الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد: فهذا بحمد الله وتوفيقه وعونه أول دروسنا العلمية في التعليق على الدرة المضيئة في السيرة النبوية للعلامة: عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله تعالى، وإن من التأدب مع أهل التصنيف أن يُذكر ما لهم من فضل، وما قدموه لدين الله جلّ وعلا من عملٍ نافع، وصاحب هذا التصنيف الذي بين أيديكم أحد أئمة المسلمين الذي عاشوا في القرن السادس الهجري، وكان ذا ورعٍ وعبادة، ممن اشتغل بطلب العلم وتعليمه، وممن عُرف عنهم كثرة التعبد والتماس الأثر، وكان فقيهًا حنبليًا رحمه الله تعالى.
ومما يُذكر عنه في ذكر وفاته -والخواتيم تدل على أيام الإنسان ومراحله التي مضت- أنه ﵀ أصابه المرض حتى لم يقدر على الذهاب إلى المسجد، فلما اشتد عليه المرض دخل عليه أحد أبنائه فقال له: يا أبتاه ما تشتهي؟ قال: أشتهي الجنة، ثم إنه صلى الفجر، ثم قال له ابنه: يا أبتاه هاهنا دواء، قال: يا بني لم يبق إلا الموت! شعر بدنو الأجل، ثم إنه قال له ابنه مُكررًا له
السؤال
ماذا تشتهي؟ قال: أشتهي أن أنظر إلى وجه الله ﵎، فدخل عليه جماعة من أصحابه يعودونه فلما سلّموا عليه رد عليهم بصوتٍ ضعيف، ثم أخذوا يتحادثون فيما بينهم، فكان العجب أنه وهو المريض الذي يُعاد يقول لهم: قولوا: لا إله إلا الله، اذكروا الله، فيم أنتم تخوضون؟! فلما قاموا عنه أخذ يُردد لا إله إلا الله ويحرك بها شفتيه حتى فاضت روحه وانتقل إلى جوار ربه.
وهذا يدلك على ما كان عليه بعض علماء السلف من البركة، وما أفاءه الله جلّ وعلا عليهم من الفضل.
وهذا المتن الذي بين يديك خاصٌّ بالسيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وتعريفًا بجملة من أصحابه، وهم العشرة المبشرون بالجنة ﵃ وأرضاهم.
قبل أن نشرع في شرح المتن يجب أن ننبه إلى أمور: الإنسان لا يمكن أن يُهيأ له مقام بعد أن يُدرس كتاب الله جلّ وعلا أعظم من أن يدرس سيرة نبيه ﷺ، ولا ريب أن نبينا ﵊ ختم الله به الرسالات، وأتم الله جلّ وعلا به النبوات، وبعثه بين يدي الساعة هاديًا مُبشرًا ونذيرًا، وأمر العباد بمحبته وطاعته والتماس هديه واقتفاء أثره صلوات الله وسلامه عليه، وعلى هذا فإنه ينبغي أن يُقرر شرعًا قبل أن نشرع -مُتكلمًا وسامعين- في شرح هذه الدرة المضيئة أن نقول: يجب علينا أن نتعلم سيرته ﷺ لا لئن نبز أقراننا ونفوق إخواننا ونترفع على من بين أيدينا، وإنما حتى نتأسّى به صلوات الله وسلامه عليه، ونجعله بيننا وبين ربنا فنقتفي أثره، ونلتمس سنته، ونتبع هديه، ذلكم الذي أمرنا الله جلّ وعلا به في المقام الأول، قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
وقد فطر الله جلّ وعلا كثيرًا من خلقه على محبة نبيه ﷺ، فقد صعد أحد فرجف الجبل فرحًا بصعوده، فقال ﵊: (اثبت أُحد فإنما عليك نبيٌ وصديقٌ وشهيدان)، ولما ترك الجذع الذي كان يخطب عليه لما صُنع له المنبر حنّ الجذع إليه، فنزل ﵊ والتمس الجذع وضمه إليه، كان الحسن البصري ﵀ كان إذا حدث بهذا الحديث يقول: يا معشر المسلمين! الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ فما بال قلوبكم لا تحن إليه.
وقد أعطاه الله من المزايا والعطايا ما لم يُعط أحدٌ من العالمين، أشار إلى القمر وأومأ إليه فانفلق بإذن الله تأييدًا لرسالته، وأشار إلى السحاب فتفرق إكرامًا لإشارته، إلى غير ذلك مما سيأتي في المتن من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه، وهذا كله يدفع المؤمن وطالب العلم في المقام الأول إلى أن يكون عالمًا فقيهًا مُطلعًا على سيرته ﷺ؛ حتى يدعو الناس إلى هديه ﵊ فإن الله سد كل بابٍ موصلٍ إليه إلا ما كان عن طريقه صلوات الله وسلامه عليه.
والرسالة والنبوة لا تنال بالسعي ولا بالكد ولا بالعمل ولا بطلب العلم وإنما هي هبةٌ من الله، يقول الله جل شأنه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، فالله ﵎ اصطفى هؤلاء الرسل من بين خلقه أجمعين ومنحهم النبوة وأعطاهم الرسالة فكانوا أئمة هدًى ومصابيح دُجى، نشر الله بهم دينه على مر العصور وكر الدهور حجةً من الله ﵎ على خلقه كما قال الله ﵎ في سورة النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٦٥].
والمقصود من هذا كله: إخلاص النية والسعي قدر الإمكان في فهم سيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه قبل أن نشرع تفصيلًا في ذكرها.
وصاحب هذا المتن قال في أوله: إنه موجز وإنه مُختصر، وإن المراد به الإلمام الشامل بسيرته ﵊، وسنحاول أن نعرج قدر الإمكان على ما أطلق منها؛ لأن بعض النصوص في المتن كما هو معلومٌ لا يكاد يجهلها أحد، وإنما سنقف على ما يغلب على الظن أنه يحتاج إلى أن يقف الإنسان معه وأن يبينه لغيره، والله تعالى هو المستعان وعليه التكلان.
ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم صلاح النية وإخلاص القصد، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه يُبتغى بها رضاه ويُتقى بها سخطه إنه سميعٌ مجيب.
وطريقة التدريس أنه سيقرأ المتن أخوكم صفحة صفحة ونعلق على كل صفحة لوحدها.
[ ٢ ]