ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدا، فأقام بها.
وبعث فى مقامه ذلك عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصى «١» فى ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد.
فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرّة، فلقى بها جمعا عظيما من قريش، فلم يكن بينهم قتال، إلّا أن سعد بن أبى وقاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمى به فى سبيل الله.
وقال سعد فى رميته تلك فيما يذكرون:
ألا هل أتى رسول الله أنى حميت صحابتى بصدور نبلى
أذود بها أوائلهم ذيادا بكل حزونة وبكل سهل
فما يعتد رام فى عدوّ بسهم يا رسول الله قبلى
فى أبيات ذكرها ابن إسحاق، وذكر ابن هشام أن أكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لسعد.
ثم انصرف القوم عن القوم وللمسلمين حامية.
وفرّ من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهرانى «٢» وعتبة بن غزوان «٣»، وكانا مسلمين ولكنهما خرجا ليتوصلا بالكفار.
ويقال: إن أبا بكر الصديق ﵁ قال فى غزوة عبيدة هذه:
_________________
(١) انظر ترجمته فى: الثقات (٣/ ٣١٢)، الاستبصار (١٥٨، ٣٠١)، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٦٩)، الأعلام (٤/ ١٩٨)، سير أعلام النبلاء (١/ ٢٥٦)، الإصابة ترجمة رقم (٥٣٩١)، أسد الغابة ترجمة رقم (٣٥٣٤) .
(٢) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (٣/ ١/ ١٤٤)، طبقات خليفة (٦١، ٦٧، ١٦٨)، التاريخ الكبير (٨/ ٥٤)، التاريخ الصغير (٦٠، ٦١)، المعارف (٢٦٣)، الجرح والتعديل (٨/ ٤٢٦)، حلية الأولياء (١/ ١٧٢، ١٧٦)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٨٥)، شذرات الذهب (١/ ٣٩)، الإصابة ترجمة رقم (٨٢٠١)، أسد الغابة ترجمة رقم (٥٠٧٦) .
(٣) انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (٣/ ١/ ٦٩)، التاريخ الكبير (٦/ ٥٢٠، ٥٢١)، المعارف (٢٧٥)، الجرح والتعديل (٦/ ٣٧٣)، حلية الأولياء (١/ ١٧١، ١٧٢)، تهذيب التهذيب (٧/ ١٠٠)، شذرات الذهب (١/ ٢٧)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٠٤)، الإصابة ترجمة رقم (٥٤٢٧)، أسد الغابة ترجمة رقم (٣٥٥٦) .
[ ١ / ٣١٨ ]
أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث أرقيت وأمر فى العشيرة حادث «١»
ترى من لؤى فرقة لا يصدها عن الكفر تذكير ولا بعث باعث
رسول أتاهم صادق فتكذبوا عليه وقالوا لست فينا بماكث
إذا ما دعوناهم إلى الحق أدبروا وهروّا هرير المحجرات اللواهث «٢»
فكم قد متتنا فيهم بقرابة وترك التقى شىء لهم غير كارث
فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم فما طيبات الحلّ مثل الخبائث
وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم فليس عذاب الله عنهم بلابث
ونحن أناس من ذؤابة غالب لنا العز منها فى الفروع الأثائث
فأولى بربّ الراقصات عشية حراجيج تجرى فى السريح الرّثائث
كأدم ظباء حول مكة عكف بردن حياض البئر ذات النّبائث
لئن لم يفيقوا عاجلا من ضلالهم ولست إذا آليت قولا بحانث
لتبتدرنهم غارة ذات مصدق تحرم أطهار النساء الطوامث
وكانت راية عبيدة أول راية عقدها رسول الله ﷺ فى الإسلام.
وبعض العلماء يزعم أنه بعثه حين أقبل من غزوة الإبواء قبل أن يصلى إلى المدينة، وأنه بعث فى مقامه بالمدينة حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر من ناحية العيص فى ثلاثين راكبا من المهاجرين، فلقى أبا جهل بذلك الساحل فى ثلاثمائة راكب من أهل مكة، فحجز مجدى بن عمرو الجهنى، وكان موادعا للفريقين.
فانصرف بعض القوم عن بعض، ولم يك بينهم قتال.
وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد من المسلمين، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا، فشبه ذلك على الناس.
وقد زعموا أن حمزة قال فى ذلك شعرا يذكر فيه أن رايته أول راية عقدها رسول الله ﷺ.
فإن كان حمزة قال ذلك فقد صدق إن شاء الله، لم يكن يقول إلا حقّا، فالله أعلم أى ذلك كان.
_________________
(١) الدمائث: أى الرمال اللينة.
(٢) هروا: أى وثبوا كما تثب الكلاب. والمجحرات: أى الكلاب التى اجحرت، أى لجئت إلى مواضعها.
[ ١ / ٣١٩ ]
فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا: فعبيدة بن الحارث أول من عقد له.
