قوله: (… دعا بالدعاء المشهور الذي يدل على امتلاء قلبه كآبة وحزنًا مما لقي من الشدة، وأسفًا على أنه لم يؤمن به أحد، قال:
(اللهم إليك أشكو ضَعْف قُوَّتِي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيد يَتَجَهَّمُنِي؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سَخَطُك، لك العُتْبَى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).
فلما رآه ابنا ربيعة تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًا يقال له: عَدَّاس، وقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب، واذهب به إلى هذا الرجل. فلما وضعه بين يدى رسول اللهﷺ- مد يده إليه قائلًا: (باسم الله) ثم أكل …).
التعليق: ضعيف.
قال الألباني -﵀- (^١): (ضعيف. رواه الطبراني في (المعجم الكبير) (١٣/ ٧٣/ ١٨١)، وعنه الضياء في (المختارة) (٥٦/ ١٢٨/ ١ - ٢)، وابن عدي (٢٨٤/ ٢)، وعنه ابن عساكر (١٤/ ١٧٨/ ٢): حدثنا القاسم بن الليث الراسبي -أملاه علينا حفظًا- قال: أخبرنا محمد بن أبي صفوان الثقفي إملاء قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم قال: حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر قال:
لما توفي أبو طالب خرج النبي -ﷺ- إلى الطائف ماشيًا على
_________________
(١) السلسلة الضعيفة (٦/ ٤٨٨) حديث رقم (٢٩٣٣).
[ ١٤٧ ]
قدميه، قال: فدعاهم إلى الإسلام، قال: فلم يجيبوه، قال: فانصرف، فأتى ظل شجرة، فصلى ركعتين ثم قال: فذكره. وقال ابن عدي:
(هذا حديث أبي صالح الراسبي، لم نسمع أن أحدًا حدث بهذا الحديث غيره، ولم نكتبه إلا عنه).
قلت: كذا في نسختنا من ابن عدي (الراسبي)، وفي (التاريخ) (الراسني)، وفي (التهذيب) وغيره (الرسعني، وكذا في الطبراني) ولعله الصواب. ومن طريق القاسم هذا رواه -بل روى بعضه- ابن منده في (التوحيد) (٧٩/ ١) وقال: محمد بن عثمان ابن أبي صفوان.
قلت: وهذا إسناد ضعيف رجاله ثقات، وعلته عنعنة ابن إسحاق عند الجميع؛ وهو مدلس، ولم يسق إسناده في (السيرة) وإنما قال (٢/ ٦١):
(فلما اطمأن رسول الله -ﷺ- قال- فيما ذكر لي-: اللهم إليك أشكو …).
والحديث قال في (المجمع) (٦/ ٣٥): (رواه الطبراني، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات). من طريق ابن إسحاق معنعنًا أخرجه أيضًا الأصبهاني في (الحجة)
(ق ١٦٦/ ٢)، والرافعي في (تاريخ قزوين) (٢/ ٨٢). ا. هـ
وضعفه الألباني أيضًا في تخريجه فقه السيرة للغزالي ص (١٢٦)، وضعيف الجامع حديث رقم (١١٨٢). وضعفه شعيب وعبدالقادر الأرناؤوط في تخريجهما لزاد المعاد (١/ ٩٩).
وضعفه العمري وقال (^١): (وأما دعاؤه على ثقيف بقوله: (اللهم إليك أشكو …) ولقاؤه بعداس لم يثبت من طريق صحيحة فقد ساقها ابن إسحاق بدون إسناد.
_________________
(١) السيرة النبوية الصحيحة (١/ ١٨٦ - ١٨٧).
[ ١٤٨ ]
أسانيد قصة عداس: البيهقي
: الزهري (مرسلًا)
: موسى بن عقبة (مرسلًا)
: محمد بن إسحق (مرسلًا)
وهذه المراسيل لا تقوى ببعضها إذ الظاهر أن مخرجها واحد لأن ابن اسحاق وموسى بن عقبة تلميذان للزهري).
الرسول -ﷺ- في الطائف
قوله: (وخلال إقامته -ﷺ- هناك بعث الله إليه نفرًا من الجن ذكرهم الله في موضعين من القرآن: في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩: ٣١].
وفي سورة الجن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ إلى تمام الآية الخامسة عشرة [الجن: ١: ١٥].
