قال ابن إسحاق «٢»: ثم إن رسول الله ﷺ سمع بأبى سفيان بن حرب مقبلا من الشام فى عير لقريش عظيمة.
فندب المسلمين إليهم، وقال: «هذه عير قريش، فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها» «٣» .
فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حربا.
وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقى من الرّكبان، تخوفا، حتى أصاب من بعضهم خبرا باستنفار رسول الله ﷺ له ولعيره، فحذر عند ذلك، واستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى، فبعثه إلى مكة ليخبر قريشا بذلك، ويستنفرهم إلى أموالهم، فخرج ضمضم سريعا.
وكانت عاتكة بنت عبد المطلب «٤» قد رأت قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث رؤيا أفزعتها، فقالت لأخيها العباس: يا أخى، والله لقد رأيت الليلة رؤيا لقد أفظعتنى وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عنى ما أحدثك، فقال لها: وما رأيت؟.
_________________
(١) ذكرها ابن الجوزى فى المنتظم (٣/ ٩٧)، الواقدى فى المغازى (١/ ١٩)، ابن سعد فى الطبقات (٢/ ١/ ٦ ط الشعب)، الطبرى فى تاريخه (٢/ ٤٢١)، ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٢٥٦)، ابن الأثير فى الكامل فى التاريخ (٢/ ١٤) .
(٢) انظر السيرة (٢/ ٢١١) .
(٣) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ١/ ٦)، الدر المنثور للسيوطى (٣/ ١٦٨)، تفسير ابن كثير (٣/ ٥٥٧)، تفسير القرطبى (٧/ ٣٧٣)، تفسير الطبرى (٩/ ١٢٢)، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٥٦) .
(٤) انظر ترجمتها فى: طبقات ابن سعد (٨/ ٤٣)، المعارف (١١٨)، الإصابة ترجمة رقم (١١٤٥٥)، أسد الغابة ترجمة رقم (٧٠٨٨) .
[ ١ / ٣٢٤ ]
قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته: ألا أنفروا يالغدر لمصارعكم فى ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبيناهم حوله، مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها، ألا أنفروا يالغدر إلى مصارعكم فى ثلاث، ثم مثل به بعيره على رأس أبى قبيس «١» فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقى بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلتها منها فلقة.
قال العباس: والله إن هذه لرؤيا، وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد.
ثم خرج العباس فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقا، فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش.
قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل فى رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآنى قال: يا أبا الفضل، إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا.
فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال لى أبو جهل يا بنى عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النّبيئة؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التى رأت عاتكة، فقلت:
وما رأت؟.
قال يا بنى عبد المطلب، أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساءكم؟ قال:
زعمت عاتكة فى رؤياها أنه قال: انفروا فى ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن يك حقّا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شىء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت فى العرب.
قال العباس: فو الله، ما كان منى إليه كبير، إلا أنى جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأيت شيئا، ثم تفرقنا.
فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى، فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة بشىء مما سمعت؟ فقلت: قد والله فعلت، وما كنا منى إليه من كبير، وإيم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفيكنّه.
قال: فغدوت فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب، أرى أنه قد فاتنى
_________________
(١) أبو قبيس: جبل مشرف على مكة من شرقيها. انظر: معجم البلدان (١/ ٨٠) .
[ ١ / ٣٢٥ ]
أمر أحب أن أدركه منه، فدخلت المسجد فرأيته، وكان رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر، فو الله، إنى لأمشى نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال، فأقع به، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد، فقلت فى نفسى: ماله، لعنة الله؟! أكل هذا فرقا منى أن أشاتمه! وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عمرو [الغفارى] وهو يصرخ ببطن الوادى واقفا على بعيره قد جدعه وحول رحله وشق قميصه وهو يقول:
يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد فى أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث.
قال: فشغلنى عنه، وشغله عنى ما جاء من الأمر.
فتجهز الناس سراعا وقالوا: أيظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمى؟ كلا والله ليعلمن غير ذلك.
فكانوا بين رجلين، إما خارج وإما باعث مكانه رجلا.
وأو عبت قريش فلم يتخلف من أشرافها أحد، إلا أن أبا لهب تخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة. وكانت عليه لأبى لهب أربعة آلاف درهم، فاستأجره بها على أن يجزىء عنه بعثة.
وأجمع أمية بن خلف القعود- وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا- فأتاه عقبة بن أبى معيط وهو جالس فى المسجد بين ظهرى قومه بمجمرة فيها نار ومجمر حتى وضعها بين يديه، ثم قال: يا أبا على، استجمر فإنما أنت من النساء! فقال: قبحك الله وقبح ما جئت به. ثم تجهز وخرج مع الناس.
ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا السير ذكروا حربا كانت بينهم وبين بنى بكر ابن عبد مناة بن كنانة، وقالوا: إنا نخشى أن يأتونا من خلفنا، فكاد ذلك يثبتهم، فتبدى لهم إبليس فى صورة سراقة بن جعشم المدلجى، وكان من أشراف بنى كنانة، فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشىء تكرهونه.
فخرجوا سراعا.
وخرج رسول الله ﷺ فى ليال مضت من شهر رمضان فى أصحابه، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار «١»، وكان أبيض، وكان أمام
_________________
(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٨٠٢٠)، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٩٣٦) .
[ ١ / ٣٢٦ ]
رسول الله ﷺ رايتان سوداوان، إحداهما مع على بن أبى طالبرضي الله عنه- والأخرى مع بعض الأنصار، وجعل على الساقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار، وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ فيما قال ابن هشام.
فسلك رسول الله ﷺ طريقة من المدينة إلى مكة حتى إذا كان قريبا من الصفراء بعث بسبس بن عمرو «١»، وعدى بن أبى الزغباء «٢» الجهينيين إلى بدر يتجسسان له الأخبار عن أبى سفيان وغيره.
فمضيا حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، فسمعا جاريتين من جوارى الحاضر تتلازما على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنما ترد العير غدا أو بعده فأعمل لهم ثم أقضيك. فقال مجدى بن عمرو، وكان على الماء: صدقت، ثم خلص بينهما.
فلما سمع بذلك عدى وبسبس، انطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه.
ثم تقدم أبو سفيان العير حذرا حتى ورد الماء، فقال لمجدى: هل أحسست أحدا؟
قال: لا، إلا أنى قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا فى شن لهما، ثم انطلقا.
فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما ففته فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب! فأسرع إلى اصحابه فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها، وترك بدرا بيساره.
ثم ارتحل رسول الله ﷺ حتى أتى واديا يقال له: «ذفران»، فجزع فيه، ثم نزل.
وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فأخبر الناس واستشارهم.
فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون»، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذى بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه.
_________________
(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٨١٠)، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٠٥)، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٤٨)، معرفة الصحابة (٣/ ١٧٥) .
(٢) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٥٤٩٨)، أسد الغابة ترجمة رقم (٣٦١٣)، الثقات (٣/ ٣١٦)، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٧٧) .
[ ١ / ٣٢٧ ]
فقال رسول الله ﷺ خيرا ودعا له، ثم قال رسول الله ﷺ: «أشيروا على» «١» . وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس، وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت فى ذمتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم من بلادهم إلى عدو، فلما قال ذلك رسول الله ﷺ قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال:
«أجل» «٢»، قال: فقد آمنا بك وصدقناك؛ وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذاى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بناعدونا غدا، إنا لصبر فى الحرب صدق عند اللقاء لعل يريك منا ما تقربه عينك، فسر بنا على بركة الله.
فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك، ثم قال: «سيروا وأبشروا فإن الله ﵎ قد وعدنى إحدى الطائفتين، والله لكأنى الآن انظر إلى مصارع القوم» «٣» .
ثم ارتحل رسول الله ﷺ من «ذفران» «٤» حتى نزل قريبا من بدر فركب هو ورجل من أصحابه، قيل: هو أبو بكر الصديق، حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا اخبر كما حتى تخبرانى ممن أنتما؟
فقال له رسول الله ﷺ: «إذا أخبرتنا أخبرناك» . قال: أو ذاك بذاك، قال: «نعم»، قال الشيخ: فإنى بلغنى أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذى أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذى به رسول الله ﷺ، وبلغنى أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذى أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذى به قريش. فلما فرغ من خبره، قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله ﷺ: «نحن من ماء» «٥» . ثم انصرف عنه رسول الله ﷺ.
