١ - قوله: (وخلاصة الروايات - مع الجمع بينها - في إسلامه -﵁-: أنه التجأ ليلة إلى المبيت خارج بيته، فجاء إلى الحرم، ودخل في ستر الكعبة، والنبي -ﷺ- قائم يصلي، وقد استفتح سورة ﴿الْحَاقَّةُ﴾، فجعل عمر يستمع إلى القرآن، ويعجب من تأليفه، قال: فقلت- أي في نفسي-: هذا والله شاعر، كما قالت قريش، قال: فقرأ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤٠، ٤١] قال: قلت: كاهن. قال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخر السورة [الحاقة: ٤٢، ٤٣]. قال: فوقع الإسلام في قلبي.
التعليق: ضعيف.
أخرجه الإمام أحمد (١/ ١٧) حديث رقم (١٠٧)، وضعفه العلامة أحمد شاكر -﵀ -. وقال الهيثمي -﵀- (^٢): (رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن شريح بن عبيد لم يدرك عمر). وكذلك قال الدكتور أكرم العمري - حفظه الله - (^٣).
_________________
(١) السيرة النبوية الصحيحة (١/ ١٤٦).
(٢) مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي (٩/ ٦٢).
(٣) السيرة النبوية الصحيحة (١/ ١٨٠).
[ ١٣٠ ]
وضعفه الألباني -﵀ - (^١) فقال: (وذكر في إسلام عمر -﵁- عدة روايات لا يصح شيء من أسانيدها -مع وضوح التعارض بينها-، ومن أحسنها إسنادًا مع الاختصار ما أخرجه أحمد (١/ ١٧)، ومن طريقه ابن الأثير في " أسد الغابة" (٣/ ٦٤٤) من طريق شريح بن عبيد قال: قال عمر -﵁-: فذكره … ورجال إسناده ثقات، فالإسناد صحيح، لولا أن شريح بن عبيد لم يدرك عمر بن الخطاب).
..
٢ - قوله: (كان من حدة طبعه وفرط عداوته لرسول الله -ﷺ- أنه خرج يومًا متوشحًا سيفه يريد القضاء على النبي -ﷺ-، فلقيه نعيم بن عبد الله النحام العدوي، أو رجل من بني زهرة، أو رجل من بني مخزوم فقال: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا. قال: كيف تأمن من بني هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمدًا؟ فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبوت، وتركت دينك الذي كنت عليه، قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر! إن أختك وخَتَنَكَ قد صبوا، وتركا دينك الذي أنت عليه، فمشى عمر دامرًا حتى أتاهما، وعندهما خباب بن الأرت، معه صحيفة فيها: [طه] يقرئهما إياها- وكان يختلف إليهما ويقرئهما القرآن- فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت، وسترت فاطمة -أخت عمر- الصحيفة. وكان قد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب إليهما، فلما دخل عليهما قال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ فقالا: ما عدا حديثًا تحدثناه بيننا. قال: فلعلكما قد صبوتما. فقال له ختنه: يا عمر، أرأيت إن كان الحق في غير دينك؟ فوثب عمر على ختنه فوطئه وطأً شديدًا. فجاءت أخته فرفعته عن زوجها، فنفحها نفحة بيده، فدمى وجهها - وفي رواية ابن إسحاق أنه ضربها فشجها- فقالت، وهي غضبى: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
_________________
(١) السلسلة الضعيفة للألباني (١٤/ ٧٤) حديث رقم (٦٥٣١).
[ ١٣١ ]
فلما يئس عمر، ورأى ما بأخته من الدم ندم واستحيا، وقال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه، فقالت أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل، فقام فاغتسل، ثم أخذ الكتاب، فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فقال: أسماء طيبة طاهرة. ثم قرأ ﴿طه﴾ حتى انتهى إلى قوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] فقال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه؟ دلوني على محمد. فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت، فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة الرسول -ﷺ- لك ليلة الخميس: (اللّهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل بن هشام)، ورسول الله -ﷺ- في الدار التي في أصل الصفا.
