إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.
اليوم إن شاء الله تعالى سنشرع في التعليق على ما جاء في ذكر أعمامه وعماته وأزواجه صلوات الله وسلامه عليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في أعمامه وعماته.
وكان له ﷺ من العمومة أحد عشر؛ منهم: الحارث: وهو أكبر ولد عبد المطلب، وبه كان يكنى، ومن ولده وولد ولده جماعة لهم صحبة النبي ﷺ.
وقثم: هلك صغيرًا، وهو أخو الحارث لأمه.
والزبير بن عبد المطلب: وكان من أشراف قريش، وابنه عبد الله بن الزبير شهد مع رسول الله ﷺ حنينًا، وثبت يومئذ، واستُشهد بأجنادين، ورُوي أنه وجد إلى جنب سبعة قد قتلهم وقتلوه، وضباعة بنت الزبير، لها صحبة، وأم الحكم بنت الزبير، روت عن النبي ﷺ.
وحمزة بن عبد المطلب: أسد الله وأسد رسوله، وأخوه من الرضاعة، أسلم قديمًا وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرًا، وقُتل يوم أحد شهيدًا، ولم يكن له إلا ابنة.
وأبو الفضل العباس بن عبد المطلب: أسلم وحسن إسلامه، وهاجر إلى المدينة، وكان أكبر من النبي ﷺ بثلاث سنين، وكان له عشرة من الذكور: الفضل، وعبد الله، وقثم له صحبة، ومات سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان بالمدينة.
ولم يسلم من أعمام النبي ﷺ إلا العباس وحمزة.
وأبو طالب بن عبد المطلب: واسمه عبد مناف، وهو أخو عبد الله أبي رسول الله ﷺ لأمه، وعاتكة صاحبة الرؤيا في بدر، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وله من الولد طالب مات كافرًا وعقيل، وجعفر، وعلي، وأم هانئ لهم صحبة، واسم أم هانئ فاختة وقيل: هند؛ وجمانة ذكرت في أولاده أيضًا.
وأبو لهب بن عبد المطلب: واسمه عبد العزى، كناه أبوه بذلك لحسن وجهه، ومن ولده عتبة ومعتب، ثبتا مع النبي ﷺ يوم حنين، ودرة لهم صحبة، وعتيبة قتلة الأسد بالزرقاء من أرض الشام على كفره بدعوة النبي ﷺ.
وعبد الكعبة، وحجْلٌ واسمه المغيرة، وضرار أخو العباس لأمه، والغيداق، وإنما سمي الغيداق لأنه أجود قريش، وأكثرهم طعامًا].
الشيخ: العم أصل وارث، وعبد المطلب هو جد النبي ﷺ، ولم يكن له في أول الأمر إلا ابن واحد، ثم إنه اشتد عليه بعض الخلاف مع زعماء قريش، فنذر إن رزقه الله أولادًا يمنعونه أن يذبح أحدهم، فرزقه الله عشرة بنين، فأراد أن يذبح ابنه عبد الله، ثم فدى عبد الله بمائة من الإبل، وهؤلاء المذكورون كلهم إخوة لـ عبد الله والد النبي ﷺ، فهم أعمام النبي ﵊.
ويحسن بطالب العلم أن يربط بين حياة الأنبياء ويفقه السنن التي يبعث الله جل وعلا من أجلها الرسل، فلوط ﵊ كان ابن أخ لإبراهيم ﵇، فلما هاجر لوط ونزل أرض سدوم في جهة البحر الميت اليوم، وجاءته الملائكة بصورة وجوه حسان تامي الخلقة، فتن بهم قوم لوط ودخلوا عليه وراودوه عن ضيفه كما قال الله: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، فكان يتمنى أن يكون له قوم ينصرونه على هؤلاء؛ لأنه لو كان منيعًا لما تجرأ هؤلاء عليه، قال ﷺ كما في البخاري وغيره: (فما بعث الله بعده من نبي إلا في منعة من قومه) فكان للنبي ﷺ أعمام، وبنو هاشم كان لهم صيت عند القرشيين، وهذا كله من أجل حفظ نبينا ﷺ، والمسلم قد يستفيد حتى من الكافر، فبنو هاشم مؤمنهم وكافرهم كانوا عصبة للنبي ﵊، وكلهم جميعًا دخلوا معه الشعب المؤمن منهم والكافر، وقبلوا الحصار لأنهم يشعرون بالأنفة والحمية لمن يحمونه ولو كانوا يخالفونه.