والشعر المنسوب لحمزة ﵁:
ألا يا لقومى للتحكم والجهل وللنقص من رأى الرجال وللعقل
وللراكبينا بالمظالم لم نطأ لهم حرمات من سوام ولا أهل «١»
كأنا تبلناهم ولا تبل عندنا لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل»
وأمر بإسلام فلا يقبلونه وينزل منهم مثل منزلة الهزل
فما برحوا حتى انتدبت بغارة لهم حيث حلوا ابتغى راحة الفضل
بأمر رسول الله أول خافق عليه لواء لم يكن لاح من قبل
لواء لديه النصر من ذى كرامة إله عزيز فعله أفضل الفعل
عشية ساروا حاشدين وكلنا مراجله من غيظ أصحابه تغلى
فلما تراءينا أناخوا فعقلوا مطايا وعقلنا مدى غرض النبل
فعلنا لهم حبل الإله نصيرنا وليس لكم إلا الضلالة من حبل
فثار أبو جهل هنالك باغيا فخاب ورد الله كيد أبى جهل
وما نحن إلا فى ثلاثين راكبا وهم مئتان بعد واحدة فضل
فيال لؤى لا تطيعوا غواتكم وفيئوا إلى الإسلام والمنهج السهل «٣»
فإنى أخاف أن يصب عليكم عذاب فتدعوا بالندامة والثّكل
ثم غزا رسول الله ﷺ فى ربيع الأول يريد قريشا حتى بلغ بواط «٤» من ناحية رضوى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا.
ثم غزاهم فسلك على نقب بنى دينار على فيفاء الحبار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها: ذات الساق، فصلى عندها، فثمّ مسجده ﷺ، وصنع له عندها طعام فأكل منه وأكل الناس معه، فموضع أثافى البرمة معلوم هنالك، واستقى له من ماء يقال له: المشرب المشترب.
ثم ارتحل حتى هبط بليل، ثم سلك فرش ملل حتى لقى الطريق بصحيرات اليمام، ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة من بطن ينبع، فأقام بها جمادى الأولى وليالى من
_________________
(١) السوام: أى الإبل الراعية، وقيل: هى المرسلة فى المرعى.
(٢) تبلناهم: أى عاديناهم.
(٣) فيئوا: أى ارجعوا. والمنهج: أى الطريق الواضح.
(٤) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٨)، البداية والنهاية (٣/ ٢٤٦) .
[ ١ / ٣٢٠ ]
جمادى الآخرة. ووادع فيها بنى مدلج وحلفاءهم من بنى ضمرة ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا.
وبعث سرية فيما بين ذلك من غزوة سعد بن أبى وقاص فى ثمانية رهط من المهاجرين، فبلغ الخرّار من أرض الحجاز، ثم رجع ولم يلق كيدا.
ولم يقم رسول الله ﷺ بالمدينة حين قدم من غزوة العشيرة «١» إلا ليالى قلائل لا تبلغ العشر، حتى أغار كرز بن جابر الفهرى «٢» على سرح المدينة.
فخرج ﷺ فى طلبه حتى بلغ واديا يقال له: سفوان من ناحية بدر، وفاته كرز فلم يدركه. وهى غزوة بدر الأولى.
ثم رجع إلى المدينة.
وبعث عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدى «٣» فى رجب مقفلة من تلك الغزاة، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، وهم: أبو حذيفة بن عتبة، وسعد بن أبى وقاص، وعكاشة بن محصن، وعتبة بن غزوان، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله التميمى، وخالد بن البكير، وسهيل بن بيضاء. وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا.
فلما سار عبد الله يومين فتح الكتاب فإذا فيه: «إذا نظرت فى كتابى هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف، فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم» .
فقال عبد الله: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرنى رسول الله ﷺ أن أمضى إلى نخلة أرصد فيها قريشا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهانى أن أستكره أحدا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها، فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ.
فمضى ومضى معه أصحابه، لم يختلف عنه منهم أحد، وسلك على الحجاز حتى إذا
_________________
(١) راجع هذه الغزوة فى: المغازى للواقدى (١/ ١٢، ١٣)، طبقات ابن سعد (٢/ ١/ ٤، ٥)، تاريخ الطبرى (٢/ ٤٠٨)، البداية والنهاية (٣/ ٢٤٦) .
(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧٤٠٩)، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٤٤٩) .
(٣) انظر ترجمته فى: الثقات (٣/ ٢٣٧)، صفوة الصفوة (١/ ٣٨٥)، حلية الأولياء (١/ ١٠٨، ١٠٩)، شذرات الذهب (١/ ٥٤)، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٠٢)، تهذيب التهذيب (٥/ ١٤٣)، الجرح والتعديل (٥/ ٢٢، ١٠١) .
[ ١ / ٣٢١ ]