وإن تروا أمرنا فى رأيكم سفها فرأى من خالف الإسلام تضليل
فلا تمنوا لقاح الحرب واقتعدوا إن أخا الحرب أصدى اللون مشغول
إنا بنو الحرب نمريها وننتجها وعندنا لذوى الأضغان تنكيل «٥»
إن ينج منها ابن حرب بعدما بلغت منه التراقى وأمر الله مفعول «٦»
فقد أفادت له حلما وموعظة لمن يكون له لب ومعقول
ولو هبطتم ببطن السيل كافحكم ضرب بشاكلة البطحاء ترعيل «٧»
تلقاكم عصب حول النبى لهم مما يعدون للهيجا سرابيل «٨»
من جذم غسان مسترخ حمائلهم لا جبناء ولا ميل معازيل
يمشون تحت عمايات القتال كما تمشى المصاعبة الأدم المراسيل «٩»
أو مثل مشى أسود الظل ألثقها يوم رذاذ من الجوزاء مشمول
فى كل سابغة كالنهى محكمة قيامها فلح كالسيف بهلول «١٠»
ترد حد قدان النبل خاسئة ويرجع السيف عنها وهو مفلول
ولو قذفتم بسلع عن ظهوركم وللحياة ودفع الموت تأجيل «١١»
ما زال فى القوم وتر منكم أبدا تعفو السلام عليه وهو مطلول «١٢»
وقال كعب- أيضا فى يوم أحد من قصيدة يفخر فيها بقومه:
فإن كنت عن شأننا سائلا فسل عنه ذا العلم ممن يلينا
بنا كيف نفعل إن قلصت عوانا ضروسا عضوضا حجونا
ألسنا نشد عليها العقا ب حتى تدر وحتى تلينا
ويوم له وهج دائم شديد التهاول حامى الأرينا
طويل شديد أوار القتا ل يبغى حواقره المقرفينا
تخال الكماة بأعراضه ثمالى على لذة منزفينا
_________________
(١) نمريها: نستدرها. والأضغان: أى العداوة.
(٢) التراقى: عظام الصدر.
(٣) شاكلة البطحاء: أى جانبها. والترعيل: أى الضرب السريع.
(٤) الهيجا: أى الحرب.
(٥) المصاعبة: الفحول من الإبل.
(٦) السالفة: الدرع الكاملة الشاملة.
(٧) سلع: اسم جبل.
(٨) تعفو: تذهب آثارها. والسلام: الحجارة. ومطول: لم يؤخذ بثأره.
[ ١ / ٤٠٠ ]
تعاور أيمانهم بينهم كؤوس المنايا بحد الظبينا
شهدنا فكنا أولى بأسه وتحت العماية والمعلمينا
بخرس الحسيس حسان رواء وبصرية قد أجمن الجفونا
فما ينفللن وما ينحنين وما ينتهين إذا ما نهينا
كبرق الخريف بأيدى الكماة يفجعن بالطل هاما سكونا
وعلمنا الضرب آباؤنا وسوف نعلم أيضا بنينا
جلاد الكماة وبذل التلا د عن جل أحسابنا ما بقينا
إذا مر قرن كفى نسله وأورثه بعده آخرينا
تشب وتهلك آباؤنا وبينا نربى بنينا فنينا
وقال حسان بن ثابت يبكى حمزة بن عبد المطلب ﵁:
أتعرف الدار عفا رسمها بعدك صوب السبل الهاطل «١»
بين السراديح فأدمانة فمدفع الروحاء فى حائل «٢»
سألتها عن ذاك فاستعجمت لم تدر ما مرجوعة السائل «٣»
دع عنك دارا قد عفا رسمها وابك على حمزة ذى النائل «٤»
المالئ الشيزى إذا أعصفت غبراء فى ذى الشبم الماحل «٥»
والتارك القرن لدى لبدة يعثر فى ذى الخرص الذابل «٦»
واللابس الخيل إذ أجحمت كالليث فى غابته الباسل
أبيض فى الذروة من هاشم لم يمر دون الحق بالباطل
مال شهيدا بين أسيافكم شلت يدا وحشى من قاتل «٧»
أى امرئ غادر فى ألة مطرورة مارنة العامل «٨»
_________________
(١) عفا: أى غير ودرس. ورسمها: أى أثرها.
(٢) السراديح: جمع سرادح، وهو الوادى. وأدمانة: اسم موضع. والروحاء: اسم موضع. وحائل: جبل.
(٣) استعجمت: أى لم ترد جوابا. ومرجوعة السائل: أى رجوع جوابه.
(٤) النائل: أى العطاء.
(٥) الشيزى: الجفان التى تصنع من خشب الشيز.
(٦) القرن: الذى يقاومك فى القتال. واللبدة: أى الغبار الملبد.
(٧) وحشى: هو قاتل حمزة.
