برسول الله ﷺ بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين، ثم لم أزل مع رسول الله ﷺ، حتى فتح الله عليه مكة قلت: يا رسول الله، ابعثنى إلى ذى الكفين، صنم عمرو بن حممة، حتى أحرقه.
قال ابن إسحاق «١»: فخرج إليه فجعل وهو يوقد عليه النار يقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا
إنى حشوت النار فى فؤادكا «٢»
ثم رجع، فكان بالمدينة حتى قبض الله رسوله، فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين فسار معهم حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل فرأى رؤيا وهو متوجه إلى اليمامة فقال لأصحابه: إنى قد رأيت رؤيا فاعبروها لى. رأيت أن رأسى حلق، وأنه خرج من فمى طائر، وأنه لقيتنى امرأة فأدخلتنى فى فرجها وأرى ابنى يطلبنى طلبا حثيثا ثم رأيته حبس عنى.
قالوا: خيرا؛ قال: أما أنا والله فقد أولتها. قالوا: ماذا؟ قال: أما حلق رأسى فوضعه، وأما الطائر الذى خرج من فمى فروحى، وأما المرأة التى أدخلتنى فى فرجها فالأرض تحفر لى وأغيب فيها، وأما طلب ابنى إياى ثم حبسه عنى فإنى أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابنى، فقتل ﵀ شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جراحة شديدة ثم [استبلّ] «٣» منها ثم قتل عام اليرموك فى زمان عمر شهيدا «٤» .
وذكر ابن هشام «٥» أن أعشى بنى قيس بن ثعلبة «٦» خرج إلى رسول الله ﷺ يريد
_________________
(١) انظر: السيرة (١/ ٣١٤) .
(٢) انظر: الأبيات فى الاستيعاب الترجمة رقم (١٢٨٣)، الإصابة الترجمة رقم (٤٢٧٣)، أسد الغابة الترجمة رقم (٢٦١٣) .
(٣) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «استقل»، وما أوردناه من السيرة. واستبل منها: يقال بل وأبل واستبل المريض من مرضه إذا أفاق وبرىء.
(٤) ذكره بنحوه ابن عبد البر فى الاستيعاب الترجمة رقم (١٢٨٣)، ابن حجر فى الإصابة (٣/ ٢٨٧) بنحوه مختصرا، ابن لأثير فى أسد الغابة (٣/ ٧٨)، ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٩٩) .
(٥) انظر: السيرة (١/ ٣١٧- ٣١٩) .
(٦) قال فى كتاب الشعر والشعراء (١٥٤): هو من سعد بن ضبيعة بن قيس، وكان أعمى، ويكنى أبا بصير، وكان أبوه قيس يدعى قتيل الجوع.
[ ١ / ٢٢٦ ]
الإسلام، وقال قصيدة يمدحه فيها، نذكرها بعد. فلما كان بمكة أو قريبا منها اعترضاه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله ﷺ ليسلم.
فقال له: يا أبا بصير، إنه يحرم الزنا. فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر ما لى فيه من أرب. فقال: يا أبا بصير، فإنه يحرم الخمر «١» . فقال: أما هذه فو الله إن فى النفس منها لعلالات، ولكنى منصرف فأتروى منها عامى هذا ثم آتيه فأسلم.
فانصرف فمات فى عامه ذلك ولم يعد إلى رسول الله ﷺ، هذا ما ذكر ابن هشام فى قصة الأعشى، وظاهره يقتضى أن قصده كان إلى مكة وأن رسول الله ﷺ فيها حينئذ لم يهاجر بعد.
ويعارض هذا الظاهر ما ذكر من تحريم الخمر، فإن أهل النقل مجمعون على أن الخمر إنما حرمت بالمدينة بعد أن مضى بدر وأحد ونزل تحريمها فى سورة المائدة وهى من آخر ما نزل من القرآن فإن صح أن خروج الأعشى كان قبل الهجرة كما فى ظاهر الخبر فلعل المشرك الذى لقيه وأخبره عن رسول الله ﷺ بتحريم الخمر، أراد بهذا القول تنفيره عن الإسلام وإبعاده عنه، مع ما كان من كراهية رسول الله ﷺ أبدا للخمر وتنزيه الله إياه عنها.
ألا تراه ليلة الإسراء لما عرضت عليه آنية الخمر واللبن اختار اللبن فقيل له: هديت للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك. والإسراء إنما كان بمكة فى صدر الإسلام. وقد يمكن أن يكون قصد الأعشى إلى المدينة بعد الهجرة وبعد تحريم الخمر فتلقاه بعض المشركين من قريش ممن لم يكن أسلم بعد.