والشاهد من هذا أن النبي ﵊ كان له أعمام كثيرون، وطالب العلم ليس ملزمًا بحفظهم، لكن أنت ملزم بالتصور الكامل للمتن، أن تعلم أن أعمام النبي ﷺ يمكن تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: من لم يدرك نبوته ﷺ ومبعثه، فيكون مات على دين آبائه فهو من أهل الفترة، يجري عليه ما يجري على أهل الفترة؛ لأنه ما أدرك بعثة النبي ﷺ، هذا القسم الأول.
القسم الثاني: من أدرك مبعث النبي ﷺ ولم يؤمن، وهذا القسم يضم اثنين شهيرين هما: أبو طالب وأبو لهب، فكلاهما أدرك البعثة النبوية ولم يؤمن، إلا أن هذا القسم الثاني ينقسم إلى قسمين: قسم لم يؤمن وناصر النبي ﷺ وهو أبو طالب، وقسم لم يؤمن وعادى النبي ﵊ ولم ينصره وهو أبو لهب.
وسمي أبو لهب بهذا لجمال خديه ونورهما، وإلا فاسمه الحقيقي عبد العزى، وأبو لهب كنيته، وفيه نزل قول الله جل وعلا: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد:١ - ٢] وهذه الآية من أعظم الأدلة على أنه لا يمكن لأحد أن يخرج عن مشيئة الله، فالنبي ﵊ كان يقول: هذا القرآن من عند الله، وقريش ومن ضمنها أبو لهب يقولون: هذا القرآن ليس من عند الله، فلما قال أبو لهب لنبينا ﵊: تبًا لك سائر هذا اليوم! ألهذا جمعتنا؟! أنزل الله على نبينا هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣]، ومعلوم أن النار لا يصلاها المؤمن، بل يصلاها الكافر، فهو يقول للناس وأبو لهب يسمع: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣] وكان بإمكان أبي لهب أن يقول للناس: محمد يقول: إنني في النار، وأنا الآن مؤمن بمحمد! وهو يقول لكم: إن المؤمن لا يدخل النار، فأنا أريد أن أبطل قرآن محمد فأقول لكم الآن: أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فكيف أدخل النار؟! إذًا محمد كذاب! مع سهولة هذه الحيلة لم يستطع أن يقولها، لكن الله جل وعلا يعلم يقينًا أنه لن يقولها، ولذلك قال الله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:٣]، وأنا لا أريد أن أخرج من السيرة إلى التفسير، ولكن من أراد أن يخشع في القرآن فليتدبر القرآن، ففي القرآن كنوز ليس هذا وقت إخراجها، ومن رزق قدرة على التفسير سيرى شيئًا عجبًا من دلائل قدرة الله، والمقصود أن أبا لهب لم يؤمن بالنبي ﷺ وعاداه.
القسم الثالث: من أدرك بعثة النبي ﷺ وآمن، وهذا يشمل اثنين فقط ﵄ وأرضاهما وهما العباس وحمزة ابنا عبد المطلب عما الرسول ﷺ، لكن حمزة تقدم إسلامه، والعباس تأخر إسلامه، وحمزة لم يترك إلا ابنة، وهو أسد الله وأسد رسوله ﷺ، وهو سيد الشهداء كما صح الخبر عن رسول الله ﷺ، وقاتل قتالًا عظيمًا يوم بدر ويوم أحد، فأراد أحد المشركين ممن وتر في بدر أن يقتله فقال لـ وحشي ووهو عبد ليس له ناقة ولا جمل في دين قريش: تشتري حريتك بأن تقتل حمزة؛ فأعد حربة ومكث في يوم أحد لا يريد أن تنتصر قريش ولا أن ينتصر محمد ﷺ، المهم عنده أن يفوز بحريته، فاتخذ الحربة وتربص لـ حمزة ثم رماه بها فقتله، ثم جاءت هند قبل إسلامها فقطعت بعضًا من جسده ﵁ وأرضاه، وأخذت كبده ولاكتها في فمها، وحصل ما حصل له من التمثيل ﵁ وأرضاه.
فـ وحشي اشترى حريته بقتل حمزة، ثم مضت الأيام ومرت السنون وكل بشيء بقدر (وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، فأسلم وحشي، فلما أسلم وحشي قص على النبي ﵊ كيف قتل حمزة، فقال له ﵊: (غرب وجهك عني) أي لا أستطيع أن أراك، ولم يرد إسلامه؛ لأن هذا دين، وليس للنبي ﵊ أن يتحكم فيه، لكن العاطفة مع العم هذا أمر متروك له فهو شيء بشري، فلم يستطع عليه الصلاة وا
[ ٢ / ٢ ]