قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر مواليه ﷺ.
زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وابنه أسامة بن زيد، وكان يقال لـ أسامة بن زيد: الحب بن الحب.
وثوبان بن بجدد؛ وكان له نسب في اليمن.
وأبو كبشة من مولدي مكة، يقال: اسمه سليم، شهد بدرًا، ويقال: كان من مولدي أرض دوس.
وأنسة من مولدي السراة.
وصالح، شقران، ورباح أسود، ويسار نوبي.
وأبو رافع واسمه أسلم، وقيل: إبراهيم، وكان عبدًا للعباس، فوهبه للنبي ﷺ فأعتقه.
وأبو مويهبة من مولدي مزينة، وفضالة نزل بالشام.
ورافع كان لـ سعيد بن العاص فورثه ولده، فأعتقه بعضهم، وتمسك بعضهم، فجاء رافع إلى النبي ﷺ يستعينه، فوهب له، وكان يقول: أنا مولى رسول الله ﷺ.
ومدعم أسود، وهبه له رفاعة بن زيد الجذامي، وكان من مولدي حسما، قتل بوادي القرى.
وكركرة كان على ثقل النبي ﷺ.
وزيد جد هلال بن يسار بن زيد وعبيد، وطهمان أو كيسان أو مهران أو ذكوان أو مروان.
ومأبور القبطي أهداه المقوقس.
وواقد، وأبو واقد، وهشام، وأبو ضميرة، وحنين، وأبو عسيب واسمه أحمر، وأبو عبيد.
وسفينة كان عبدًا لـ أم سلمة زوج النبي ﷺ فأعتقته، وشرطت عليه أن يخدم النبي ﷺ حياته، فقال: لو لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله ﷺ.
هؤلاء المشهورون، وقيل: إنهم أربعون.
ومن الإماء: سلمى أم رافع، وبركة أم أيمن، ورثها من أبيه، وهي أم أسامة بن زيد وميمونة بنت سعد، وخضرة، ورضوى].
ذكر المصنف هنا موالي النبي ﷺ، والمولى في اللغة يطلق على أربعة: تطلق على السيد، فتقول للغلام: أين مولاك؟ وتطلق على العبد بالعكس، تطلق على العبد إذا أعتق، وولاؤه لسيده، فيقال له: مولى، وبهذا المعنى ذكره المصنف، يقال: مولى بني فلان، أي أن ولاءه لهم، كان عبدًا عندهم ثم أعتق، هذه اثنتان، والثانية هي التي أرادها المصنف عندما قال: موالى النبي ﷺ.
وتطلق على النصير والظهير، ودليلها من القرآن: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١].
أي أن الله نصير وظهير للمؤمنين، والكافرون ليس لهم ظهير ولا نصير.
هذه ثلاث.
وتطلق على الرب ﷻ، ودليلها من القرآن: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢] فمولاهم هنا بمعنى ربهم، وليس المعنى نصيرهم؛ لأن الله ليس نصيرًا ولا ظهيرًا للكفار، «ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ» أي إلى ربهم جل وعلا.
هذه فائدة لغوية، أما المقصود به هنا فهو من كان عبدًا ثم أعتق.
وقد بدأ المصنف بـ زيد بن حارثة وابنه أسامة، وهما حبا رسول الله ﷺ، وقد كان النبي ﷺ يحب أسامة حبًا جمًا، وأسامة هو الذي طلبت منه قريش أن يتشفع عند النبي عليه الصلاة السلام، فقال له: (أتشفع يا أسامة في حد من حدود الله؟!)؛ وذلك لعلم المخزوميين من قريش بمكانة أسامة عند النبي عليه الصلاة السلام.
وقد كان زيد أبوه أبيض، وكان أسامة أسمر اللون، فكان هذا يثير التساؤلات عند الناس، وكان هذا يحدث أسىً في قلبه ﷺ، بسبب التساؤلات التي يثيرها الناس من كون أسامة يختلف لونه عن لون أبيه، وذات يوم ناما بجوار بعضهما، وظهرت أقدامهما دون أن تظهر وجوههما، فجاء رجل من بني مدلج، له علم بالقيافة والأنساب والأثر، فلما نظر إلى قدمي أسامة وقدمي زيد وهو لا يعرف أن هذا أسامة وهذا زيد ابنه، وإنما نظر إلى الأقدام وبعضها سمراء وبعضها بيضاء قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فتهلل وجهه صلوات الله وسلامه عليه، وظهر الفرح عليه، ودخل على عائشة تبرق أسارير وجهه، وقال لها: (أما علمت أن فلانًا المدلجي نظر آنفًا إلى أسامة وزيد ثم قال كذا وكذا؟)، فالإنسان إذا أحب شيئًا أحب ما يتعلق به، وأحب ما يفرحه، وإذا أبغض شيئًا أبغض ما يتعلق به.
فكان ﷺ محبًا لـ زيد ومحبًا لـ أسامة، فكان يحب أي شيء يدخل الفرح أو يظهر الكرامة أو الفضل لـ أسامة وزيد رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما، فهما موالي النبي عليه الصلاة السلام، فإن زيدًا كان عبدًا للنبي عليه الصلاة السلام، أهدته إياه زوجته خديجة ثم أعتقه صلوات الله وسلامه عليه.
وممن ذكر المصنف رحمة الله تعالى عليها من الموالي سفينة، واسمه على الأشهر مهران، وأما سفينة فلقب أطلقه النبي عليه الصلاة السلام عليه كما رواه الإمام أحمد بسند حسن، كان يحمل المتاع، فألقى الصحابة رضي الله تعالى عنهم متاعهم في ردائه، فكأن الرداء حمل أكثر من المعهود، فقال النبي عليه الصلاة السلام: (بل أنت سفينة) كناية على أنه يحمل شيئًا غزيرًا فقال سفينة: فلو أنني حمل بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة، لحملتها، من قول النبي ﷺ! وسفينة هذا أدرك زمن عثمان وركب البحر، وكان متكئًا على لوح قارب في البحر، فضربتهم الأمواج فرماه البحر إلى أجمة يعني غابة، وأضل الطريق فرأى الأسد، والعرب تسمي الأسد أبا الحارث، فلما رآه سفينة أخذ ينظر إلى الأسد ويقول: يا أبا الحارث، أنا سفينة مولى رسول الله ﷺ، فطأطأ الأسد رأسه وأقبل على سفينة وحمله على عاتقه وخرج به من الغابة حتى دله على الطريق، ثم رجع قليلًا ثم أقع على ذنبه، ثم أخذ يهمهم كأنه يودعه! قال العلماء: هذا وحش كاسر، وسبع مفترس، لما علم أن الذي بين يديه مولى لرسول الله ﷺ تغير طبعه، وتغير حاله، فالمؤمنون أولى أن يكونوا أرق قلوبًا وعاطفة مع بعضهم البعض في المقام الأول؛ لأنه يجمعني ويجمعك محبة شهادة التوحيد، ومحبتنا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
وموالي النبي ﷺ كثر، وقد ذكر المصنف بعضًا منهم، وهؤلاء أشهر موالي النبي عليه الصلاة السلام.
وذكر من النساء أم أيمن واسمها بركة، وهي إحدى حواضن النبي ﷺ، وقد كان النبي ﷺ يحبها، وهي زوجة زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
[ ٣ / ٦ ]