ولعل هذا هو الأولى بدليل قوله فى قصيدته الآتية بعد:
ألا أيهذا السائلى أين يممت فإن لها فى أهل يثرب موعدا
والله أعلم بالحقيقة فى ذلك كله، والقصيدة التى مدح بها رسول الله ﷺ هى قوله:
_________________
(١) قال السهيلى فى الروض الأنف (٢/ ١٣٦): هذه غفلة من ابن هشام، ومن قال بقوله: فإن الناس مجمعون على أن الخمر لم ينزل تحريمها إلا بالمدينة بعد أن مضيت بدر وأحد، وحرمت فى سورة المائدة وهى من أخر ما نزل، وفى الصحيحين من ذلك قصة حمزة حين شربها، وغتنه القينتان: ألا يا حمز للشرف النواء، فبقر خواصر الشارفين، واجتنب أسمنتها، وقوله للنبى ﷺ: هل أنتم إلا عبيد لآبائى، وهو ثمل، الحديث، فإن صح خبر الأعشى وما ذكر له فى الخمر، فلم يكن هذا بمكة، وإنما كان بالمدينة، ويكون القائل له: أما علمت أنه يحرم الخمر من المنافقين أو من اليهود، فالله أعلم.
[ ١ / ٢٢٧ ]
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبت كما بات السليم مسهدا «١»
وما ذاك من عشق النساء وإنما تناسيت قبل اليوم خلة مهددا
ولكن أرى الدهر الذى هو خائن إذا أصلحت كفاى عاد فأفسدا
كهولا وشبابا فقدت وثروة فلله هذا الدهر كيف ترددا
وما زلت أبغى المال مذ أنا يافع وليدا وكهلا حين شبت وأمردا
وأبتذل العيس المراقيل تعتلى مسافة ما بين النجير فصرخدا «٢»
ألا أيهذا السائلى أين يممت فإن لها فى أهل يثرب موعدا
فإن تسألى عنى فيا رب سائل حفى عن الأعشى به حيث [أصهدا] «٣»
أجدت برجليها النجاء وراجعت يداها خنفاا لينا غير أحردا
وفيها إذا ما هجرت عجرفية إذا خلت حرباء الظهيرة أصيدا «٤»
وآليت لا آوى لها من كلالة ولا من حفى حتى تلاقى محمدا
متى ما تناخى عند باب ابن هشام تراحى وتلقى من فواضله ندا
نبيا يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمرى فى البلاد وأنجدا «٥»
له صدقات ما تغب ونائل وليس عطاء اليوم مانعه غدا
أجدك لم تسمع وصاة محمد نبى الإله حين أوصى وأشهدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولا قيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله فترصد للموت الذى كان أرصدا
فإياك والميتات لا تقربنها ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا
وذا النصب المنصوب لا تنسكنّه ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا «٦»
ولا تقربن حرة كان سرها عليك حراما فانكحن أو تأبدا
_________________
(١) الأرمد: الذى يشتكى عينيه من الرمد. المسهد: الذى منع النوم.
(٢) العيس: الإبل البيض يخالطها حمرة. المراقيل: مأخوذ من الإرقال وهو السرعة فى السير. النجير: موضع فى حضرموت فى اليمن. صرخد: موضع بالجزيرة.
(٣) ما بين المعقفوتين ورد فى الأصل: «أصعدا»، وما أوردناه من السيرة. وأصهدا: أى ذهب.
(٤) العجرفية: أى تخليط من غير استقامة. الحرباء: بكسر فسكون دويبة تكون فى أعلى الشجرة.
(٥) أغار لعمرى: معناه بلغ الغور وهو منخفض من الأرض. أنجد: بلغ النجد وهو ما ارتفع من الأرض.
(٦) النصب: حجارة كان يذبحون لها. النسك: الدم كانوا يعترون عند أصناهم ثم يطلون رؤس الأصنام بدماء العتائر.
[ ١ / ٢٢٨ ]
وذا الرحم القربى فلا تقطعنه لعاقبة ولا الأسير المقيدا
وسبح على حين العشيات والضحى ولا تحمد الشيطان والله فاحمدا
ولا تسخرن من بائس ذى ضرارة ولا تحسبن المال للمرء مخلدا
قال ابن إسحاق «١»: وقد كان عدو الله أبو جهل مع عداوته رسول الله ﷺ وبغضه إياه، يذله الله إذا رآه.
حدثنى «٢» عبد الملك بن عبد الله بن أبى سفيان الثقفى، وكان واعية، قال: قدم رجل من إراش «٣» بإبل له مكة، فابتاعها منه أبو جهل فمطله بأثمانها، فأقبل الإراشى حتى وقف على ناد من قريش ورسول الله ﷺ جالس فى ناحية المسجد، فقال: يا معشر قريش، من رجل يؤدينى على أبى الحكم بن هشام، فإنى غريب ابن سبيل وقد غلبنى على حقى.
فقال له أهل ذلك المجلس: أترى ذلك الرجل؟ لرسول الله ﷺ يهزأون به لما يعلمون بينه وبين أبى جهل من العداوة، اذهب إليه فهو يؤديك عليه.