فأخذ عمر سيفه، فتوشحه، ثم انطلق حتى أتى الدار، فضرب الباب، فقام رجل ينظر من خلل الباب، فرآه متوشحًا السيف، فأخبر رسول الله -ﷺ-، واستجمع القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر؟ فقال: وعمر؟ افتحوا له الباب، فإن كان جاء يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرًا قتلناه بسيفه، ورسول الله -ﷺ- داخل يوحى إليه، فخرج إلى عمر حتى لقيه في الحجرة، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، ثم جبذه جبذة شديدة فقال: (أما أنت منتهيًا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة؟ اللهم، هذا عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب)، فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله. وأسلم، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد.
كان عمر -﵁- ذا شكيمة لا يرام، وقد أثار إسلامه ضجة بين المشركين، وشعورًا لهم بالذلة والهوان، وكسا المسلمين عزة وشرفًا وسرورًا …
فروى مجاهد عن ابن عباس قال: سألت عمر بن الخطاب لأي شيء سميت الفاروق؟ قال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام - ثم قص عليه قصة إسلامه. وقال في آخره: قلت - أي حين أسلمت-: يا رسول الله،
[ ١٣٢ ]
ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: (بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحق وإن متم وإن حييتم)، قال: قلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن، فأخرجناه في صفين، حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد، قال: فنظرت إلي قريش وإلى حمزة، فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول اللهﷺ- (الفاروق) يومئذ.
التعليق: قصة إسلام عمر بن الخطاب﵁- ضعيفة، ومتنها منكر بالرغم من شهرتها.
قال الألباني -﵀- (^١): (منكر: أخرجه أبو نعيم في (الحلية) (١/ ٤٠) من طريق إسحاق بن عبد الله، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: سألت عمر -﵁-: لأي شيء سميت (الفاروق)؟ (^٢) قال:
أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام ثم شرح الله صدري للإسلام فقلت: الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، فما في الأرض نسمة هي أحب إلي من نسمة رسول الله -ﷺ-، قلت: أين رسول الله -ﷺ-؟ قالت أختي: هو في دار الأرقم بن [أبي] (^٣) الأرقم عند الصفا، فأتيت الدار وحمزة في أصحابه جلوس في الدار ورسول الله -ﷺ- في البيت فضربت الباب فاستجمع القوم، فقال لهم حمزة ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب، قال: فخرج رسول الله -ﷺ- فأخذ بمجامع ثيابه ثم نتره نترة فما تمالك أن وقع على ركبتيه، فقال:
(ما أنت بمنته يا عمر؟) قال: قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنك محمدًا عبده ورسوله. قال: فكبر أهل الدار
_________________
(١) السلسلة الضعيفة للألباني (١٤/ ٧٤) حديث رقم (٦٥٣١).
(٢) أما حديث: (إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق، فرق به بين الحق والباطل). ضعفه الألباني، لكن الشطر الأول من الحديث صحيح مخرج في "المشكاة" (٦٠٤٢). انظر: الضعيفة حديث رقم (٣٠٦٣).
(٣) مابين المعقوفتين ليست في أصل الشيخ -﵀-، تبعًا لـ "الحلية".
[ ١٣٣ ]
تكبيرة سمعها أهل المسجد، قال: فقلت: يا رسول الله! ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال:
(بلى! والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم) قلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن! فأخرجناه في صفين، حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر ولي كديد (^١) ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد، قال فنظرت إلي قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسول الله -ﷺ- يومئذ (الفاروق)، وفرق الله بي بين الحق والباطل) (^٢).
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدًا، إسحاق بن عبد الله - وهو: ابن أبي فروة -، قال البخاري: (تركوه). وقال أحمد: (لا تحل - عندي - الرواية عنه). وكذبه بعضهم.
ثم أخرجه أبو نعيم، وكذا البزار (٣/ ١٦٩ - ١٧١) من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنيني: ثنا أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن جده قال: قال لنا عمر -﵁-: أتحبون أن أعلمكم أول إسلامي؟ قلنا: نعم. قال: … فذكر قصة إسلامه مطولة جدًا، وليس فيها سبب تسميته بـ (الفاروق)، ولا ذكر لـ (الصفين)، واختصر منها أبو نعيم قصته قبل إسلامه مع أخته وزوجها، وقال البزار عقبه:
(لا نعلم رواه بهذا السند إلا (الحنيني)، ولا نعلم في إسلام عمر أحسن من هذا الإسناد، على أن (الحنيني) خرج من المدينة، فكف واضطرب حديثه).
