قوله: (وقد ورد أنه - ﷺكان إذا انتسب فبلغ عدنان يمسك ويقول: (كذب النسابون)، فلا يتجاوزه، وذهب جمع من العلماء إلى جواز رفع النسب فوق عدنان؛ مضعفين للحديث المشار إليه، ولكنهم اختلفوا في هذا الجزء من النسب اختلافًا لا يمكن الجمع بين أقوالهم، وقد مال المحقق الكبير العلامة القاضى محمد سليمان المنصورفورى - ﵀ - إلى ترجيح ما ذكره ابن سعد - والذي ذكره الطبري والمسعودي وغيرهما في جملة الأقوال - وهو أن بين عدنان وبين إبراهيم -﵇- أربعين أبًا بالتحقيق الدقيق).
التعليق: الحديث موضوع.
أشار المؤلف -﵀- إلى ضعف الحديث وزيادة في الإيضاح نقول:
إن الحديث موضوع وإليك البيان:
قال العلامة الألباني﵀- (^٢): (كذب النسابون، قال الله تعالى: "وقرونًا بين ذلك كثيرًا").
موضوع.
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين﵀- (المناهي اللفظية) (٣/ ١٣١) جمع وترتيب فهد بن ناصر السليمان، طبعة دار الوطن عام ١٤١٣ هـ.
(٢) سلسلة الأحاديث الضعيفة (١/ ٢٢٨) حديث رقم (١١١).
[ ٧١ ]
أورده السيوطي في (الجامع) من رواية ابن سعد، وابن عساكر عن ابن عباس، وأورده فيما بعد بلفظ: (كان إذا انتسب لم يجاوز في نسبته معد بن عدنان بن أد ثم يمسك ويقول: كذب النسابون …) وقال: رواه ابن سعد عن ابن عباس.
وسكت عليه شارحه المناوي في الموضعين، وكأنه لم يطلع على سنده، وإلا لما جاز له ذلك، وقد أخرجه ابن سعد في (الطبقات) (١/ ١/ ٢٨) قال: أخبرنا هشام قال: أخبرني أبي عن أبي صالح، عن ابن عباس مرفوعًا بتمامه.
قلت: وهشام هذا هو ابن محمد بن السائب الكلبي النسابة المفسر، وهو متروك كما قال الدارقطني وغيره، وولده محمد بن السائب شر منه، قال الجوزجاني وغيره: كذاب، وقد اعترف هو نفسه بأنه يكذب، فروى البخاري بسند صحيح عن سفيان الثوري قال: قال لي الكلبي: كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب!.
قلت: كذا في (الميزان) وفيه سقط أو اختصار يمنع نسبة الاعتراف بالكذب إلى الكلبي، كما سيأتي بيانه في الحديث (٥٤٤٩).
وقال ابن حبان: مذهبه في الدين ووضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في وصفه يروي عن أبي صالح، عن ابن عباس التفسير، وأبو صالح لم ير ابن عباس، ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف بعد الحرف، لا يحل ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به؟!، ومن هذه الطريق أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق" (١/ ١٩٧/ ١، ١٩٨/ ٢) من مخطوطة ظاهرية دمشق).
فائدة:
قال العلامة الألباني -﵀- (^١) في بيان السقط الموجود في الميزان: (روى ابن حبان (٢/ ٢٥٤): أخبرنا عبد الملك بن محمد قال: حدثنا عمر بن شبة
_________________
(١) السلسلة الضعيفة حديث رقم (٥٤٤٩).
[ ٧٢ ]
قال: حدثنا أبو عاصم قال: قال لي سفيان الثوري: قال لي الكلبي: ما سمعته مني عن أبي صالح عن ابن عباس؛ فهو كذب.
ورجال هذا الإسناد ثقات؛ على ضعف في عبد الملك هذا - وهو الرقاشي -، وليس لفظه صريحًا بالاعتراف المذكور، لاسيما وقد رواه ابن أبي حاتم (٣/ ٢٧١): أخبرنا عمر بن شبة بلفظ: زعم لي سفيان الثوري قال: قال لنا الكلبي: ما حدثت عني عن أبي صالح عن ابن عباس؛ فهو كذب؛ فلا تروه.
