قوله: (أما الصابئية - وهي ديانة تمتاز بعبادة الكواكب وبالاعتقاد في أنواء المنازل وتأثير النجوم وأنها هي المدبرة للكون - فقد دلت الحفريات
[ ٧٨ ]
والتنقيبات في بلاد العراق وغيرها أنها كانت ديانة قوم إبراهيم الكلدانيين، وقد دان بها كثير من أهل الشام وأهل اليمن في غابر الزمان، وبعد تتابع الديانات الجديدة من اليهودية والنصرانية، تضعضع بنيان الصابئية وخمد نشاطها، ولكن لم يزل في الناس بقايا من أهل هذه الديانة مختلطين مع المجوس أو مجاورين لهم في عراق العرب وعلى شواطئ الخليج العربي.)
التعليق: حقيقة الصابئة
قال الحافظ ابن كثير﵀- (^١) - بعد أن ذكر الخلاف الوارد في حقيقة الصابئة-: (… وأظهر الأقوال- والله أعلم- قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه:
أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئي، أي: أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك. وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، والله أعلم).
قال القرطبي﵀- (^٢) في تفسير سورة البقرة الآية (٦٢): (وَاخْتُلِفَ فِي الصَّابِئِينَ، فَقَالَ السُّدِّيُّ: هُمْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ بن رَاهْوَيْهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ إِسْحَاقُ: لَا بَأْسَ بِذَبَائِحِ الصَّابِئِينَ لِأَنَّهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِذَبَائِحِهِمْ وَمُنَاكَحَةِ نِسَائِهِمْ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: هُمْ قَوْمٌ يُشْبِهُ دِينُهُمْ دِينَ النَّصَارَى، إِلَّا أَنَّ قِبْلَتَهُمْ نَحْوُ مَهَبِّ الْجَنُوبِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِ نُوحٍ ﵇. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: هُمْ قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهُمْ بَيْنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالْمَجُوسِيَّةِ،
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (١/ ٢٩٠)، تحقيق سامي السلامة ط. دار طيبة، الإصدار الثاني.
(٢) أحكام القرآن للقرطبي (١/ ٤٣٥)، تحقيق أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، ط. دار الكتب المصرية، الطبعة الثانية ١٩٦٤ م.
[ ٧٩ ]
لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ. ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا وَقَتَادَةُ هُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَيُصَلُّونَ إِلَى الْقِبْلَةِ وَيَقْرَءُونَ الزبور ويصلون الخمس، رآهم زياد بن أَبِي سُفْيَانَ فَأَرَادَ وَضْعَ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ حِينَ عَرَفَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ. وَالَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ- فِيمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا- أَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ مُعْتَقِدُونَ تَأْثِيرَ النُّجُومِ وَأَنَّهَا فَعَّالَةٌ، وَلِهَذَا أَفْتَى أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ الْقَادِرُ بِاللَّهِ بِكُفْرِهِمْ حِينَ سَأَلَهُ عَنْهُمْ).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (^١): (الصابئة الحنفاء الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون صالحًا، فأولئك هم سعداء في الآخرة.
كما قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (البقرة: ٦٢)
وأما الصابئة المشركون، الذين يعبدون الكواكب والأوثان، ونحوهم من الفلاسفة المشركين، فهؤلاء كفار كسائر المشركين).
قال ابن القيم (^٢): (الصابئة أمة كبيرة فيهم السعيد والشقي وهي إحدى الأمم المنقسمة إلى مؤمن وكافر فإن الأمم قبل مبعث النبي -ﷺ- نوعان:
نوع كفار أشقياء كلهم ليس فيهم سعيد كعبدة الأوثان والمجوس،
ونوع منقسمون إلى سعيد وشقي وهم اليهود والنصارى والصابئة. وقد ذكر الله سبحانه النوعين في كتابه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢) وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
_________________
(١) درء تعارض النقل والعقل (٧/ ٣٣٤)، تحقيق د/ محمد رشاد سالم، ط. جامعة الإمام، الطبعة الثانية ١٤١١ هـ.
(٢) أحكام أهل الذمة (١/ ٢٣٦)، تحقيق يوسف البكري وشاكر العروري، نشر رمادي للنشر، الدمام، الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ.
[ ٨٠ ]
آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة: ٦٩).
وقال في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج: ١٧) فلم يقل ها هنا: من آمن منهم بالله واليوم الآخر لأنه ذكر معهم المجوس والذين أشركوا فذكر ست أمم منهم: اثنتان شقيتان، وأربع منهم منقسمة: إلى شقي وسعيد، وحيث وعد أهل الإيمان والعمل الصالح منهم بالأجر ذكرهم أربع أمم ليس إلا. ففي آية الفصل بين الأمم أدخل معهم الأمتين وفي آية الوعد بالجزاء لم يدخلها معهم فعلم أن الصابئين فيهم: المؤمن، والكافر، والشقي، والسعيد وهذه أمة قديمة قبل اليهود والنصارى وهم أنواع: صابئة حنفاء، وصابئة مشركون.
وكانت حران دار مملكة هؤلاء قبل المسيح، ولهم كتب وتآليف وعلوم، وكان في بغداد منهم طائفة كبيرة منهم: إبراهيم بن هلال الصابئ صاحب الرسائل وكان على دينهم ويصوم رمضان مع المسلمين وأكثرهم فلاسفة ولهم مقالات مشهورة ذكرها أصحاب المقالات )
وبهذا يتحصل عندنا أن الصابئة نوعان: صابئة موحدة من الحنفاء مدحهم الله في كتابه، وصابئة مشركون وهم الموجودون الآن.
وفي الموسوعة الميسرة (^١): (أن طائفة الصابئة الوحيدة الباقية إلى اليوم، والتي تعتبر يحيى نبيًا لها هي طائفة المندائية، ويقدسون الكواكب والنجوم.
ومن معالم دينهم الاتجاه نحو القطب الشمالي، وكذلك التعميد في المياه الجارية …
_________________
(١) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (٢/ ٧١٤ وما بعدها) إشراف د/ مانع الجهني، نشر دار الندوة العالمية، الطبعة الرابعة ١٤٢٠ هـ.
[ ٨١ ]