وذلك أن رسول الله ﷺ خرج إليهم يستعينهم فى دية العامرين، اللذين قتل عمرة
_________________
(١) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٣٧)، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٣٤١)، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ١٢٩)، البداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٧٣) .
(٢) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (١/ ٣٦٣)، طبقات ابن سعد (١/ ٢/ ٤٠)، تاريخ الطبرى (٢/ ٥٥٠)، الكامل (٢/ ٦٤)، صحيح البخارى (٥/ ٨٨)، فتح البارى (٧/ ٣٢٩)، عيون الأثر (٢/ ٦١)، الدرر لابن عبد البر (١٦٤)، البداية والنهاية (٤/ ٧٤)، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ١٧٦، ٣٥٤) .
[ ١ / ٤١٠ ]
ابن أمية الضمرى، للجور الذى كان رسول الله ﷺ عقد لهما، فقالوا له لما كلمهم فى ذلك: نعم، يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه، اجلس حتى تطعم وترجع بحاجتك.
فجلس رسول الله ﷺ إلى ظل جدار من جدر بيوتهم معه نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلى، ينتظرون أن يصلحوا أمرهم.
فخلا بعضهم ببعض والشيطان معهم لا يفارقهم، فائتمروا بقتل رسول الله ﷺ وقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن رجل يعلو على هذا البيت فيقلى عليه صخرة فيريحنا منه.
فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك وصعد ليفعل.
فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام راجعا إلى المدينة وترك أصحابه فى مجلسهم، فلما استلبث النبى ﷺ أصحابه قاموا فى طلبه، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة فسألوه عنه فقال: لقيته داخلا المدينة، فأقبلوا حتى انتهوا إليه فأخبرهم بما كانت يهود أرادت من الغدر به.
وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والسير إليهم، ثم سار بالناس ونزل بهم، فتحصنوا منه فى الحصون.
وعرض عليهم رسول الله ﷺ الجلاء عن أوطانهم وأن يسيروا حيث شاؤا فراسلهم أولياؤهم من المنافقين- عبد الله بن أبى فى رهط من قومه- حين سمعوا ما يراد منهم: أن اثبتوا وتمنعوا فإنا لن نسلمكم، إن قاتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم.
فغرتهم أمانى المنافقين، ونادوا النبى ﷺ وأصحابه: إنا والله لا نخرج، ولئن قاتلتنا لنقاتلنك.
فمضى رسول الله ﷺ لأمر الله فيهم، فلما انتهى إلى أزقتهم وحصونهم كره أن يمكنهم من القتال فى دورهم وحصونهم، فحفظ الله له أمره وعزم له على رشده، فأمر بالأدنى فالأدنى من دورهم أن تهدم وبالنخيل أن تحرق وتقطع، وكف الله أيديهم وأيدى المنافقين فلم ينصروهم، وألقى الله فى قلوب الفريقين كليهما الرعب، فهدموا الدور التى هم فيها من أدبارها، فلما كادوا يبلغون آخر دورهم وهم ينتظرون المنافقين
[ ١ / ٤١١ ]
ويتربصون من نصرهم ما كانوا يمنونهم به حتى يئسوا مما عندهم، سألوا رسول الله ﷺ الذى كان عرض عليهم قبل ذلك.
فقاضاهم- صلوات الله عليه وسلامه- على أن يجليهم ويكف عن دمائهم وعلى أن لهم ما استقلت به الإبل من أموالهم إلا الحلقة فقط.
فطاروا بذلك كل مطير وتحملوا بما أقلت إبلهم، حتى إن الرجل ليهدم بيته عن نجاف بابه فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به. فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وكان أشرافهم بنو أبى الحقيق وحيى بن أخطب فيمن سار إلى خيبر، فلما نزلوها دان لهم أهلها.
وخلى بنو النضير الأموال لرسول الله ﷺ، فكانت له خاصة بحكم الله له بها ليضعها حيث شاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حنيف وأبا دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقرا فأعطاهما رسول الله ﷺ منها.
وكانت اليهود قد عيروا المسلمين حين يهدمون الدور ويقطعون النخل فنادوا: أن محمد قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها؟
وما ذنب شجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون فى الأرض؟!
فأنزل الله- سبحانه- فى قصتهم وما ذكروه من قولهم وبيان وجه الحكم فى أموالهم سورة الحشر بأسرها. فقال عز من قائل:
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ، للذى كان منهم من الهدم من أدبار بيوتهم وهدم المسلمين لما يليهم منها.
وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا أى بالسيف وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ أى مع ما لقوه فى الدنيا من النقمة.
ثم قال- تعالى- فيما عابوه من قطع النخيل وعدوه من ذلك فسادا: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ أى فبأمر الله قطعت، لم يكن ذلك فسادا بل نقمة أنزلها بهم وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ.
[ ١ / ٤١٢ ]
ثم بين تعالى لرسوله الحكم فى أموالهم وأنها نفل له لا سهم لأحد فيها معه فقال عز ذكره وجل قوله: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فقسمها رسول الله ﷺ فيمن أراه الله من المهاجرين الأولين كما تقدم، وأعطى منها الرجلين المسميين من الأنصار.
وقال على بن أبى طالب يذكر إجلاء بنى النضير وما تقدم قبل ذلك من قتل كعب ابن الأشرف، ويقال: بل قالها رجل من المسلمين غير علىّ:
عرفت ومن يعتدل يعرف وأيقنت حقا ولم أصدف «١»
عن الكلم المحكم اللاء من لدى الله ذى الرأفة الأراف
رسائل تدرس فى المؤمنين بهن اصطفى أحمد المصطفى
فأصبح أحمد فينا عزيزا عزيز المقامة والموقف «٢»
فيا أيها الموعدوه سفاها ولم يأت جورا ولم يعنف «٣»
ألستم تخافون أدنى العذاب وما آمن الله كالأخوف
وأن تصرعوا تحت أسيافه كمصرع كعب أبى الأشرف
غداة رأى الله طغيانه وأعرض كالجمل الأحنف
فأنزل جبريل فى قتله بوحى إلى عبده ملطف
فدس الرسول رسولا له بأبيض ذى هبة مرهف
فباتت عيون له معولات متى ينع كعب لها تذرف «٤»
وقلن لأحمد ذرنا قليلا فإنا من النوح لم نشتف
فخلاهم ثم قال اظعنوا دحورا على رغم الآنف
وأجلى النضير إلى غربة وكانوا بدار ذوى زخرف
إلى أذرعات ردافى وهم على كل ذى دبر أعجف «٥»
_________________
(١) لم أصدف: لم أعرض.
(٢) المقامة: موضع الإقامة.
(٣) السفاه: الضلال. لم يعتف: أى لم يأتى غير العفة.
(٤) معولات: باكيات بصوت مرتفع. ينعى: يذكر خبر قتله. تذرف: تسيل بالدموع.
(٥) أذرعات: بلد فى أطراف الشام يجاور أرض البلقاء ينسب إليها الخمر. انظر: معجم البلدان (١/ ١٣٠) .
[ ١ / ٤١٣ ]
ولم يسلم من بنى النضير إلا رجلان: يامين بن عمير بن كعب «١»، ابن عم عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب «٢»، أسلما خوفا على أموالهما فأحرزاها، وحدث بعض آل يامين أن رسول الله ﷺ قال ليامين: «ألم تر ما لقيت من ابن عمك وما هم به من شأنى؟» «٣» فجعل يامين لرجل جعلا على أن يقتل عمرو بن جحاش فقتله، فيما يزعمون.