(٨) والألة: الحربة التى لها سنان طويل. والمطرورة: أى المحددة. والمارنة: أى اللينة. والعامل: أعلى
[ ١ / ٤٠١ ]
أظلمت الأرض لفقدانه واسود نور القمر الناصل
صلى عليه الله فى جنة عالية مكرمة الداخل
كنا نرى حمزة حرزا لنا فى كل أمر نابنا نازل
وكان فى الإسلام ذا تدرأ يكفيك فقد القاعد الخاذل
لا تفرحى يا هند واستحلبى دمعا وأذرى عبرة الثاكل
وابك على عتبة إذ قطه بالسيف تحت الرهج الجائل
إذا خر فى مشيخة منكم من كل عات قلبه جاهل
أرداهم حمزة فى أسرة يمشون تحت الحلق الفاضل
غداة جبريل وزير له نعم وزير الفارس الحامل
وقال عبد الله بن رواحة يبكى حمزة، وتروى- أيضا- لكعب بن مالك ﵃ أجمعين:
بكت عينى وحق لها بكاها وما يغنى البكاء ولا العويل
على أسد الإله غداة قالوا أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الأركان هدت وأنت الماجد البر الوصول
عليك سلام ربك فى جنان مخالطها نعيم لا يزول
وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكى أخاها حمزة ﵄:
أسائلة أصحاب أحد مخافة بنات أبى من أعجم وخبير
فقال الخبير إن حمزة قد ثوى وزير رسول الله خير وزير
دعاه الإله الحق ذو العرش دعوة إلى جنة يحيا بها وسرور
فذلك ما كنا نرجى ونرتجى لحمزة يوم الحشر خير مصير
فو الله لا أنساك ما هبت الصبا بكاء وحزنا محضرى ومسيرى
على أسد الله الذى كان مدرها يذود عن الإسلام كل كفور
فيا ليت شلوى عند ذاك وأعظمى لدى أضبع تعتادنى ونسور
أقول وقد أعيى النعى عشيرتى جزى الله خيرا من أخ ونصير
وقالت نعم امرأة شماس بن عثمان تبكى زوجها شماسا وأصيب يوم أحد:
_________________
(١) أعلى الرمح.
[ ١ / ٤٠٢ ]
يا عين جودى بفيض غير إبساس على كريم من الفتيان لباس
صعب البديهة ميمون نقيبته حمال ألوية ركاب أفراس «١»
أقول لما أتى الناعى له جزعا أودى الجواد وأودى المطعم الكاسى «٢»
وقلت لما خلت منه مجالسه لا يبعد الله عنا قرب شماس
فأجابها أخوها يعزيها فقال:
اقنى حياءك فى ستر وفى كرم فإنما كان شماس من الناس «٣»
لا تقتلى النفس إذ حانت منيته فى طاعة الله يوم الروع والباس «٤»
قد كان حمزة ليث الله فاصطبرى فذاق يومئذ من كأس شماس
وقالت هند بنت عتبة حين انصرف المشركون عن أحد:
رجعت وفى نفسى بلابل جمة وقد فاتنى بعض الذى كان مطلبى «٥»
من أصحاب بدر من قريش وغيرهم بنى هاشم منهم ومن أهل يثرب
ولكننى قد نلت شيئا ولم يكن كما كنت أرجو فى مسيرى ومركبى
وهذه هند أم معاوية بن أبى سفيان، وكانت امرأة فيها مكارة وذكورة ولها نفس وأنفة، وكان المسلمون قد أصابوا يوم بدر أباها عتبة وعمها شيبة وأخاها الوليد، فأصابها من ذلك ما يصيب من مثله النفوس الشهمة والقلوب الكافرة، فخرجت إلى أحد مع زوجها أبى سفيان تبتغى الانتصار وتطلب الأوتار، فهذا قولها- يرحمها الله- والوتر يقلقها والكفر يحنقها والحزن يحرقها والشيطان ينطقها.
ثم إن الله سبحانه هداها إلى الإسلام وأخذ بحجزتها عن سواء النار، فصلحت حالها وتبدلت أقوالها، حتى قالت لرسول الله ﷺ فيما قالت له: والله يا رسول الله، ما كان على الأرض أهل خباء أحب إلى أن يذلوا من أهل خبائك، وما أصبح اليوم الأرض خباء أحب إلى أن يعزوا من أهل خبائك. أو نحو هذا من القول.
فالحمد لله الذى هدانا برسوله أجمعين، وإياه سبحانه نسأل أن يميتنا على خير ما هدانا إليه، لا مبدلين ولا مغيرين.
***
_________________
(١) البديهة: أول الأمر والرأى. وميمون نقيبته: أى مسعود الفأل. والألوية: جمع لواء، وهو العلم.
(٢) الناعى: الذى يأتى بخبر الميت.
(٣) اقنى حياءك: أى حافظى عليه ولا تخرجى عنه.
(٤) اقنى حياءك: أى حافظى عليه ولا تخرجى عنه.
(٥) المنية: أى الموت. والروع: أى الفزع. والبأس: أى الشجاعة.
(٦) البلابل: أى الأحزان.
[ ١ / ٤٠٣ ]