ومن سياق هذه الآيات -وكذا من سياق الروايات التي وردت في تفسير هذا الحادث- يتبين أن النبي -ﷺلم يعلم حضور ذلك النفر من الجن حين حضروا وسمعوا، وإنما علم بعد ذلك حين أطلعه الله عليه بهذه الآيات، وأن حضورهم هذا كان لأول مرة، ويقتضى سياق الروايات أنهم وفدوا بعد ذلك مرارًا).
التعليق: استماع الجن للقرآن الكريم بعد رجوع الرسول -ﷺ- من الطائف لم يكن أول مرة كما ذهب إليه المؤلف، وإنما سبقه استماع الجن للقرآن الكريم في بدء الوحي ونزول القرآن الكريم كما يتضح من مطلع
[ ١٤٩ ]
سورة الجن، وهو ما ذهب إليه الحافظان: ابن كثير، وابن حجر -رحمهما الله- كما يتضح من النقول الآتية:
قال الحافظ ابن كثير (^١): (… قال: فلما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل نصيبين، وهذا صحيح، ولكن قوله: إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم في ابتداء الإيحاء كما دل عليه حديث ابن عباس -﵄- المذكور، وخروجه -ﷺ- إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة، أو سنتين كما قرره ابن إسحاق وغيره، والله أعلم …
فهذه الطرق كلها تدل على أنه -ﷺ- ذهب إلى الجن قصدًا فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله -﷿- وشرع الله -تعالى- لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم، كما قال ابن عباس -﵄-. ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود -﵁-، وأما ابن مسعود -﵁- فإنه لم يكن مع رسول الله -ﷺ- حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدًا منه ولم يخرج مع النبي -ﷺ- أحد سواه ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي، وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه -ﷺ- ابن مسعود -﵁- ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإِمام أحمد، وهي عند مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى، والله أعلم، كما روى ابن أبي حاتم في تفسير ﴿قل أوحي إِلي﴾ من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذي لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين، وتأوله البيهقي على أنه يقول: فبتنا بشر ليلة بات بها قوم على غير ابن مسعود -﵁- ممن لم يعلم بخروجه -ﷺ- إلى الجن، وهو محتمل على بعد، والله أعلم).
قال الحافظ ابن حجر -﵀ - (^٢): (وذكر ابن إسحاق أن استماع الجن
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (٧/ ٢٩٦).
(٢) فتح الباري ط. دار الفكر (٧/ ١٧٢).
[ ١٥٠ ]
كان بعد رجوع النبي -ﷺ- من الطائف لما خرج إليها يدعو ثقيفًا إلى نصره، وذلك بعد موت أبي طالب، وكان ذلك في سنة عشر من المبعث، كما جزم ابن سعد بأن خروجه إلى الطائف كان في شوال، وسوق عكاظ التي أشار إليها ابن عباس كانت تقام في ذي القعدة. وقول ابن عباس في حديثه "وهو يصلي بأصحابه" لم يضبط ممن كان معه في تلك السفرة غير زيد بن حارثة، فلعل بعض الصحابة تلقاه لما رجع، والله أعلم.
وقول من قال: إن وفود الجن كان بعد رجوعه -ﷺ- من الطائف ليس صريحًا في أولية قدوم بعضهم. والذي يظهر من سياق الحديث الذي فيه المبالغة في رمي الشهب لحراسة السماء من استراق الجن السمع دال على أن ذلك كان قبل المبعث النبوي وإنزال الوحي إلى الأرض، فكشفوا ذلك إلى أن وقفوا على السبب، ولذلك لم يقيد الترجمة بقدوم ولا وفادة، ثم لما انتشرت الدعوة وأسلم من أسلم قدموا فسمعوا فأسلموا وكان ذلك بين الهجرتين، ثم تعدد مجيئهم حتى في المدينة).
قال شعيب وعبدالقادر الأرناؤوط (^١): (تابع ابن القيم ابن إسحق في كون استماع الجن للقرآن كان تلك الليلة، مرجعه من الطائف، وفيه نظر، فإن استماعهم كان في ابتداء المبعث قبل خروجه -ﷺ - إلى الطائف بسنتين، نبه على ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٦٢)، وقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس ما يؤيد ذلك).