وهذا إسناد صحيح؛ فهو يحتمل أن الكذب من أبي صالح؛ وهو المسمى (باذام) أو (باذان) مولى أم هانئ وهو صاحب التفسير الذي رواه عن ابن عباس، ورواه عنه الكلبي هذا؛ كما في "طبقات ابن سعد" (٦/ ٢٩٦)، وهو ضعيف، أو أشد. انظر "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (رقم ٢٢٥)، فكأن الكلبي يتهم بذلك أبا صالح نفسه! ويرجح هذا رواية أخرى عند ابن حبان أيضًا (٢/ ٢٥٥) بإسناده المتقدم بلفظ: .. عن سفيان قال: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: كل ما حدثتك فهو كذب.
ويقويه رواية يحيى بن سعيد عن سفيان قال: قال لي الكلبي: قال لي أبو صالح: كل شيء حدثتك؛ فهو كذب.
أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١/ ١٠١): قال لنا علي: حدثنا يحيى بن سعيد. وكذلك رواه في "التاريخ الصغير" (ص ١٥٨).
وهذا إسناد صحيح غاية؛ فهو أصح من الأول، لاسيما والرواية الأخرى منه بمعناه؛ فهو المعتمد.
وقد سقط من رواية "الميزان" (تحقيق البجاوي) قوله: "قال لي أبو صالح"؛ فصارت العبارة فيه: كل ما حدثتك عن أبي صالح؛ فهو كذب!
والخلاصة: أن القائل: "كل شيء حدثتك فهو كذب"؛ إنما هو أبو صالح؛ وليس هو الكلبي، وإنما هو الراوي لذلك عن أبي صالح، ولذلك؛ حذر من التحديث بذلك بقوله للثوري: فلا تروه.
[ ٧٣ ]
ومن البداهة في مكان: أن أبا صالح -على ضعفه- لا يدان بذلك؛ لوهاء الكلبي؛ فتنبه، ولا تتورط بما وقع في "الميزان"؛ كما وقع لي فيما تقدم من الكلام على الحديث (١١١) من هذه "السلسلة"، والمعصوم من عصمه الله تعالى!).
أقوام العرب
قوله: (وعن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول اللهﷺ-: (إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فرقهم وخير الفريقين، ثم تخير القبائل، فجعلني من خير القبيلة، ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا وخيرهم بيتًا).
رواه الترمذي، كتاب المناقب، باب ما جاء في فضل النبيﷺ- ح (٣٦٠٧، ٣٦٠٨).
التعليق: حديث ضعيف.
عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله! إن قريشًا جلسوا فتذاكروا أحسابهم بينهم فجعلوا مثلك كمثل نخلة في كبوة من الأرض. فقال النبي -ﷺ-: " إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم: من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا، وخيرهم بيتًا ". رواه الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله - ﷺ -، باب ما جاء في فضل النبي - ﷺ- حديث رقم (٣٦٠٧)، قال أبو عيسى: (هذا حديث حسن، وعبد الله بن الحارث هو أبو نوفل). ورواه الترمذي أيضًا برقم (٣٦٠٨) قريبًا منه.
ورواه الإمام أحمد في مسنده، مسند العباس بن عبدالمطلب، حديث رقم (١٧٨٨).
وقال شعيب الأرناؤوط: حسن لغيره. وصحح إسناده أحمد شاكر في المسند (٣/ ٢٢٤).
وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (١٤٧٢) ثم تراجع عن
[ ٧٤ ]
ذلك وضعفه في ضعيف الترمذي، والسلسلة الضعيفة حديث رقم (٣٠٧٣) حيث قال متعقبًا الترمذي: (كذا قال! ويزيد بن أبي زياد وهو الهاشمي مولاهم قال الحافظ: "ضعيف، كبر فتغير، صار يتلقن".
قلت: وقد اضطرب في إسناده، فرواه هكذا، وقال مرة: عن عبد الله بن الحارث عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله … الحديث نحوه.
أخرجه الترمذي أيضًا.
ومرة قال: عن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب عن ربيعة قال: … فذكره نحوه.
أخرجه الحاكم (٣/ ٢٤٧) وسكت عليه هو والذهبي!).
أقول: ويغني عنه ما رواه مسلم في صحيحه (^١) عن واثلة بن الأسقع -﵁-: أن النبي - ﷺ - قال: (إن الله -﷿- اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم).