قوله: (ولما ولدته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب تبشره بحفيده، فجاء مستبشرًا ودخل به الكعبة، ودعا الله وشكر له. واختار له اسم محمد - وهذا الاسم لم يكن معروفًا في العرب - وخَتَنَه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون).
التعليق: (… وخَتَنَه يوم سابعه كما كان العرب يفعلون).
قال الألباني﵀- (^٢): (من طريق يحيى بن أيوب العلاف قال: نا محمد بن أبي السري العسقلاني: نا الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ:
أن عبدالمطلب ختن النبي -ﷺيوم سابعه، وجعل له مأدبة، وسماه محمدًا.
_________________
(١) انظر: - تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (٣/ ١٧٧) ط. دار ابن خزيمة بالرياض حديث رقم (١٠٨٩) تحقيق الشيخ عبدالله السعد. - السلسلة الضعيفة للألباني حديث رقم (١٦٧٧). - كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس حديث رقم (٦٠٦)، إسماعيل بن محمد العجلوني، ط. دار إحياء التراث العربي.
(٢) السلسلة الضعيفة حديث رقم (٦٢٧٠).
[ ٨٥ ]
قال يحيى بن أيوب: ما وجدنا هذا الحديث عند أحد؛ إلا عند ابن أبي السري.
قلت: قال الحافظ في (التقريب): (صدوق عارف، له أوهام كثيرة).
وقال في (التهذيب): (أورد ابن عدي من مناكيره حديثه عن معتمر عن أبيه عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعًا: من سئل عن علم …).
وذكره الذهبي أيضًا في (الميزان) وقال هو والحافظ: (وقال ابن عدي: كثير الغلط).
وأقول: لقد سقطت ترجمة محمد بن أبي السري هذا وحديثه في العلم من النسخة المطبوعة من كتابه (الكامل)؛ فقد راجعت منه باب من اسمه (محمد)، وفهرسه في الأسماء والأحاديث؛ فلم أجد لذلك كله ذكرًا. فلتراجع مخطوطاته.
ثم إن في إسناد الحديث علتين أخريين:
إحداهما: تدليس الوليد بن مسلم؛ فإنه كان يدلس تدليس التسوية.
والأخرى: عطاء الخراساني - وهو: ابن أبي مسلم - قال الحافظ:
(صدوق يهم كثيرًا، ويرسل ويدلس». ا. هـ
وقال ابن القيم -﵀- (^١): (الفصل الثالث عشر: في ختان النبي - ﷺ- وقد اختلف فيه على أقوال:
أحدها: أنه ولد مختونًا.
والثاني: أن جبريل ختنه حين شق صدره.
الثالث: أن جده عبد المطلب ختنه على عادة العرب في ختان أولادهم.
_________________
(١) تحفة الودود في أحكام المولود (٢٠١ وما بعدها) تحقيق عبدالقادر الأرناؤوط، مكتبة البيان، دمشق، الأولى ١٩٧١ م.
[ ٨٦ ]
ونحن نذكر قائلي هذه الأقوال وحججهم
فأما من قال: ولد مختونًا؛ فاحتجوا بأحاديث:
أحدها: ما رواه أبو عمر بن عبد البر فقال: وقد روي أن النبي - ﷺ- ولد مختونًا من حديث عبد الله بن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: ولد رسول اللهﷺ - مختونًا مسرورًا -يعني مقطوع السرة- فأعجب ذلك جده عبد المطلب، وقال: ليكونن لابني هذا شأن عظيم.
ثم قال ابن عبد البر: ليس إسناد حديث العباس هذا بالقائم، قال: وقد روي موقوفًا على ابن عمر ولا يثبت أيضًا.
قلت: حديث ابن عمر رويناه من طريق أبي نعيم حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن خالد الخطيب، حدثنا محمد بن محمد بن سليمان، حدثنا عبد الرحمن بن أيوب الحمصي، حدثنا موسى بن أبي موسى المقدسي، حدثنا خالد بن سلمة، عن نافع، عن ابن عمر قال: ولد النبي مسرورًا مختونًا. ولكن محمد بن سليمان هذا هو الباغندي وقد ضعفوه، وقال الدارقطني: كان كثير التدليس يحدث بما لم يسمع، وربما سرق الحديث.
ومنها: ما رواه الخطيب بإسناده من حديث سفيان بن محمد المصيصي حدثنا هشيم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله -ﷺ -: (من كرامتي على الله أني ولدت مختونًا، ولم ير سوءتي أحد). (^١)
قال الخطيب: لم يروه فيما يقال غير يونس عن هشيم، وتفرد به سفيان بن محمد المصيصي، وهو منكر الحديث.
قال الخطيب: أخبرني الأزهري قال: سئل الدارقطني عن سفيان بن
_________________
(١) راجع تخريجه موسعًا في السلسلة الضعيفة للعلامة الألباني -﵀- حديث رقم (٦٢٧٠).
[ ٨٧ ]
محمد المصيصي، وأخبرني أبو الطيب الطبري قال: قال لنا الدارقطني: شيخ لأهل المصيصة يقال له: سفيان بن محمد الفزاري كان ضعيفًا، سيء الحال. وقال صالح بن محمد الحافظ: سفيان بن محمد المصيصي لا شيء.
وقد رواه أبو القاسم بن عساكر من طريق الحسن بن عرفة حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، عن أنس قال: قال رسول اللهﷺ-: (من كرامتي على ربي -﷿- أني ولدت مختونًا لم ير أحد سوءتي). وفي إسناده إلى الحسن بن عرفة عدة مجاهيل.
قال أبو القاسم بن عساكر: وقد سرقه ابن الجارود وهو كذاب. فرواه عن الحسن بن عرفة.
ومما احتج به أرباب هذا القول: ما ذكره محمد بن علي الترمذي في معجزات النبيﷺ- فقال: ومنها أن صفية بنت عبد المطلب قالت: أردت أن أعرف أذكر هو أم أنثى؟ فرأيته مختونًا. وهذا الحديث لا يثبت، وليس له إسناد يعرف به
وما حكاه عن صفية بقولها: (فرأيته مختونًا) يناقض الأحاديث الأخرى وهو قوله: (لم ير سوءتي أحد) فكل حديث في هذا الباب يناقض الآخر، ولا يثبت واحد منها، ولو ولد مختونًا فليس من خصائصه فإن كثيرًا من الناس يولد غير محتاج إلى الختان.
قال: وذكر أبو الغنائم النسابة الزيدي أن أباه القاضي أبا محمد الحسن بن محمد بن الحسن الزيدي ولد غير محتاج إلى الختان، قال: ولهذا لقب بالمطهر. قال: وقال فيما قرأته بخطه: خلق أبو محمد الحسن مطهرًا لم يختن، وتوفي كما خلق
قال: وقد ورد في حديث رواه سيف بن محمد ابن أخت سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبيﷺ- قال: (ابن صياد ولد مسرورًا مختونًا). وسيف مطعون في حديثه …
[ ٨٨ ]
وقيل: إن الختان من الكلمات التي ابتلى الله بها خليله فأتمهن وأكملهن، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وقد عد النبيﷺ- الختان من الفطرة، ومن المعلوم أن الابتلاء به مع الصبر مما يضاعف ثواب المبتلى به وأجره، والأليق بحال النبي - ﷺ- أن لا يسلب هذه الفضيلة، وأن يكرمه الله بها كما أكرم خليله؛ فإن خصائصه أعظم من خصائص غيره من النبيين وأعلى.
وختن الملك إياه -كما رويناه- أجدر من أن يكون من خصائصه، وأولى هذا كله كلام ابن العديم، ويريد بختن الملك ما رواه من طريق الخطيب عن أبي بكرة (أن جبريل ختن النبي حين طهر قلبه) وهو - مع كونه موقوفًا على أبي بكرة- لا يصح إسناده؛ فإن الخطيب قال فيه: أنبأنا أبو القاسم عبد الواحد بن عثمان بن محمد البجلي، أنبأنا جعفر بن محمد بن نصير، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، حدثنا عبد الرحمن بن عيينة البصري، حدثنا علي بن محمد المدائني، حدثنا مسلمة بن محارب بن سليم بن زياد، عن أبيه، عن أبي بكرة وليس هذا الإسناد مما يحتج به.
وحديث شق الملك قلبه قد روي من وجوه متعددة مرفوعًا إلى النبيﷺ-، وليس في شيء منها (أن جبريل ختنه) إلا في هذا الحديث فهو شاذ غريب.
قال ابن العديم: وقد جاء في بعض الروايات أن جده عبد المطلب ختنه في اليوم السابع.
قال: وهو على ما فيه أشبه بالصواب وأقرب إلى الواقع.
ثم ساق من طريق ابن عبد البر حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن أحمد- قراءة مني عليه- أن محمد بن عيسى حدثه قال: حدثنا يحيى بن أيوب بن زياد العلاف، حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني، حدثنا الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، عن ابن عباس (أن عبد المطلب ختن النبي يوم سابعه وجعل له
[ ٨٩ ]
مأدبة وسماه محمدًا). قال يحيى بن أيوب: ما وجدنا هذا الحديث عند أحد إلا عند ابن أبي السري، وهو محمد بن المتوكل بن أبي السري، والله أعلم).
وقال ابن القيم أيضًا (^١): (وَقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَاضِلَيْنِ صَنَّفَ أَحَدُهُمَا مُصَنَّفًا فِي أَنَّهُ وُلِدَ مَخْتُونًا، وَأَجْلَبَ فِيهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا خِطَامَ لَهَا وَلَا زِمَامَ، وَهُوَ كمال الدين بن طلحة، فَنَقَضَهُ عَلَيْهِ كمال الدين بن العديم، وَبَيَّنَ فِيهِ أَنَّهُ - ﷺ- خُتِنَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبُ، وَكَانَ عُمُومُ هَذِهِ السُّنَّةِ لِلْعَرَبِ قَاطِبَةً مُغْنِيًا عَنْ نَقْلٍ مُعَيَّنٍ فِيهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.)
وقال الألباني - ﵀ - (^٢): (وهذا الذي ذهب إليه الكمال بن العديم -﵀- هو الذي تطمئن إليه النفس، وينشرح له الصدر، وهو الذي يبدو أنه مال إليه ابن عبدالبر؛ فإنه قال عقب الحديث المشار إليه: (وفي حديث ابن عباس عن أبي سفيان في قصته مع هرقل - وهو حديث ثابت من جهة الإسناد - دليل على أن العرب كانت تختتن، وأظن ذلك من جهة مجاورتهم في الحجاز اليهود).
قلت: وحديث أبي سفيان في أول (صحيح البخاري) رقم (٧ - فتح)، وفيه أن هرقل سأل أبا سفيان عن العرب؟ فقال: (هم يختتنون». (^٣)
_________________
(١) زاد المعاد (١/ ٨١) ط. مؤسسة الرسالة.
(٢) السلسلة الضعيفة حديث رقم (٦٢٧٠).
(٣) انظر: - السيرة النبوية الصحيحة للعمري (١/ ١٠٠). - العلل المتناهية في الأحاديث الواهية (١/ ١٧١)، عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، ط. دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ، تحقيق: خليل الميس. - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد (١/ ٣٤٧)، محمد بن يوسف الصالحي الشامي.
[ ٩٠ ]