_________________
(١) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٩/ ٣٥٦)، دلائل النبوة للبيهقى (٢/ ٣٧٧، ٣٨١) .
(٢) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (٥٢٣٣)، مسند الإمام أحمد (١/ ٢٥٥، ٢٨٤، ٣/ ٤٣٨، ٥/ ٢٨٦، ٣٧٢، ٣٨١)، الدر المنثور للسيوطى (٥/ ٢٠٥)، كنز العمال للمتقى الهندى (٣١٣٧٩) .
(٣) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (٣/ ٧٢)، فتح البارى لابن حجر (٧/ ٣٣٦) .
(٤) ذفران: واد قرب واد الصفراء والذفر كل ريح من طيب أو نتن. انظر: معجم البلدان (٣/ ٦) .
(٥) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٦٤) .
[ ١ / ٣٢٨ ]
قال: يقول الشيخ: ما من ماء! أمن ماء العراق؟
ثم رجع رسول الله ﷺ إلى أصحابه، فلما أمسى بعث على بن أبى طالب والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية لقريش فيهما غلامان لبعضهم، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله ﷺ قائم يصلى، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبى سفيان، فضربوهما، فلما أذلقوهما قالا: نحن لأبى سفيان، فتركوهما.
وركع رسول الله ﷺ وسجد سجدتيه، ثم سلم وقال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا والله، إنهما لقريش، أخبرانى عن قريش. فقالا: هم وراء هذا الكثيب الذى ترى» . قال: «كم القوم؟» قالا: كثير. قال: «ما عدتهم؟» قالا:
ما ندرى. قال: «كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يوما تسعا ويوما عشرا. قال رسول الله ﷺ: «القوم ما بين التسعمائة والألف» «١» .
ثم قال لهما: «من فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البخترى بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر، وطعيمة بن عدى، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، وأبو جهل بن هشام، وأمية ابن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود.
فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» «٢» .
وأقبلت قريش؛ فلما نزلوا الجحفة رأى جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إنى أرى فيما يرى النائم، وإنى لبين النائم واليقظان، إذ نظرت إلى رجل أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وابو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف وفلان، فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب فى لبة بعيره ثم أرسله فى العسكر فيما بقى خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نضح من دمه.
_________________
(١) انظر الحديث فى: تفسير ابن كثير (٢/ ١٣، ٤/ ١١)، تفسير الطبرى (٣/ ١٣١)، الدر المنثور للسيوطى (٣/ ١٦٦) .
(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٧٧، ٢٧٨)، تاريخ الطبرى (٢/ ٢٨)، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٧٥، ٧٦)، دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٤٢) .
[ ١ / ٣٢٩ ]
فبلغت أبا جهل فقال: وهذا- أيضا- نبى آخر من بنى المطلب! سيعلم غدا من المقتول إن نحن التقينا.
قال: ولما رأى أبو سفيان قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنكم خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجاها اله، فارجعوا.
قال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، وكان موسما للعرب لهم به سوق كل عام، فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها، فامضوا.
وقال الأخنس بن شريق الثقفى: يا بنى زهرة، وكان حليفا لهم: قد نجى الله أموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوه بن جنبها وارجعوا، فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا فى غير ضيعة، لا ما يقول هذا.
فرجعوا فلم يشهدها زهرى واحد، أطاعوه وكان فيهم مطاعا.
ولم يكن بقى من قريش بطن إلا قد نفر منهم ناس إلا بنو عدى بن كعب، لم يخرج منهم رجل واحد، فرجعت بنو زهرة مع الأخنس، فلم يشهد بدرا من هذين القبيلين أحد.
وكان بين طالب بن أبى طالب وكان فى القوم، وبين بعض قريش محاورة، فقالوا:
والله لقد عرفنا يا بنى هاشم وإن خرجتم معنا أن هواكم لمع محمد. فرجع طالب إلى مكة مع من رجع، وقال:
لا هم إما يغزون طالب فى عصبة مخالفا محارب
فى مقنب من هذه المقانب فليكن المسلوب غير السالب
وليكن المغلوب غير الغالب
ومضت قريش حتى نزلوا بالعدوة القصوى من الوادى خلف العقنقل والقلب ببدر فى العدوة الدنيا إلى المدينة.
وبعث الله﷿- السماء، وكان الوادى دهسا، فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه منها ما لبد لهم الأرض ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.
فخرج رسول الله ﷺ يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاؤا أدنى ماء من بدر نزلوا به.
[ ١ / ٣٣٠ ]
فذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصارى قال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتاخر عنه؟ أم هو الرأى والجرب والمكيدة؟
فقال: «بل هو الرأى والحرب والمكيدة» . قال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بنا حتى نأنى أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبنى عليه حوضا فنملأه ماء ثم نتقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون.
فقال رسول الله ﷺ: «لقد أشرت بالرأى» «١» . فنهض رسول الله ﷺ ومن معه من الناس، فساروا حتى إذا اتى ماء إلى القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملىء ماء ثم قذفوا فيه الآنية.
وقال سعد بن معاذ: يا نبى الله، ألا نبنى لك عريشا تكون فيه، ونعد عندك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبى الله ما نحن بأشد حبا لك منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله﷿- بهم يناصحونك ويجاهدون معك.
فأثنى رسول الله ﷺ عليه خيرا ودعا له بخير، ثم بنى لرسول الله ﷺ عريش فكان فيه.
وارتحلت قريش حين أصبحت فأقبلت، فلما رآها رسول الله ﷺ تصوب من الكثيب الذى جاؤا منه، قال: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى به، اللهم أحنهم الغداة» «٢» .
وقد كان خفاف بن أيماء بن رحضة الغفارى أو أبوه بعث إلى قريش حين مروا به ابنا له بجزائر أهداها لهم، وقال: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا. فأجابوه: أن وصلتك رحم، قد قضيت الذى عليك، فلعمرى لئن كنا إنما نقاتل الناس ما بنا ضعف عنهم، ولئن كنا إنما نقاتل الله كما يزعم محمد ما لأحد بالله من طاقة!
فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش فيهم حكيم بن حزام حتى وردوا حوض رسول
_________________
(١) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٤/ ٤٢٦، ٤٢٧) .
(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (٣/ ٥٨)، مسند الإمام أحمد (٢٠٨، ٢٢١)، تاريخ الطبرى (٢/ ٣٠)، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٦٨) .
[ ١ / ٣٣١ ]
الله ﷺ، فقال: «دعوهم» . فما شرب منه يومئذ رجل إلا قتل، إلا ما كان من حكيم بن حزام فإنه لم يقتل، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد فى يمينه قال: لا، والذى نجانى من يوم بدر «١» .
ولما اطمأن القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحى فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد.
فدار بفرسه حول العسكر ثم رجع إليهم، فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه، ولكن أمهلونى حتى أنظر أللقوم كمين أو مدد، وضرب فى الوادى حتى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئا، ولكن قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم.
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى فى الناس فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد، إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر، قال: وما ذلك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمى. قال: قد فعلت، أنت على بذلك إنما هو حليفى فعلى عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية- يعنى أبا جهل- فإنى لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره.
ثم قام عتبة خطيبا فقال:
يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا، والله لئن أصبتموه لا يزال رجل ينظر فى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلوا بين محمد، وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذلك الذى أردتم، وإن كان غير ذلك ألقاكم، ولم تعرضوا منه ما تريدون.
وقد كان رسول الله ﷺ رأى عتبة فى القوم على جمل له أحمر فقال: «إن يك عند أحد من القوم خير فعند صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا» «٢» .
قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فهو يهيئها، فقلت له: يا أبا الحكم، إن عتبة أرسلنى إليك بكذا وكذا، للذى قال. فقال:
انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا
_________________
(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٢٩٨)، الطبرى فى تاريخه (٢/ ٣٠) .
