ]
ثم أرسلت إليه فقالت: إنه دعانى إلى البعث إليك ما بلغنى من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك. ففعل رسول الله ﷺ، ولقى أبا طالب فذكر له ذلك، فقال: إن هذا لرزق ساقه الله إليك.
فخرج مع غلامها ميسرة حتى قدم الشام، وجعل عمومته يوصون به أهل العير، حتى قدم الشام فنزلا فى سوق بصرى فى ظل شجرة قريبا من صومعة راهب يقال له:
نسطورا. فاطلع الراهب إلى ميسرة وكان يعرفه، فقال: يا ميسرة، من هذا الذى نزل تحت هذه الشجرة؟.
فقال ميسرة: رجل من قريش من أهل الحرم. فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبى. ثم قال له: فى عينيه حمرة. قال ميسرة: نعم، لا تفارقه.
فقال الراهب: هو هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت أنى أدركه حين يؤمر بالخروج.
فوعى ذلك ميسرة. ثم حضر رسول الله ﷺ سوق بصرى، فباع سلعته التى خرج بها واشترى، فكان بينه وبين رجل اختلاف فى سلعة، فقال الرجل: احلف باللات والعزى. فقال رسول الله ﷺ: ما حلفت بهما قط. فقال الرجل: القول قولك.
ثم قال لميسرة، وخلا به: يا ميسرة، هذا نبى، والذى نفسى بيده إنه لهو، تجده أحبارنا منعوتا فى كتبهم فوعى ذلك ميسرة. ثم انصرف أهل العير جميعا. وكان ميسرة يرى رسول الله ﷺ إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره.
قال: وكان الله ﷿ قد ألقى على رسول الله ﷺ المحبة من ميسرة، فكان كأنه عبد لرسول الله. فلما رجعوا وكانوا بمر الظهران تقدم رسول الله ﷺ حتى دخل مكة فى ساعة الظهيرة، وخديجة فى علية لها، معها نساء فيهن نفيسة بنت منية، فرأت رسول الله ﷺ حين دخل وهو راكب على بعيره، وملكان يظلان عليه، فأرته نساءها، فعجبن لذلك.
ودخل عليها رسول الله ﷺ فخبرها بما ربحوا، فسرت بذلك. فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال لها ميسرة: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام. وأخبرها بقول الراهب نسطورا، وقول الآخر الذى خالفه فى البيع. قالوا: وقدم رسول الله ﷺ بتجارتها، فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما سمت له. فلما استقر عندها هذا، وكانت امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهى
[ ١ / ١٢٧ ]
يومئذ أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهن شرفا، وأكثرهن مالا، وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو يقدر عليه، عرضت عليه نفسها.
فقالت له فيما يزعمون: يا ابن عم، إنى قد رغبت فيك لقرابتك وصيتك فى قومك وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك. فلما قالت له ذلك، ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب يرحمه الله حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه فتزوجها. هكذا ذكر ابن إسحاق «١» .
وذكر الواقدى وغيره من حديث نفيسة، أن خديجة أرسلت إليه دسيسا، فدعته إلى تزوجها. فلما أجاب رسول الله ﷺ أرسلت إلى عمها عمرو بن أسد فحضر، ودخل رسول الله ﷺ فى عمومته فزوجه أحدهم. وقال عمرو: هذا الفحل لا يقدح أنفه.
قال ابن هشام: وأصدقها رسول الله ﷺ عشرين بكرة «٢» . وكانت أول امرأة تزوجها، ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
قال ابن إسحاق فولدت خديجة لرسول الله ﷺ ولده كلهم، إلا إبراهيم: القاسم وبه كان يكنى والطاهر، والطيب، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة «٣» .
فأما القاسم والطاهر والطيب فهلكوا فى الجاهلية. وأما بناته فكلهن أدركن الإسلام، فأسلمن وهاجرن معه. هذا قول ابن إسحاق فى ذكور البنين، أنهم هلكوا فى الجاهلية «٤» .
وقال الزبير بن بكار، وهو من أئمة هذا الشأن: ولدت له القاسم، وعبد الله وهو الطاهر والطيب، ولد بعد النبوة ومات صغيرا «٥» . وفى مسند الفريابى، ما يدل على أنه مات قبل أن يتم رضاعه وبعد النبوة.
_________________
(١) انظر: السيرة (١/ ١٦٥- ١٦٨) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ١٦٦) .
(٣) انظر: السيرة (١/ ١٦٦) .
(٤) انظر: السيرة (١/ ١٦٧) .