فأقبل الإراشى حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال: يا عبد الله، إن أبا الحكم بن هشام غلبنى على حق لى قبله وأنا غريب ابن سبيل، وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يؤدينى عليه، يأخذ لى حقى منه، فأشاروا لى إليك فخذ لى حقى منه يرحمك الله.
قال: انطلق إليه. وقام معه رسول الله ﷺ، فلما رأوه قام معه قالوا لرجل ممن معهم:
اتبعه فانظر ما يصنع.
قال: وخرج رسول الله ﷺ حتى جاءه فضرب عليه بابه فقال: من هذا؟ فقال:
محمد. فاخرج إلى. فخرج إليه وما فى وجهه من رائحة، لقد انتقع لونه، فقال: أعط هذا حقه. قال نعم، لا يبرح حتى أعطيه الذى له.
فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، فأقبل الإراشى حتى وقف على ذلك المجلس فقال: جزاه الله خيرا، فقد والله أخذ لى حقى. وجاء الرجل الذى بعثوا معه فقالوا ويحك، ماذا رأيت؟ قال: عجبا من العجب! والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج
_________________
(١) انظر: السيرة (١/ ٣١٨) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ٣١٨- ٣١٩) .
(٣) إراش: هو ابن الغوث أو ابن عمرو بن الغوث ابن بنت مالك وهو والد أنمار الذى ولد بجيله وخثعم.
[ ١ / ٢٢٩ ]
إليه وما معه روحه، فقال: أعط هذا الرجل حقه. قال: نعم، لا يبرح حتى أخرج إليه حقه. فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إياه، ثم لم يلبث أبو جهل أن جاء، فقالوا: ويلك! ما لك؟ والله ما رأينا مثل ما صنعت قط، قال: ويحكم! والله ما هو إلا أن ضرب على بابى وسمعت صوته فملئت رعبا، ثم خرجت إليه وإن فوق رأسه لفحلا من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط، والله لو أبيت لأكلنى «١» .
وذكر الواقدى عن يزيد بن رومان قال: بينا رسول الله ﷺ جالسا فى المسجد معه رجال من أصحابه أقبل رجل من بنى زبيد يقول: يا معشر قريش، كيف تدخل عليكم المادة أو يجلب إليكم جلب أو يحل تاجر بساحتكم وأنتم تظلمون من دخل عليكم فى حرمكم. يقف على الحلق حلقة حلقة.
حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ فى أصحابه، فقال له رسول الله ﷺ: ومن ظلمك؟
فذكر أنه قدم بثلاثة أجمال كانت خيرة إبله، فسامه أبو جهل ثلث أثمانها ثم لم يسمه بها لأجله سائم، قال: فأكسد على سلعتى وظلمنى. قال رسول الله ﷺ: «وأين أجمالك؟» قال: هى هذه بالحزورة. فقام رسول الله ﷺ معه وقام أصحابه، فنظر إلى الجمال فرأى جمالا فرها. فساوم الزبيدى حتى ألحقه برضاه، فأخذها رسول الله ﷺ فباع جملين منها بالثمن، وأفضل بعيرا باعه وأعطى أرامل بنى عبد المطلب ثمنه، وأبو جهل جالس فى ناحية من السوق لا يتكلم. ثم أقبل إليه رسول الله ﷺ فقال: «يا عمرو، إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الأعرابى فترى منى ما تكره» . فجعل يقول: لا أعود يا محمد، لا أعود يا محمد، فانصرف رسول الله ﷺ، وأقبل عليه أمية بن خلف ومن حضر من القوم، فقالوا: ذللت فى يدى محمد، فإما أن تكون تريد أن تتبعه وإما رعب دخلك منه. قال: لا أتبعه أبدا، إن الذى رأيتم منى لما رأيت معه، لقد رأيت رجالا عن يمينه وشماله معهم رماح يشرعونها إلى، لو خالفته لكانت إياها. أى لأتوا على نفسى.
وذكر محمد بن إسحاق «٢» عن أبيه قال: كان ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب أشد قريش، فخلا يوما برسول الله ﷺ فى بعض شعاب مكة، فقال له: يا ركانة، ألا تتقى الله وتقبل ما أدعوك إليه؟! قال: لو أعلم أن الذى تقول حق لا تبعتك.
فقال رسول الله ﷺ: أفرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق؟ قال: نعم. قال: فقم
_________________
(١) ذكره ابن كثير فى البداية والنهاية (٣/ ٩٤- ٩٥) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ٣١٩- ٣٢٠) .