(٢) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (١/ ١١٧)، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٧٥، ٧٦) .
[ ١ / ٣٣٢ ]
وبين محمد وما بعتبة ما قال: ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه، فقد تخوفكم عليه.
ثم بعث إلى عامر بن الحضرمى، فقال: هذا حليفك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينيك، فقم فانشد خفرتك، ومقتل أخيك.
فقام عامر بن الحضرمى فاكتشف ثم صرخ: واعمراه، واعمراه! فحميت الحرب وحقب أمر الناس واستوسقوا على ما هم عليه من الشر وأفسد على الناس الرأى الذى دعاهم إليه عتبة.
فلما بلغ عتبة قول أبى جهل: انتفخ والله سحره، قال: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره أنا أم هو؟!
ثم التمس عتبة بيضة ليدخلها فى رأسه فما وجد فى الجيش بيضة تسعة من عظم هامته، فلما ذلك اعتجر على رأسه ببرد له.
وخرج الأسود بن عبد الأسد المخزومى وكان رجلا شرسا سيىء الخلق، فقال:
أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه.
فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب فضربه فأطن قدمه بنصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دما، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد. زعم أن يبر يمينه، وأتبعه حمزة فضربه حتى قتله فى الحوض.
ثم خرج بعده عتبة بن ربيعة بين اخيه شيبة وابنه الوليد بن عتبة حتى إذا نصل من الصف دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة، وهم: عوف ومعوذ ابنا الحارث وأمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة. فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار.
قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد، أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا.
فقال رسول الله ﷺ: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة وقم يا علىّ» «١» . فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم، فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال على: على.
قالوا: نعم، أكفاء كرام.
فبارز عبيدة، وكان أسن القوم، عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علىّ الوليد.
فأما حمزة فلم يمهل شيبة أن قتله. وأما علىّ فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة
_________________
(١) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (٢٦٦٥)، من حديث على بن أبى طالب ﵁.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه، وكر حمزة وعلىّ بأسيافهما على عتبة فذففا عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه.
وذكر ابن عقبة، أنه لما طلب القوم المبارزة فقام إليهم ثلاثة نفر من الأنصار، استحيا النبى ﷺ من ذلك لأنه كان أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون ورسول الله ﷺ شاهد معهم، فأحب النبى ﷺ أن تكون الشوكة ببنى عمه، فناداهم أن ارجعوا إلى مصافكم، وليقم إليهم بنو عمهم. فعند ذلك قام حمزة وعلىّ وعبيدة.
ثم تزاحف الناس ودنا بعضهم من بعض، وأمر رسول الله ﷺ أصحابه أنه لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: «إن أكتنفكم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل» «١» .
ورسول الله ﷺ فى العريش معه أبو بكر الصديق، وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ: أحد، أحد.
وعدل رسول الله ﷺ- يومئذ- صفوف أصحابه وفى يده قدح يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية- حليف بنى عدى بن النجار- وهو مستنثل من الصف- أى بارز- فطعن فى بطنة بالقدح وقال: «استو يا سواد» . فقال: يا رسول الله أو جعتنى، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدنى. فكشف رسول الله ﷺ عن بطنه وقال: «استقد»، فاعتنقه فقبل بطنه، فقال له: «ما حملك على هذا يا سواد؟» «٢» قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدى جلدك، فدعا له بخير، وقاله له.
ثم عدل رسول الله ﷺ الصفوف ورجع إلى العريش، فدخله ومعه فيه أبو بكر، ليس معه فيه غيره، ورسول الله ﷺ يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد» . وأبو بكر يقول: يا نبى الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك.
وخفق رسول الله ﷺ خفقة وهو فى العريش، ثم انتبه فقال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله! هذا جبريل آخذا بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع» «٣» . يريد الغبار.
ورمى مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتله، فكان أول قتيل من المسلمين.
_________________
(١) انظر الحديث فى: صحيح البخارى (٣٩٨٤، ٣٩٨٥)، سنن أبى داود (٢٦٦٣) .
(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٧١)، تاريخ الطبرى (٢/ ٣٢) .
(٣) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٨٤) .
[ ١ / ٣٣٤ ]
ثم رمى حارثة بن سراقة- أحد بنى عدى بن النجار- وهو يشرب من الحوض بسهم فأصاب نحره فقتله.
ثم خرج رسول الله ﷺ إلى الناس فحرضهم، ثم قال: «والذى نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة» «١» .
فقال عمير بن الحمام، أخو بنى سلمة وفى يده تمرات يأكلهن: بخ بخ! أفما بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء! ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل حتى قتل.
وقال- يومئذ- عوف بن الحارث وهو ابن عفراء: يا رسول الله، ما يضحك الرب من عبده؟ فقال: «غمسه يده فى العدو حاسرا» «٢» فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل.
وقاتل عكاشة بن محصن الأسدى حليف بنى عبد شمس يوم بدر بسيفه حتى انقطع فى يده، فاتى رسول الله ﷺ فأعطاه جذلا من حطب، فقال: «قاتل بهذا يا عكاشة»»
، فلما أخذه هذه فعاد فى يده سيفا طويل القامة شديد المتن أبيض الحديدة، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ حتى قتل فى الردة وهو عنده، قتله طليحة الأسدى.
ثم إن رسول الله ﷺ أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال: «شاهت الوجوه» «٤»، ثم نفحهم بها، ثم أمر أصحابه فقال: «شدوا»، فكانت الهزيمة عليهم.
_________________
(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الإمارة (٣/ ١٤٥)، مسند الإمام أحمد (٣/ ١٣٦، ١٣٧)، مستدرك الحاكم (٣/ ٤٢٦) .
(٢) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٧١) .
(٣) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٣/ ٩٨، ٩٩)، المغازى للواقدى (١/ ٩٣) .
(٤) انظر الحديث فى: صحيح مسلم فى كتاب الجهاد باب (٢٨) رقم (٨١)، مسند الإمام أحمد (١/ ٣٠٣، ٣٦٨، ٥/ ٢٨٦)، مستدرك الحاكم (١/ ١٦٣، ٣/ ١٥٧)، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٨٤، ١٨٤، ٨/ ٤، ٢٢٨)، دلائل النبوة للبيهقى (٥/ ١٤١، ٦/ ٢٤٠)، فتح البارى لابن حجر (٧/ ١٦٩، ٨/ ٣٢)، الدر المنثور للسيوطى (٥/ ١٧٤، ٢٢٤، ٢٢٦، ٣٤٥)، كنز العمال للمتقى الهندى (٣٦٩٧، ٢٩٩٢٤، ٢٩٩٢٥، ٣٠٢١٣، ٣٠٢٠٤)، تفسير ابن كثير (٣/ ٥٧١، ٥٨٦، ٤/ ٦٩)، تفسير القرطبى (٨/ ٩٨، ١٦، ٢٦٣)، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٨٤) .
[ ١ / ٣٣٥ ]
وجعل الله تلك الحصباء عظيما شانها، لم تترك من المشركين رجلا إلا ملأت عينيه.
واستولى عليهم المسلمون معهم الله وملائكته يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون النفر كل رجل منهم منكبّ على وجهه لا يدرى أين يتوجه، يعالج التراب ينزعه من عينيه.
فقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم.
فلما وضع القوم أيديهم يأسرون وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذى فيه رسول الله ﷺ متوشح السيف فى نفر من الأنصار يحرسون رسول الله ﷺ خوف كرة العدو عليه، رأى رسول الله ﷺ فى وجه سعد الكراهية لما يصنع الناس، فقال له:
«لكأنك والله يا سعد تكره ما يصنع القوم؟» «١» فقال: أجل والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان فى القتل أحب إلى من استقبال الرجال.
