ثم هاجر ﷺ إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق ﵁ ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي، وهو كافر ولم يعرف له إسلام، وأقام بالمدينة عشر سنين].
ذكر المصنف هنا هجرته ﷺ إلى المدينة، فالنبي ﵊ لما اشتد عليه أذى الكفار رأى رؤيا أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل، فظن أنها أرض هجر - الأحساء -، ثم استبان له ﵊ أنها المدينة، وهي ذات نخل بين حرتين، فهاجر إليها ﵊.
والهجرة قصتها معروفة، لكن الذي يعنينا في الهجرة كدرس أن يعلم أن هناك أمورًا تتعلق بكونه ﷺ يقتدى به، وأمورًا تتعلق بكونه نبيًا له مقام عظيم عند الله.
فما كان يتعلق بكونه نبيًا له مقام عند الله لا علاقة لنا به من حيث الاقتداء، وما يتعلق بكونه نبيًا يقتدى به هذا الذي لنا علاقة به.
وحتى تتضح الصورة فإن الله جلّ وعلا أسرى به في برهة من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به في نفس الليلة إلى السماوات السبع، وعاد به ليلتها، ولأنها رحلة لا يتعلق بها اقتداء جعلها الله جل وعلا رحلة خارجة عن نطاق البشر، وهي تتعلق برفيع مقامه، ولا نؤمر نحن بالعروج.
أما الهجرة فتتعلق بكونه نبيًا يقتدى به، فلما كان النظر إليه ﷺ هنا على أنه يقتدى به في هذا الأمر كانت الرحلة أمرًا بشريًا بحتًا أخذ له ﷺ الأسباب التي يأخذها البشر عادة، فتخفى ووارى وخرج إلى الجهة التي لا يعتقد أنه سيخرج إليها، وجعل عليًا مكانه على الفراش، واختفى في الغار ثلاثة أيام، وأمر من يمسح آثاره بعد صعوده إلى الجبل، ووضع له الطعام يذهب به إليه حتى لا يموت من الجوع، زاد مادي، وزاد معنوي مع الله، وجلس في الغار ثلاثة أيام، ثم مكث تقريبًا أحد عشر يومًا في الطريق معه دليل كافر يدله على الطريق، ومعه مولى لـ أبي بكر يعينه في الطعام والشراب، ومعه صاحبه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهذه كلها أسباب مادية، ولو استغنى عن الأسباب أحد لاستغنى عنها رسولنا ﷺ.
والناس في هذا الباب على ثلاث فرق: فرقة تترك الأخذ بالأسباب كلية وتقول: جنون منك أن تسعى لرزق ويرزق في غياهبه الجنين وهذا باطل لا تدل السنة عليه.
وفرقة لا تعرف الله أبدًا، وإنما تنظر إلى الماديات، وهو ما تمليه العلمانية المعاصرة.
وفرقة هداها الله للإيمان وإلى سنة نبيه ﷺ فتأخذ بالأسباب وتعتمد على الملك الغلاب جل شأنه، وهذا هو هديه صلوات الله وسلامه عليه حتى يقتدي الناس به ﵊.
هذه هي القضية الأولى.
القضية الثانية بالهجرة: أن الولاة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كانوا يكتبون لـ عمر فيرد عليهم حصل هذا في شعبان، حصل هذا في رمضان، حصل هذا في شوال، فكتبوا إليه إننا لا نفهم منك أي شوال تقصد، وأي شعبان تقصد، فلو جعلت شيئًا نؤرخ به.
فاجتمع ﵁ مع الصحابة وتشاوروا في أن يختاروا حدثًا يؤرخون به، فنظروا إلى ثلاثة أمور، مولد النبي ﵊ وهجرته ووفاته، فأعرضوا عن المولد وأعرضوا عن الوفاة، واختاروا الهجرة، ورأوها أنها يوم فرق الله به بين الحق والباطل، وقامت بعدها دولة الإسلام، وكان هذا مشورة من علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه وأقره عمر، ثم أجمع المسلمون عليه.
وهذا من أعظم الدلائل على عظيم حدث الهجرة في التاريخ الإسلامي.
واستعانة النبي ﷺ بـ عبد الله بن أريقط - بالطاء على رواية وعبد الله بن أريقد بالدال على رواية - فيه دلالة على أن المؤمن يستعين بما يمكن الاستعانة به إذا احتاج إليه إذا كان المقصود نصرة دين الرب ﵎].
[ ٤ / ٩ ]