[ ١ / ٢٣٠ ]
حتى أصارعك. فقام إليه ركانة فصارعه، فلما بطش به رسول الله ﷺ أضجعه لا يملك من نفسه شيئا، ثم قال: عد يا محمد. فعاد فصرعه. فقال: يا محمد، إن ذا للعجب أتصرعنى!! قال رسول الله ﷺ: «وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله واتبعت أمرى»، قال: ما هو؟ قال: «أدعو لك هذه الشجرة التى ترى فتأتينى» . قال:
ادعها. فدعا بها، فأقبلت حتى وقفت بين يدى رسول ﷺ فقال لها: «ارجعى إلى مكانك، فرجعت إلى مكانها»، فذهب ركانة إلى قومه فقال: يا بنى عبد مناف، ساحروا بصاحبكم أهل الأرض، فو الله ما رأيت أسحر منه قط. ثم أخبرهم بالذى رأى وصنع «١» .
قال ابن إسحاق «٢»: ثم قدم على رسول الله ﷺ وهو بمكة عشرون رجلا أو قريبا من ذلك، من النصارى، يقال: إنهم من أهل نجران، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه فى المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وسألوه، ورجال من قريش فى أنديتهم حول الكعبة، فلما فرغوا من مسألة رسول الله ﷺ عما أرادوا دعاهم إلى الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم فى كتابهم من أمره، فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل فى نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه! ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا. فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه، لم نأل أنفسنا خيرا.
فيقال والله أعلم: فيهم نزلت هؤلاء الآيات: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ إلى قوله: لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [القصص:
٥٢، ٥٥] .
فقال «٣»: وقد سألت الزهرى فقال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلت فى النجاشى وأصحابه. والآيات من المائدة قول الله ﷿: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً
_________________
(١) انظر الحديث فى: البدآية والنهاية لابن كثير (٣/ ١٠٣)، دلائل النبوة للبيهقى (٦/ ٢٥٠)، أبى داود فى المراسيل (٣٠٨)، البيهقى فى السنن الكبرى (١٠/ ١٨) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ٣٢٠- ٣٢١) .
(٣) انظر: السيرة (١/ ٣٢١) .
[ ١ / ٢٣١ ]
لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: ٨٢، ٨٣] .
وكان رسول الله ﷺ إذا جلس فى المسجد فجلس إليه المستضعفون من أصحابه، خباب وعمار وأبو فكيهة يسار وصهيب وأشباههم هزئت بهم قريش وقال بعضهم لبعض: هؤلاء أصحابه كما ترون، أهؤلاء من الله عليهم من بيننا بالهدى والحق! لو كان ما جاء به محمد خيرا ما سبقنا هؤلاء إليه وما خصهم الله به دوننا.
فأنزل الله عليهم: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: ٥٢، ٥٤] «١» .
وهؤلاء أيضا، ومن قال بقولهم هم الذين عنى الله سبحانه بقوله: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [الأحقاف: ١١] .
قال ابن إسحاق «٢»: وكان رسول الله ﷺ فيما بلغنى كثيرا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة غلام نصرانى يقال له: جبر، عبد لبنى الحضرمى، وكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدا كثيرا مما يأتى به إلا جبر النصرانى، فأنزل الله فى ذلك من قولهم: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [النحل: ١٠٣] «٣» .
وكان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله ﷺ قال: دعوه، فإنما هو رجل أبتر، لو قد مات لقد انقطع ذكره واسترحتم منه، فأنزل الله ﷿، فى ذلك من قوله: إِنَّا
_________________
(١) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الفضائل (٤/ ٤٦)، سنن ابن ماجه (٤١٢٧)، تفسير الطبرى (٧/ ١٢٧) .
(٢) انظر: السيرة (١/ ٣٢٢) .
(٣) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (٢/ ٣٥٧)، الواحدى فى أسباب النزول (ص ٢٣٥)، تفسير الطبرى (١٤/ ١١٩، ١٢٠) .
[ ١ / ٢٣٢ ]
أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [الكوثر: ١، ٤] «١»، أى أعطيناك ما هو خير من الدنيا وما فيها. والكوثر العظيم. وقيل لرسول الله ﷺ: ما الكوثر الذى أعطاك الله؟ قال: «نهر كما بين صنعاء إلى أيلة آنيته كعدد نجوم السماء ترده طير لها أعناق كأعناق الإبل» . قال عمر بن الخطاب: إنها يا رسول الله لناعمة.
قال: «آكلها أنعم منها» «٢» .
ودعا رسول الله ﷺ قوما إلى الإسلام، فقال له زمعة بن الأسود والنضر بن الحارث والأسود بن عبد يغوث وأبى بن خلف والعاص بن وائل: لو جعل معك يا محمد ملك يحدث عنك الناس ويرى معك؟ فأنزل الله فى ذلك: وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [الأنعام: ٨، ٩] «٣» .
ومر رسول الله ﷺ بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبى جهل، فهمزوه واستهزأوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله عليه: لا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ [الأنعام: ١٠] «٤» .