وقال رسول الله ﷺ يومئذ لأصحابه: «إنى قد عرفت أن رجالا من بنى هاشم وغيرهم أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى منكم أحدا من بنى هاشم فلا يقتله، ومن لقى أبا البخترى بن هشام فلا يقتله، ومن لقى العباس عم رسول الله فلا يقتله، فإنه إنما خرج مستكرها» . فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشيرتنا ونترك العباس! والله لئن وجدته لألحمنه السيف. فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب: «يا أبا حفص» . قال عمر: والله، إنه لأول يوم كنانى فيه رسول الله ﷺ بأبى حفص. «أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف؟» «٢» فقال عمر: يا رسول الله، دعنى فلأضرب عنقه بالسيف، فو الله لقد نافق.
فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التى قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا إلا أن تكفرها عنى الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدا ﵀.
وإنما نهى رسول الله ﷺ عن قتل أبى البخترى لأنه كان أكف القوم عنه بمكة، وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شىء يكرهه، وكان ممن قام فى نقض الصحيفة التى كتبت قريش على بنى هاشم وبنى المطلب.
فلقيه المجذر بن زياد البلوى حليف الأنصار- يوم بدر- فقال له: إن رسول الله
_________________
(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٨٤)، تاريخ الطبرى (٢/ ٣٤)، الكامل فى التاريخ لابن الأثير (٢/ ١٢٦) .
(٢) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ٣٤)، عيون الأثر لابن سيد الناس (١/ ٣٩٨) .
[ ١ / ٣٣٦ ]
ﷺ قد نهانا عن قتلك، ومع أبى البخترى زميل له خرج معه من مكة، قال: وزميلى؟
قال المجذر: لا والله ما نحن بتاركى زميلك، ما أمرنا رسول الله ﷺ إلا بك وحدك.
قال: إذا والله لأموتن أنا وهو جميعا، لا تحدث عنى نساء مكة إنى تركت زميلى حريصا على الحياة، وقال يرتجز:
لن يسلم ابن حرة زميله حتى يموت أو يرى سبيله
ثم اقتتلا فقتله المجذر، ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: والذى بعثك بالحق لقد جهدت عليه أن يستأسر فآتيك به فأبى إلا أن يقاتلنى فقاتلته فقتلته.
هذا الذى ذكر ابن إسحاق فى قتل أبى البخترى «١» .
وقال موسى بن عقبة: يزعم ناس أن أبا اليسر قتل أبا البخترى ويأبى أعظم الناس إلا أن المجذر هو الذى قتله.
ثم أضرب ابن عقبة عن القولين، وقال: بل قتله- غير شك- أبو داود المازنى وسلبه سيفه فكان عند بنيه حتى باعه بعضهم من بعض بنى أبى البخترى.
وكان المجذر قد ناشده أن يستأسره، وأخبره بنهى رسول الله ﷺ عن قتله، فأبى أبو البخترى أن يستأسر وشد عليه المجذر بالسيف وطعنه الأنصارى، يعنى أبا داود المازنى، بين ثدييه فأجهز عليه فقتله.
ويومئذ قال المجذر فيما ذكروا:
إما جهلت أو نسيت نسبى فأثبت النسبة أنى من بلى
الطاعنين برماح اليزنى والضاربين الكبش حتى ينحنى
بشر بيتم من أبوه البخترى أو بشرن بمثلها منى بنى
أنا الذى يقال أصلى من بلى أطعن بالصعدة حتى تنثنى
وأعبط القرن بعضب مشرفى أرزم للموت كإرزام المرى
فلا ترى مجذرا يفرى فرى
وقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: كان أمية بن خلف لى صديقا بمكة، وكان اسمى عبد عمرو، فلما أسلمت تسميت عبد الرحمن، فكان يلقانى فيقول: يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سماكه أبوك؟ فأقول نعم. فيقول: فإنى. لا أعرف الرحمن،
_________________
(١) انظر السيرة (٢/ ٢٣٣) .
[ ١ / ٣٣٧ ]
فاجعل بينى وبينك شيئا أدعوك به، أما أنت فلا تجيا بنى باسمك الأول، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف. فقلت له: يا أبا علىّ، اجعل ما شئت. قال: فأنت عبد الإله.
فقلت: نعم.
حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه على آخذ بيده ومعى أدراع لى قد استلبتها فأنا أحملها، فلما رآنى قال: يا عبد عمرو. فلم أجبه فقال: يا عبد الإله.
فقلت: نعم. قال: هل لك فىّ فأنا خير لك من هذه الأدراع؟ قلت: نعم.
فطرحت الأدراع من يدى وأخذت بيده ويد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط! أما لكم حاجة فى اللبن؟ يريد الفداء.
وقال عبد الرحمن: قال لى أمية وأنا بينه وبين ابنه آخذ بأيديهما: من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة فى صدره؟ زائده قلت: ذلك حمزة بن عبد المطلب. قال: ذلك الذى فعل بنا الأفاعيل.
قال عبد الرحمن: فو الله، إنى لأقودهما إذ رآه بلال، وكان هو الذى يعذبه بمكة على ترك الإسلام، فيخرجه إلى رمضاء مكة إذا حميت فيضجعه على ظهره ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد. فيقول بلال:
أحد أحد. فلما رآه قال: رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجوت، قال: قلت أى بلال أبأسيرى؟!
قال: لا نجوت إن نجا. قلت: أتسمع يا ابن السوداء؟ قال: لا نجوت إن نجا. ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله، رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا.
فأحاطوا بنا حتى جعلونا فى مثل المسكة، وأنا اذب عنه، فأخلف رجل السيف فضرب رجل ابنة فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، فقلت: انج بنفسك، ولا نجاء به، فو الله ما أغنى عنك شيئا، فهبروهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما، فكان عبد الرحمن يقول: رحم الله بلالا، ذهبت أدراعى وفجعنى بأسيرى.
وقاتلت الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس: ولم تقاتل فى يوم سواه، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون، وكانت سماهم يوم بدر عمائم بيضاء، قد أرسلوها فى ظهروهم، ويوم حنين عمائم حمرا.
[ ١ / ٣٣٨ ]
وذكر ابن هشام «١» عن علىرضي الله عنه- فى سيماهم يوم بدر مثل ما قال ابن عباس، إلا جبريل، فإن فى حديث على أنه كانت عليه عمامة صفراء.
وقال ابن عباس: حدثنى رجل من غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لى حتى أصعدنا فى حيل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان ننظر لمن تكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب؛ فبينا نحن فى الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول:
أقدم حيزوم. فأما ابن عمى فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت.
وقال أبو أسيد الساعدى بعد أن ذهب بصره، وكان شهد بدرا: لو كنت اليوم ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب الذى خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى.
وقال أبو داود المازنى: إنى لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفى، فعرفت أنه قد قتله غيرى.
فلما فرغ رسول الله ﷺ من عدوه أمر بأبى جهل أن يلتمس فى القتلى، وقال لهم:
«انظروا إن خفى عليكم فى القتلى إلى أثر جرح فى ركبته، فإنى ازدحمت يوما أنا وهو على مأدبة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت أشف منه بيسير، فدفعته فوقع على ركبتيه فجحشت فى إحداهما جحشا لم يزل أثره به» «٢» .
_________________
(١) انظر السيرة (٢/ ٢٣٧) .
(٢) ذكر ابن الجوزى فى المنتظم (٣/ ١١٥) فى ذكر مقتل أبى جهل قصة أصح من هذا وهى فى صحيح البخارى، فقال: أخبرنا عبد الأول، قا: أخبرنا الداوودى، قال: أخبرنا ابن أعين، قال: أخبرنا الفربرى، قال: حدثنا البخارى، قال: أخبرنا مسدد، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده عبد الرحمن، أنه قال: بينا أنا واقف فى الصف يوم بدر، فنظرت عن يمينى وعن شمالى، فإذا أنا بغلامين من الأنصار، حديثه أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضله منهما، فغمزنى أحدهما، فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخى؟ قال: بلغنى أنه يسب رسول الله ﷺ، والذى نفسى بيده لئن رأيته لم يفارق سوادى سوداه حتى يموت الأعجل منا، قال: فغمزنى الآخر، فقال لى مثلها، فتعجبت لذلك ثم لم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل يجول فى الناس، فقلت لهما: ألا تريان هذا صاحبكما الذى تسألان عنه، فابتدراه فاستقبلهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: «أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال: «مسحتما سيفيكما؟»، قالا: لا، فنظر رسول الله ﷺ فى السيفين، فقال: «كلا كما قتله»، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وكان من حديث عدو الله يوم بدر أنه لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قال:
اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح، وأقبل يرتجز وهو يقول:
ما تنقم الحرب العوان منى بازل عامين حديث سنى
لمثل هذا ولدتنى أمى
وكان أول من لقيه ذكر معاذ بن عمرو بن الجموح أخو بنى سلمة، قال: سمعت القوم وأبو جهل فى مثل الحربة يقولون: أبو الحكم لا يخلصن إليه.
فلما سمعتها جعلته من شأنى فصمدت نحوه، فلما أمكننى حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقة، فضربنى ابنه عكرمة على عاتقى فطرح يدى فتعلقت بجلدة من جنبى، وأجهضنى القتال عنه، فلقد قاتلت عامة يومى وإنى لأسحبها خلفى، فلما آذتنى وضعت عليها قدمى ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها وعاش بعد ذلك معاذ هذا﵀- إلى زمان عثمان ﵁.
ثم مر بأبى جهل، وهو عقير، معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق، وقاتل معوذ حتى قتل.
فمر عبد الله بن مسعود بأبى جهل حين أمر رسول الله ﷺ بالتماسه فى القتلى. قال عبد الله: وقد كان ضبث بى مرة بمكة فآذانى ولكزنى، فوجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلى على عنقه ثم قلت له: أخزاك الله يا عدو الله! قال: وبماذا أخزانى؟
أعمد من رجل قتلتموه، أخبرنى لمن الدائرة اليوم؟ قلت: لله ولرسوله.
ثم احتززت رأسه، ثم جئت به رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبى جهل. فقال: «آلله الذى لا إله غيره؟» «١» وكانت يمين رسول الله ﷺ، قلت:
نعم، والله الذى لا إله غيره. ثم ألقيت رأسه بين يديه، فحمد الله.
وخرج مسلم فى صحيحه عن عبد الرحمن بن عوف، قال: بينا أنا واقف فى الصف
_________________
(١) - وقال ابن الجوزى هما: معاذ بن عمرو، ومعاذ بن عفراء. قلت: والحديث أخرجه: البخارى فى صحيحه (٦/ ٢٤٦)، مسلم فى صحيحه كتاب الجهاد والسير (٣/ ٤٢)، أحمد فى المسند (١/ ١٩٣) .
(٢) انظر الحديث فى: السنن الكبر للبيهقى (٩/ ٦٢)، تاريخ الطبرى (٢/ ٣٧)، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٨٨) .
[ ١ / ٣٤٠ ]
يوم بدر نظرت عن يمينى وشمالى، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثه أسنانهما، فتمنيت لو كنت بين اضلع منهما فغمزنى أحدهما، فقال: يا عم، هل تعرف أبا جهل؟
قلت: نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخى؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ، والذى نفسى بيده لئن رأيته لا يفارق سوادى سواده حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك، فغمزنى الآخر فقال مثلها.
قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل يجول فى الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذى تسألان عنه.
فابتدراه، فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال:
«أيكما قتله؟» فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: «هل مسحتما سيفيكما؟» قالا:
لا، فنظر فى السيفين، فقال: «كلاكما قتله» . وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح.
والرجلان: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء.
وذكر ابن عقبة أن رسول الله ﷺ وقف يوم بدر على القتلى، فالتمس أبا جهل فلم يجده، حتى عرف ذلك فى وجه رسول الله ﷺ فقال: «اللهم لا يعجزن فرعون هذه الأمة» .
فسعى له الرجال حتى وجده عبد الله بن مسعود مصروعا، بينه وبين المعركة غير كبير، مقنعا فى الحديد واضعا سيفه على فخذيه، ليس به جرح ولا يستطيع أن يحرك منه عضوا، وهو مكب ينظر إلى الأرض، فلما رآه ابن مسعود طاف حوله ليقتله وهو خائف أن ينوء إليه، فلما دنا منه وأبصره لا يتحرك ظن أنه مثبت جراحا، فأراد أن يضربه بسيفه، فخاف أن لا يعنى شيئا فأتاه من ورائه، فتناول قائم سيف أبى جهل فاستله وهو مكب لا يتحرك، ثم رفع سابغة البيضة عن قفاه، فضربه فوقع رأسه بين يديه، ثم سلبه، فلما نظر إليه إذا هو ليس به جراح وأبصر فى عنقه حدرا وفى يديه وكتفه مثل آثار السياط.
فأتى ابن مسعود النبى ﷺ فأخبره بقتله، والذى رأى به، فقال النبى ﷺ، زعموا:
«ذلك ضرب الملائكة» .
وأمر رسول الله ﷺ بالقتلى أن يطرحوا فى القليب فطرحوا فيه إلا ما كان من أمية ابن خلف، فإنه انتفخ فى درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه فتزايل، فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة.
[ ١ / ٣٤١ ]
ويقال: إنهم ألقوا فى القليب وقف عليهم رسول الله ﷺ فقال: «يا أهل القليب، بئس عشيرة النبى كنتم لنبيكم، كذبتمونى وصدقنى الناس، وأخرجتمونى وآوانى الناس، وقاتلتمونى ونصرنى الناس. يا أهل القليب، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا، فإنى قد وجدت ما وعدنى ربى حقا» .
فقال له أصحابه: يا رسول الله، أتكلم قوما موتى؟
فقال لهم: «لقد علموا أن ما وعدهم ربهم حق» .
قالت عائشة: والناس يقولون: لقد سمعوا ما قلت لهم، وإنما قال رسول الله ﷺ:
«لقد علموا» «١» .
وفى حديث أنس أن المسلمين قالوا لرسول الله ﷺ حين نادى أصحاب القليب: يا رسول الله، أتنادى قوما قد جيفوا. فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبونى» «٢» .
وذكر ابن عقبة نحوا من ذلك عن نافع عن عبد الله بن عمر.
وقال حسان بن ثابت:
عرفت ديار زينب بالكثيب كخط الوحى فى الورق القشيب
تداولها الرياح وكل جون من الوسمى منهمر سكوب
فأمسى رسمها خلقا وأمست يبابا بعد ساكنها الحبيب
فدع عنك التذكر كل يوم ورد حرارة الصدر الكئيب
وخبر بالذى لا عيب فيه بصدق غير أخبار الكذوب
بما صنع المليك غداة بدر لنا فى المشركين من النصيب
غداة كأن جمعهم حراء بدت أركانه جنح الغروب
فلا قيناهم منا بجمع كأسد الغاب مردان وشيب
أمام محمد قد وازروه على الأعداء فى لقح الحروب
بأيديهم صوارم مرهفات وكل مجرب ماضى الكعوب
_________________
(١) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٧٦)، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٩٠، ٩١)، مستدرك الحاكم (٣/ ٢٢٤)، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٢٩٢) .
(٢) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الجنة (٤/ ٧٧)، سنن النسائى (٢٠٧٤)، مسند الإمام أحمد (٢/ ٣١) .
[ ١ / ٣٤٢ ]
بنو الأوس الغطارف وآزرتها بنو النجار فى الدين الصليب
فغادرنا أبا جهل صريعا وعتبة قد تركنا بالحبوب
وشيبة قد تركنا فى رجال ذوى حسب إذا نسبوا حسيب
يناديهم رسول الله لما قذفناهم كباكب فى القليب
ألم تجدوا كلامى كان حقا وأمر الله يأخذ بالقلوب
فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا صدقت وكنت ذا رأى مصيب
ولما أمر رسول الله ﷺ أن يلقوا فى القليب أخذ عتبة بن ربيعة فسحب إلى القليب، فنظر رسول الله ﷺ- فيما ذكر- فى وجه أبى حذيفة بن عتبة فإذا هو كئيب قد تغير، فقال: «يا أبا حذيفة، لعلك دخلك من شأن أبيك شىء؟» «١» أو كما قال ﷺ.
قال: لا والله يا رسول الله، ما شككت فى أبى ولا فى مصرعه، ولكنى كنت أعرف من أبى رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك للإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذى كنت أرجو له، أحزننى ذلك.
فدعا له رسول الله ﷺ بخير وقال له خيرا.
وكان فى قريش فتية أسلموا ورسول الله ﷺ بمكة، فلما هاجر إلى المدينة حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة، وفتنوهم فافتتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر فأصيبوا به جميعا، فنزل فيهم من القرآن فيما ذكر: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا [النساء: ٩٧] .
وأولئك الفتية: الحارث بن زمعة بن الأسود، وأبو قيس بن الفاكه، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلى بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج.
ثم إن رسول الله ﷺ أمر بما فى العسكر مما جمع الناس فجمع.
فاختلف فيه المسلمون، فقال من جمعه: هو لنا. وقال الذين كانوا يقاتلون العدو ويطلبونه: والله لولا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتى أصبتم ما أصبتم.
وقال الذين كانوا يحرسون رسول الله ﷺ مخافة أن يخالف إليه العدو:
والله، ما أنتم بأحق به منا، ولقد رأينا أن نقتل العدو إذ منحنا الله أكتافهم، ولقد
_________________
(١) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٢/ ٢٩٤) .
[ ١ / ٣٤٣ ]
رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، ولكنا خفنا على رسول الله ﷺ كرة العدو فقمنا دونه، فما أنتم بأحق به منا.
فكان عبادة بن الصامت إذا سئل عن الأنفال، قال: فينا معاشر أصحاب بدر أنزلت حين اختلفنا فى النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسوله ﷺ فقسمه بيننا عن بواء. يقول: على السواء. فكان فى ذلك تقوى الله وطاعته وطاعة رسوله، وصلاح ذات البين.
ثم بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية بما فتح الله على رسوله وعلى المسلمين، وبعث زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر- حين سوينا على رقية بنت رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ خلفنى عليها مع زوجها عثمان- أن زيد بن حارثة قد قدم.
قال: فجئته وهو واقف بالمصلى وقد غشيه الناس وهو يقول: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الأسود، وأبو البخترى بن هشام، وأمية ابن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج. قلت: يا أبه أحق هذا؟ قال: نعم والله يا بنى.
ثم أقبل رسول الله ﷺ قافلا إلى المدينة ومعه الأسارى من المشركين، وفيهم عقبة بن أبى معيط والنضر بن الحارث، حتى إذا خرج رسول الله ﷺ من مضيق الصفراء، نزل على كثيب يقال له: سير إلى سرحة به، فقسم هنالك النفل الذى أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء.
ثم ارتحل حتى إذا كان بالروحاء، لقيه المسلمون يهنئونه بما فتح الله عليه ومن معه من المسلمين، فقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش: ما الذى تهنئوننا به؟ فو الله، إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعلقة فنحرناها، فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «أى ابن أخى؟
أولئك الملأ» «١» .
حتى إذا كان رسول الله ﷺ بالصفراء، قتل النضر بن الحارث، قتله على بن أبى طالبرضي الله عنه- ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية، قتل عقبة بن أبى معيط، فقال عقبة حين أمر بقتله: فمن للصبية يا محمد؟ قال: «النار» «٢» .
_________________
(١) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ٣٨)، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٣٠٥) .
(٢) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (٢/ ٣٨)، مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٨٩) .
[ ١ / ٣٤٤ ]
فقتله عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح، فى قول ابن عقبة وابن إسحاق. وقال ابن هشام «١»: قتله على بن أبى طالب ﵁.
وقالت قتيلة أخت النضر بن الحارث لما بلغها مقتل أخيها:
يا راكبا إن الأثيل مظنة من صبح خامسة وأنت موفق «٢»
أبلغ بها ميتا بأن تحية ما إن تزال بها النجائب تخفق «٣»
منى إليك وعبرة مسفوجة جادت بواكفها وأخرى تخنق
هل يسمعنى النضر إن ناديته أم كيف يسمع ميت لا ينطق
أمحمد يا خير ضنء كريمة فى قومها والفحل فحل معرق «٤»
ما كان ضرك لو مننت وربما منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
أو كنت قابل فدية فلينفقن بأعز ما يغلو به ما ينفق
فالنضر أقرب من أسرت قرابة وأحقهم إن كان عتق يعتق
ظلت سيوف بنى أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشقق
قال ابن هشام: فيقال، والله أعلم: إن رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشعر قال: «لو بلغنى هذا قبل مقتله لمننت عليه» «٥» .
ثم مضرى رسول الله ﷺ حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم، وقد كان فرقهم بين أصحابه، وقال: استوصوا بالأسارى خيرا.
وكان أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه فى الأسارى، قال: وكنت فى رهط من الأنصار حين أقبلوا بى من بدر، وكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصونى بالخبز، وأكلوا التمر، لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع فى يد رجل منهم كسرة من الخبز إلا نفحنى بها، قال: فاستحى فأردها عليه فيردها على ما يمسها!
قال: ومر بى أخى مصعب ورجل من الأنصار يأسرنى، فقال له: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك، فقال له أبو عزيز- فيما ذكر ابن هشام- يا أخى،
_________________
(١) انظر السيرة (٢/ ٢٤٩) .
(٢) الأثيل: تصغير أثل، والأثل: هو شجر الطرفاء، ثم سمى به موضع قرب المدينة بين بدر، ووادى الصفراء. ومظنة: موضع لحصول الظن.
(٣) النجائب: كرام الإبل. تخفق: تسرع.
(٤) ضن: النسل والولد. المعرق: الكريم الذى يأتى بنسل كرام.
(٥) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٣٠٦) .
[ ١ / ٣٤٥ ]
هذه وصاتك بى! فقال له مصعب: إنه أخى دونك، فسألت أمه عن أغلى ما فدى به قرشى، فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت ففدته بها.
وذكر قاسم بن ثابت فى دلائله: أن قريشا لما توجهت إلى بدر مر هاتف من الجن على مكة- فى اليوم الذى أوقع بهم المسلمون- وهو ينشد بأبعد صوت ولا يرى شخصه:
أزار الحنيفيون بدرا وقيعة سينقض منها ركن كسرى وقيصرا
أبادت رجالا من لؤى وأبرزت خرائد يضربن الترائب حسرا
فيا ويح من أمسى عدو محمد لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا
فقال قائلهم: من الحنيفيون؟ فقالوا: هو محمد وأصحابه، يزعمون أنهم على دين إبراهيم الحنيف، ثم لم يلبثوا أن جاءهم الخبر اليقين.
وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش: الحيسمان بن عبد الله الخزاعى. فقالوا: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البخترى بن هشام، فلما جعل يعدد أشراف قريش، قال صفوان بن أمية وهو قاعد فى الحجر: والله إن يعقل هذا، فسلوه عنى. قالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: ها هو ذاك جالس فى الحجر، وقد والله رأيت اباه وأخاه حين قتلا.
وقال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت فأسلم العباس، وأم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق فى قومه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه، ووجدنا فى أنفسنا قوة وعزة، وكنت أعمل الأقداح فى حجرة زمزم، فو الله، إنى لجالس فيها أنحت أقداحى وعندى أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس إلى طنب الحجرة ظهره إلى ظهرى.
فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم.
فقال أبو لهب: هلم إلى فعندك لعمرى الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخى، أخبرنى كيف كان أمر الناس؟ قال: والله، ما هو إلا أن لقينا القوم منحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤا ويأسروننا كيف شاؤا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس،
[ ١ / ٣٤٦ ]
لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، واله ما تليق شيئا، ولا يقوم لها شىء.
قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدى ثم قلت: تلك والله الملائكة! فرفع أبو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة، وثاورته فاحتملنى وضرب بى الأرض، ثم برك علىّ يضربنى وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فضربته به ضربة فلقت فى رأسه شجة منكرة. وقالت أتستضعفه أن غاب عنه سيده! فقام موليا ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته.
وذكر محمد بن جرير الطبرى فى تاريخه أن العدسة قرحة كانت العرب تتشاءم بها، ويرون أنها تعدى أشد العدوى.
فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه، وبقى بعد موته ثلاثا لا تقرب جنازته، ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السّبّة فى تركه حفروا له ثم دفعوه بعود فى حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد، حتى واروه.
وقال ابن إسحاق فى رواية يونس بن بكير عنه: إنهم لم يحفروا له ولكن أسندوه إلى حائط وقذفوا عليه الحجارة من خلف الحائط، حتى واروه.
ويروى أن عائشةرضي الله عنها- كانت إذا مرت بموضعه ذلك غطت وجهها.
وخرج البخارى فى صحيحه: أن أبا لهب رآه بعض أهله فى المنام بشرحيبة، أى حالة، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، غير أنى سقيت فى مثل هذه- وأشار إلى النقرة بين السبابة والإبهام- بعتقى ثويبة.
وثويبة هذه أرضعت رسول الله ﷺ وارضعت عمه حمزة وابا سلمة بن عبد الأسد.
وروى غير البخارى أن الذى رأى أبا لهب من أهله هو أخوه العباس، وأنه قال:
مكثت حولا بعد موت أبى لهب لا أراه فى نوم، ثم رأيته فى شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، إلا أن العذاب يخفف عنى كل يوم اثنين.
وذلك أن رسول الله ﷺ ولد يوم الاثنين، فبشرت أبا لهب بمولده ثوبية مولاته، فقالت له: أشعرت أن آمنة ولدت غلاما لأخيك عبد الله؟ فقال لها: اذهبى فأنت حرة، فنفعه ذلك وهو فى النار، كما نفع أخاه ابا طالب ذبه عن رسول الله ﷺ واجتهاده فى منعه ونصرته، فهو أهون أهل النار عذابا.
[ ١ / ٣٤٧ ]
ويفعل الله ما يشاء مما يطابق سابق تقديره، وقد قضى الله- سبحانه- بإحباط عمل الكافرين، فمحال أن يقيم لهم يوم القيامة وزنا، أو ينالوا عنده بشىء قدموه مما يتصور بصورة الأعمال الصالحة نعيما، إلا أنه ربما جعل التفاوت بين جماهيرهم وبين شاء منهم بمقدار العذاب، فيضاعفه على قوم أضعافا، ويضع من شدائده عن آخرين تخفيفا.
وكل عذاب الله شديد، فنعوذ برضا مولانا الكريم من سخطه، وبمعافاته من عقوبته.
وحدث محمد بن إسحاق بن يسار عن يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير، قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا فى أسراكم حتى تستأنوا بهم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه فى الفداء.
قال: وكان الأسود بن المطلب قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة وعقيل ابناه، والحارث بن زمعة وهو ابن ابنه، وكان يحب أن يبكى عليهم، فسمع نائحة من الليل فقال لغلام له وقد ذهب يصره، انظر هل أحل النحب؟ هل بكت قريش على قتلاها؟
لعلى ابكى على أبى حكيمة- يعنى زمعة- فإن جوفى قد احترق!
فلما رجع إليه الغلام، قال: إنما هى امرأة تبكى على بعير لها أضلته. قال: فذاك حين يقول الأسود:
أتبكى أن يضل لها بعير ويمنعها من النوم السهود
فلا تبكى على بكر ولكن على بدر تقاصرت الجدود
فى أبيات ذكرها ابن إسحاق «١» .
وقد تقدم دعاء رسول الله ﷺ على الأسود بن عبد المطلب هذا بأن يعمى الله بصره ويثكله ولده، فاستجيب له وفق دعائه، سبق العمى أولا إلى بصره، ثم أصيب يوم بدر بمن سمى آنفا من ولده، فتمت إجابة الله سبحانه رسوله فيه.
وكان فى الأسارى أبو وداعة السهمى، فقال رسول الله ﷺ: «إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال، وكأنكم به قد جاءكم فى طلب فداء أبيه» «٢»، فلما قالت قريش: لا
_________________
(١) انظر السيرة (٢/ ٢٥٣) .
(٢) انظر الحديث فى: مجمع الزوائد للهيثمى (٦/ ٩٠)، تاريخ الطبرى (٢/ ٤١) .
[ ١ / ٣٤٨ ]
تعجلوا بفداء أسراكم لا يأرب عليكم محمد وأصحابه، قال المطلب بن أبى وداعة، وهو الذى كان رسول الله ﷺ عنى، صدقتم لا تعجلوا. وانسل من الليل فقدم المدينة فأخذ اباه بأربعة آلاف درهم.
ثم بعثت قريش فى فداء الأسارى، فقدم مكرز بن حفص بن الأحتف فى فداء سهيل بن عمرو وكان الذى أسره مالك بن الدخشم أخو بنى سالم بن عوف، فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضاهم قالوا: هات الذى لنا، قال: اجعلوا رجلى مكان رجله، وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه. فخلوا سبيل سهيل، وحبسوا مكرزا مكانه عندهم، فقال مكرز:
فديت بأذواد ثمان سبا فتى ينال الصميم غرمها لا المواليا
رهنت يدى والمال أيسر من يدى على ولكنى خشيت المخازيا
وقلت سهيل خيرنا فاذهبوا به لأبنائنا حتى ندير الأمانيا
وكان سهيل قد قام فى قريش خطيبا عندما استنفرهم أبو سفيان، فقال: يا لغالب أتاركون أنتم محمدا والصبا من أهل يثرب يأخذون عيرانكم وأموالكم، من أراد مالا فهذا مالى، ومن أراد قوة فهذه قوة.
فيروى أن عمر بن الخطابرضي الله عنه- قال لرسول الله ﷺ لما أسر سهيل يوم بدر: يا رسول الله، انزع ثنتيتى سهيل بن عمرو يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا فى موطن أبدا.
فقال رسول الله ﷺ: «لا أمثل به، فيمثل الله بى، وإن كنت نبيا! إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمة» «١» .
فصدق الله ورسوله، وكان لسهيل بعد وفاته ﷺ فى تثبيت أهل مكة على الإيمان مقام سيأتى ذكر حديثه فى موضعه إن شاء الله.
وكان عمرو بن أبى سفيان بن حرب أسيرا فى يدى رسول الله ﷺ من أسارى بدر، فقيل لأبى سفيان بن حرب: أفد عمرا ابنك. فقال: أيجمع على دمى ومالى، قتلوا حنظلة وأفدى عمرا؛ دعوه فى أيديهم يمسكونه ما بدا لهم!
_________________
(١) انظر الحديث فى: كنز العمال للمتقى الهندى (١٣٣٩٥، ١٣٤٤٧، ١٣٤٤٨)، البداية والنهاية لابن كثير (٣/ ٣١٠) .
[ ١ / ٣٤٩ ]
فبينا هو كذلك محبوس بالمدينة عند رسول الله ﷺ إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال أخو بنى عمرو بن عوف معتمرا، ومعه مرية له، وكان شيخا مسلما فى غنم له بالبقيع، فخرج من هنالك معتمرا ولا يخشى الذى صنع به، لم يظن أنه يحبس بمكة، إنما جاء معتمرا، وقد كان عهد قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا أو معتمرا إلا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة فحبسه بابنه عمرو. ثم قال:
أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا
فإن بنى عمرو لئام أذلة لئن لم تفكوا عن أسيرهم الكبلا
فأجابه حسان بن ثابت فقال:
ولو كان سعد يوم مكة مطلقا لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا
بعضب حسام أو بصفراء نبعة تحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا
ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله ﷺ فأخبروه خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبى سفيان، فيفكوا به صاحبهم، ففعل رسول الله ﷺ فبعثوا به إلى أبى سفيان، فخلى سبيل سعد.
وكان فى الأسارى- أيضا- أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، ختن رسول الله ﷺ زوج ابنته زينب، وكان ﷺ يثنى عليه فى صهره خيرا، وكان من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة، وهو ابن أخت خديجةرضي الله عنها- وهى سألت رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحى أن يزوجه، وكان لا يخالفها، فزوجه، وكانت تعده بمنزلة ولدها.
فلما أكرم الله رسوله ﷺ بنبوته، آمنت به خديجة وبناته، فصدقنه ودن بدينه، وشهدن أن الذى جاء به هو الحق، وثبت أبو العاص على شركه.