(٥) قيل: أن عبد الله يسمى الطيب والطاهر وهو ولد بعد النبوة على الصحيح وهو الذى مات بمكة صغيرا، فقال العاص بن وائل السهمى: قد انقطع ولده فهو أبتر، يعنى النبى، فنزل فيه قوله تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ. وانظر: المختصر الصغير (٦٨)، تاريخ دمشق لابن عساكر (١/ ١٠٣- ١٠٨)، ابن الجوزى فى تلقيح فهوم أهل الأثر (٣٠) .
[ ١ / ١٢٨ ]
وذلك أن خديجة دخل عليها رسول الله ﷺ بعد موت القاسم وهى تبكى عليه، فقالت: يا رسول الله، لو كان عاش حتى تكمل رضاعته لهون على. فقال: إن له مرضعا فى الجنة تستكمل رضاعته. فقالت: لو أعلم ذلك لهون على. فقال: إن شئت أسمعتك صوته فى الجنة. فقالت: بل أصدق الله ورسوله.
قال ابن هشام «١»: وأما إبراهيم فأمه مارية سرية النبى ﷺ التى أهداها إليه المقوقس من حفن من كورة أنصناء. وهى قبطية من قبط مصر، وهذا هو الصهر الذى ذكره لهم رسول الله ﷺ فى قوله: «الله الله فى أهل الذمة، أهل المدرة السوداء السحم الجعاد، فإن لهم نسبا وصهرا» «٢» .
قال مولى غفرة: نسبهم أن أم إسماعيل النبى ﵇ منهم، وصهرهم أن رسول الله ﷺ تسرر فيهم. وفى حديث آخر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما» .
قال ابن إسحاق «٣»: وكانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العزى وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس، ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه.
فقال ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبى هذه الأمة، قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبى ينتظر، هذا زمانه. أو كما قال. فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول:
حتى متى؟! وقال فى ذلك:
لججت وكنت فى الذكرى لجوجا لهم طالما بعث النشيجا «٤»
ووصف من خديجة بعد وصف فقد طال انتظارى يا خديجا
ببطن المكتين على رجائى حديثك أن أرى منه خروجا
بما خبرتنا من قول قس من الرهبان أكره أن يعوجا «٥»
بأن محمدا سيسود يوما ويخصم من يكون له حجيجا
_________________
(١) انظر: السيرة (١/ ١٦٧) .
(٢) أخرجه المتقى الهندى فى الكنز (٣٤٠٢٣)، الهيثمى فى المجمع (١٠/ ٦٣)، السيوطى فى جمع الجوامع (٩٦٥٩) .
(٣) انظر: السيرة (١/ ١٦٧) .
(٤) النشيجا: هو البكاء مع صوت، والألف الملقحة للإطلاق.
(٥) القس: هو عابد النصارى.
[ ١ / ١٢٩ ]
ويظهر فى البلاد ضياء نور يقيم به البرية أن تموجا
فيلقى من يحاربه خسارا ويلقى من يسالمه فلوجا
فيا ليتى إذا ما كان ذاكم شهدت فكنت أولهم ولوجا
ولوجا فى الذى كرهت قريش ولو عجت بمكتها عجيجا
أرجى بالذى كرهوا جميعا إلى ذى العرش إن سلفوا عروجا
وهل أمر السفاهة غير كفر بمن يختار من سمك البروجا
فإن يبقوا وأبق تكن أمور يضج الكافرون لها ضجيجا
وإن أهلك فكل فتى سيلقى من الأقدار متلفة حروجا
وقال ورقة بن نوفل أيضا فى ذلك، وهو مما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق:
أتبكر أم أنت العشية رائح وفى الصدر من إضمارك الحزن قادح
لفرقة قوم لا أحب فراقهم كأنك عنهم بعد يومين نازح
وأخبار صدق خبرت عن محمد يخبرها عنه إذا غاب ناصح
فتاك الذى وجهت يا خير حرة بغدو وبالنجدين حيث الصحاصح
إلى سوق بصرى فى الركاب التى غدت وهن من الأحمال قعص دوالح
فخبرنا عن كل حبر بعلمه وللحق أبواب لهن مفاتح
بأن ابن عبد الله أحمد مرسل إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظنى به أن سوف يبعث صادقا كما أرسل العبدان هود وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يرى له بهاء ومنشور من الذكر واضح
ويتبعه حيا لؤى بن غالب شبابهم والأشيبون الجحاجح
فإن أبق حتى يدرك الناس دهره فإنى به مستبشر الود فارح
وإلا فإنى يا خديجة فاعلمى عن أرضك فى الأرض العريضة سائح