قوله: (ثم عرج به إلى الجبّار -ﷻ-، فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض عليه خمسين صلاة، فرجع حتى مرّ على موسى فقال له: بم أمرك ربك؟ قال:
_________________
(١) البداية والنهاية (٣/ ١٠٠) ط. مكتبة المعارف.
(٢) الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ٥٢٢) ط. دار الجيل.
(٣) صحيح السيرة ص (٢١٦).
[ ١٥٤ ]
(بخمسين صلاة). قال: إن أمتك لا تطيق ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فالتفت إلى جبريل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار أن نعم إن شئت، فعلا به جبريل حتى أتى به الجبار -﵎-، وهو في مكانه -هذا لفظ البخاري في بعض الطرق - فوضع عنه عشرًا، ثم أنزل حتى مر بموسى، فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله﷿-، حتى جعلها خمسًا، فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف، فقال: (قد استحييت من ربي، ولكني أرضى وأسلم)، فلما بعد نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي. انتهى.
ثم ذكر ابن القيم خلافًا في رؤيته -ﷺ- ربه -﵎-، ثم ذكر كلامًا لابن تيمية بهذا الصدد، وحاصل البحث أن الرؤية بالعين لم تثبت أصلًا، وهو قول لم يقله أحد من الصحابة. وما نقل عن ابن عباس من رؤيته مطلقًا ورؤيته بالفؤاد فالأول لا ينافي الثاني.
ثم قال: وأما قوله تعالى في سورة النجم: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] فهو غير الدنو الذي في قصة الإسراء، فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه، كما قالت عائشة وابن مسعود، والسياق يدل عليه، وأما الدنو والتدلي في حديث الإسراء فذلك صريح في أنه دنو الرب -﵎- وتدليه، ولا تعرض في سورة النجم لذلك، بل فيه أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى. وهذا هو جبريل، رآه محمد -ﷺ- على صورته مرتين: مرة في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى، والله أعلم).
التعليق: نسبة الدنو والتدلي لله -﷿- من أغلاط شريك بن عبدالله وأوهامه
قال الأرناؤوط (^١): (هذه الجملة، التي أخرجها البخاري في صحيحه (١٣/ ٣٩٩، ٤٠٦) من طريق شريك بن عبدالله وهي من أوهامه التي تفرد بها فكان على المؤلف﵀- أن ينبه على ذلك.
_________________
(١) تخريج زاد المعاد (٣/ ٣٥).
[ ١٥٥ ]
فقد قال الخطابي: (إن الذي وقع في هذه الرواية بالنسبة للتدلي للجبار﷿- مخالف لعامة السلف والعلماء وأهل التفسير من تقدم منهم ومن تأخر، وقد روي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك فلم يذكر فيه هذه الألفاظ الشنيعة، وذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من جهة شريك.
وقال عبدالحق الإشبيلي في الجمع بين الصحيحين: (زاد فيه شريك زيادة مجهولة وأتى فيه بألفاظ غير معروفة، وقد روى الإسراء جماعة من الحفاظ فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك وهو ليس بالحافظ).
وقال الحافظ ابن كثير (^١): (هكذا ساقه البخاري في كتاب التوحيد، ورواه في صفة النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر عبد الحميد، عن سليمان بن بلال. ورواه مسلم عن هارون بن سعيد، عن ابن وهب، عن سليمان قال: فزاد ونقص وقدم وأخر، وهو كما قال مسلم فإن شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث وساء حفظه ولم يضبطه كما سيأتي بيانه -إن شاء الله- في الأحاديث الأخر، ومنهم من يجعل هذا منامًا توطئة لما وقع بعد ذلك، والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: في حديث شريك زيادة تفرد بها، على مذهب من زعم أنهﷺ- رأى الله -﷿- يعني قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ الجبار رب العزة ﴿فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾.
قال: وقول عائشة، وابن مسعود، وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل أصح. وهذا الذي قاله البيهقي -﵀- في هذه المسألة هو الحق، فإن أبا ذر قال: يا رسول الله هل رأيت ربك؟ قال: (نور أنى أراه) وفي رواية: (رأيت نورًا) أخرجه مسلم، وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ إنما هو جبريل -﵇-، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن مسعود، وكذلك هو في صحيح مسلم
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم (٥/ ٧ - ٨) ط. دار طيبة.
[ ١٥٦ ]
عن أبي هريرة، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا).
قال الحافظ ابن رجب (^١): (قد تفرد به شريك بهذه الألفاظ في هذا الحديث، وهي مما أنكرت عليه فيه). وكذلك ضعفه شيخنا ابن باز -﵀-. (^٢)
انظر:
- تفسير ابن كثير في مطلع سورة الإسراء فإنه قد أجاد وأفاد بما لا يوجد في مكان آخر.
- الإسراء والمعراج وذكر أحاديثهما وتخريجها وبيان صحيحها من سقيمها للألباني.