فلما بادى رسول الله ﷺ قريشا بأمر الله ﵎ وبالعداوة، قالوا: إنكم فرغتم محمدا من همه، فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن. فمشوا إلى أبى العاص فقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أى امرأة من قريش شئت. قال: لا ها الله، إذا لا أفارق صاحبتى، وما أحب أن لى بها امرأة من قريش.
ثم مشوا إلى عتبة بن أبى لهب وكان رسول الله ﷺ قد زوجه رقية أو أم كلثوم، فقالوا له: طلق ابنة محمد ونحن ننكحك أى امرأة من قريش شئت، فقال: إن زوجتمونى ابنة أبان بن سعيد بن العاص، أو ابنة سعيد بن العاص فارقتها. فزوجوه بنت سعيد بن
[ ١ / ٣٥٠ ]
العاص وفارقها، ولم يكن دخل بها، فأخرجها الله من يده كرامة لها وهوانا له. وخلف عليها عثمان بن عفان بعده.
وكان رسول الله ﷺ لا يحل بمكة ولا يحرم، مغلوبا على أمره، وكان الإسلام قد فرق بين زينب ابنته وبين أبى العاص، إلا أنه كان لا يقدر أن يفرق بينهما، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه، حتى هاجر رسول الله ﷺ.
فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم أبو العاص فأصيب فى الأسارى، فكان بالمدينة عند رسول الله ﷺ، فلما بعث أهل مكة فى فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ فى فداء أبى العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبى العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها الذى لها فافعلوا» «١» قالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه وردوا عليها مالها.
وكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه أن يخلى سبيل زينب إليه، أو وعده أبو العاص بذلك، أو شرطه عليه رسول الله ﷺ فى إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله ﷺ فيعلم ما هو.
إلا أنه لما خرج أبو العاص إلى مكة وخلى سبيله، بعث رسول الله ﷺ مكانه زيد بن حارثة، ورجلا من الأنصار، فقال: كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها، حتى تأتيانى بها. فخرجا وذلك بعد بدر بشهر أو سبعة، فلما قدم أبو العباس مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت تتجهز.
قالت زينب: بينا أنا أتجهز بمكة لقيتنى هند ابنة عتبة، فقالت: يا ابنة محمد ألم يبلغنى أنك تريدين اللحوق بأبيك؟ قالت: ما أردت ذلك. قالت: أى ابنة عم لا تفعلى، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك فى سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك، فإن عندى حاجتك، فلا تضطنى منى فإنه لا يدخل بين النساء ما يدخل بين الرجال. قالت زينب:
فو الله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل، ولكنى خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك، وتجهزت.
_________________
(١) انظر الحديث فى: سنن أبى داود (٢٦٩٢)، مسند الإمام أحمد (٦/ ٢٧٦)، السنن الكبرى للبيهقى (٦/ ٣٢٢)، مستدرك الحاكم (٤/ ٤٥)، مشكاة المصابيح للتبريزى (٣٩٧٠) .
[ ١ / ٣٥١ ]
ولما فرغت بنت رسول الله ﷺ من جهازها قدم إليها كنانة بن الربيع «١» أخو زوجها بعيرا فركبته، وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهى فى هودج لها، وتحدث بذلك رجال قريش، فخرجوا فى طلبها حتى أدركوها بذى طوى، فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود الفهرى، فروعها هبار بالرمح وهى فى هودج لها، وكانت حاملا- فيما يزعمون- فلما ريعت طرحت ذا بطنها.
وبرك حموها كنانة ونثر كنانته ثم قال: والله، لا يدنو منى رجل إلا وضعت فيه سهما. فتكر كر الناس عنه، وأتى أبو سفيان بن حرب فى جلة من قريش فقال: أيها الرجل، كف عنا نبلك حتى نكلمك. فكف، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه، فقال:
إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رؤس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد. فيظن الناس إذا خرجت إليه ابنته علانية على رؤس الناس من بين أظهرنا أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا التى كانت، وأن ذلك من ضعف ووهن، ولعمرى! ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا فى ذلك من ثورة ولكن أرجع المرأة، حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها، فسلها سرا وألحقها بأبيها. ففعل، فأقامت ليالى حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه، فقدما بها على رسول الله ﷺ.
ولما انصرف الذين خرجوا إلى زينب لقيتهم هند بنت عتبة فقالت لهم:
أفى السلم أعيار جفاء وغلظة وفى الحرب أشباه النساء العوارك
وأمر رسول الله ﷺ بسرية بعثها بتحريق هبار بن الأسود أو الرجل الذى سبق معه إلى زينب إن ظفروا بهما، ثم بعث إليهم فقال: «إنى كنت قد أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما، ثم رأيت أنه لا ينبغى أن يعذب بالنار إلا الله ﷿، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما» «٢» .
وأقام أبو العاص بمكة وأقامت زينب عند رسول الله ﷺ، حين فرق بينهما الإسلام، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص تاجرا إلى الشام، وكان رجلا مأمونا، بمال له وأموال لرجال من قريش أبضعوها معه، فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله ﷺ فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا، فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله
_________________
(١) انظر ترجمته فى: الإصابة ترجمة رقم (٧٤٧٩)، أسد الغابة ترجمة رقم (٤٥٠٦) .
(٢) انظر الحديث فى: مصنف ابن أبى شيبة (١٢/ ٣٨٩) .
[ ١ / ٣٥٢ ]
أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله ﷺ فاستجار بها فأجارته، وجاء فى طلب ماله، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الصبح فكبر وكبر الناس معه صرخت زينب من صفة النساء: أيها الناس: إنى قد أجرت أبا العاص بن الربيع.
فلما سلم رسول الله ﷺ من الصلاة أقبل على الناس فقال: «أيها الناس، هل سمعتم ما سمعت؟» قالوا: نعم، قال: «أما والذى نفس محمد بيده، ما علمت بشىء حتى سمعت ما سمعتم، إنه يجير على المسلمين أدناهم» .
ثم انصرف، فدخل على ابنته فقال: «أى بنية، أكرمى مثواه ولا يخلصن إليك، فإنك لا تحلين له» «١» . وبعث إلى السرية الذين أصابوا مال أبى العاص فقال لهم: «إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم، وقد أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذى له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتم فهو فىء الله الذى أفاء عليكم، فأنتم أحق به» «٢» . قالوا: يا رسول الله، بل نرده عليه، فردوه عليه، حتى إن الرجل ليأتى بالدلو ويأتى الرجل بالشنه والإداوده، حتى إن الرجل ليأتى بالشظاظ حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا، ثم احتمل إلى مكة فأدى إلى كل ذى مال من قريش ماله ثم قال: يا معشر قريش، هل بقى لأحد منكم عندى مال لم يأخذه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيا كريما. قال: فإنى أشهد لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعنى من الإسلام عنده إلا تخوف أن تظنوا أنى إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أداها الله إليكم وفرغت منها، أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله ﷺ.
وحكى ابن هشام عن أبى عبيدة «٣»، أن أبا العاص لما قدم من الشام ومعه أموال المشركين قيل له: هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال، فإنها للمشركين؟ فقال: بئس ما أبدأ به إسلامى أن أخون أمانتى.
ومن رسول الله ﷺ على نفر من الأسارى من قريش بغير فداء، منهم أبو عزة عمرو ابن عبد الله الجمحى، كان متحاجا ذا بنات، فكلم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، لقد عرفت مالى من مال، وإنى لذو حاجة وذو عيال، فامنن على. فمن عليه رسول الله ﷺ وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا، فقال أبو عزة فى ذلك يمدح رسول الله ﷺ
_________________
(١) انظر الحديث فى: نصب الراية للزيلعى (٣/ ٢١١)، سنن البيهقى (٩/ ٩٥)، مستدرك الحاكم (٣/ ٢٣٦، ٢٣٧) .
(٢) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (٤/ ٨٥)، مستدرك الحاكم (٣/ ٢٣٧) .
(٣) انظر السيرة (٢/ ٢٦٤) .
[ ١ / ٣٥٣ ]