قلت: هو نحو ابن أبي فروة -أو قريب منه-، قال البخاري: (في
_________________
(١) الكديد: التراب الناعم فإذا وطيء ثار غباره، أراد أنهم كانوا جماعة وأن الغبار كان يثور من مشيهم. النهاية (٤/ ١٥٥).
(٢) (وفيه أبان بن صالح ليس بالقوى، وعنه إسحاق بن عبد الله الدمشقي متروك) كما في كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للمتقي الهندي حديث رقم (٣٥٧٤٢) ط. مؤسسة الرسالة.
[ ١٣٤ ]
حديثه نظر). وقال النسائي: (ليس بثقة). وقال ابن عدي: (ضعيف، ومع ضعفه يكتب حديثه).
ومن طريقه أخرجه عبد الله بن أحمد في (فضائل الصحابة) (١/ ٢٨٥)، وذكر في إسلام عمر -﵁- عدة روايات لا يصح شيء من أسانيدها- مع وضوح التعارض بينها- …
(تنبيه): عزا الحافظ حديث ابن عباس لأبي جعفر بن أبي شيبة، وحديث عمر للبزار، وسكت عنهما في "الفتح" (٧/ ٤٨) فما أحسن، لأنه يوهم - حسب اصطلاحه- أن كلًا منهما حسن، وليس كذلك -كما رأيت-، ولعل ذلك كان السبب أو من أسباب استدلال بعض إخواننا الدعاة على شرعية (المظاهرات) المعروفة اليوم، وأنها كانت من أساليب النبي - ﷺ- في الدعوة! ولا تزال بعض الجماعات الإسلامية تتظاهر بها، غافلين عن كونها من عادات الكفار وأساليبهم) (^١).
قال الذهبي -﵀- (^٢) عن القاسم بن عثمان البصري: (حدث عن إسحاق الأزرق بمتن محفوظ، وبقصة إسلام عمر، وهي منكرة جدًا).
قال العمري-حفظه الله- (^٣): (إسناد البيهقي، وابن سعد فيه: القاسم بن عثمان البصري ضعيف، ومتنه منكر جدًا).
وقال أيضًا: (أما قصة استماعه القرآن يتلوه الرسول - ﷺ- في صلاته قرب الكعبة وعمر مستخف بأستارها، وكذلك قصته مع أخته فاطمة حين لطمها لإسلامها وضرب زوجها سعيد بن زيد، ثم اطلاعه على صحيفة فيها آيات، وإسلامه، فلم يثبت شيء من هذه القصص من طريق صحيحة). (^٤)
_________________
(١) انظر: تحقيق الشيخ علي حشيش -حفظه الله- لقصة إسلام عمر وبيان ضعفها، وحكم المظاهرات في الشريعة فإنه جيد. مجلة التوحيد. العدد (٢٦٠).
(٢) لسان الميزان (٤/ ٤٦٣).
(٣) السيرة النبوية الصحيحة (١/ ١٨٠).
(٤) وقد توسع الشيخ محمد بن رزق الطرهوني-حفظه الله- في السيرة الذهبية (٢/ ٣١٩ - ٣٢٩) في ذكر الطرق والروايات الواردة في قصة إسلام عمر وبين ما فيها من ضعف، فليراجع.
[ ١٣٥ ]
(وفضلا عن ضعف سند القصة، ففي المتن اضطراب:
- مرة أن قريشًا بعثته.
- وفي أخرى أنه خرج ابتداء.
- وفي بعضها أنه قرأ وكان كاتبًا (عن أنس عند ابن سعد، والدار قطني).
-وفي أخرى (حتى دعا قارئًا فقرأ عليه وكان عمر لا يكتب) مرسل الزهري) (^١)
ومن النكارة في المتن: أن فاطمة أخت عمر بن الخطاب -﵄- رفضت إعطاءه الصحيفة التي فيها سورة (طه) حتى يغتسل؛ لأنه مشرك نجس، وهل إذا اغتسل المشرك قبل إسلامه يصير طاهرًا، ويبيح إعطاءه الصحيفة؟؛ لأن نجاسة المشرك معنوية وليست حسية ولا تزول إلا بالإسلام.