قوله: (فقرروا أن يتصلوا باليهود حتى يتأكدوا من أمره -ﷺ-، فلما نصحهم النضر بن الحارث بما سبق كلفوه مع آخر، أو آخرين ليذهب إلى يهود المدينة، فأتاهم، فقال أحبارهم: سلوه عن ثلاث، فإن أخبر فهو نبى مرسل، وإلا فهو متقول؛ سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان
_________________
(١) انظر الروايات الواردة في سبب نزول سورة الكافرون وبيان ضعفها في كتاب الاستيعاب في بيان الأسباب (٣/ ٥٧١ - ٥٧٢) لسليم الهلالي ومحمد آل نصر، طبعة دار ابن الجوزي بالدمام، الطبعة الأولى ١٤٢٥ هـ.
[ ١٤٠ ]
أمرهم؟ فإن لهم حديثًا عجبًا، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح، ما هي؟ فلما قدم مكة قال: جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، وأخبرهم بما قاله اليهود، فسألت قريش رسول الله -ﷺ- عن الأمور الثلاثة، فنزلت بعد أيام سورة الكهف، فيها قصة أولئك الفتية، وهم أصحاب الكهف، وقصة الرجل الطواف، وهو ذو القرنين، ونزل الجواب عن الروح في سورة الإسراء. وتبين لقريش أنه -ﷺ- على حق وصدق، ولكن أبى الظالمون إلا كفورًا).
التعليق: سبب نزول سورة الكهف لا يصح.
قال الأخ جودة محمد (^١): (أخرجه ابن إسحاق كما في "السيرة" (٤/ ١٨٢، رقم ٢٥٧/ ت حميد الله) - ومن طريقه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٤٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٢٦٩)، وابن حجر في "موافقة الخبر" (٢/ ٧٠ - ٧١) - قال ابن إسحاق: حدثني رجل من أهل مكة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، … فذكر الخبر.
إلا أنه وقع عند الطبري رجل من أهل مصر قدم مصر …
وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" لابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وأبي نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عباس، به.
وما أظن أن ابن المنذر، وأبا نعيم جاوزا طريق ابن إسحاق.
قال البيهقي: كذا في هذه الرواية أنهم سألوه عن الروح أيضًا، وحديث ابن مسعود يدل على أن سؤال اليهود عن الروح ونزول الآية فيه كان بالمدينة، والله أعلم.
قلت: وكأن البيهقي -﵀- بهذا يشير إلى نكارة الخبر، وقد أفصح
_________________
(١) موقع الألوكة، مجالس العلوم الشرعية، مجلس الحديث وعلومه، تخريج القصة الواردة في سبب نزول سورة الكهف للأخ جودة محمد -وفقه الله-، الرابط: ١٢٢٥٤٣/ http:// majles.alukah.net/ t
[ ١٤١ ]
الحافظ ابن حجر العسقلاني عن هذا، فقال -كما في الموضع السابق من كتابه-: (هذا حديث غريب لولا هذا المبهم لكان سنده حسنًا، لكن فيه ما ينكر وهو السؤال عن الروح ونزول الآية فيها وأن ذلك وقع بمكة، والثابت في الصحيحين أن ذلك كان بالمدينة وقع مصرحًا به في رواية ابن مسعود).
قلت: يشير الحافظ ابن حجر العسقلاني إلى ما أخرجه البخاري (١٢٥ و٤٧٢١ و٧٢٩٧ و٧٤٥٦ و٧٤٦٢) ومسلم (٢٧٩٤) من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-، قال: بينا أنا مع النبي -ﷺ- في حرث، وهو متكئ على عسيب، إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رأيكم إليه؟ وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي -ﷺ- فلم يرد عليهم شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي فلما نزل الوحي، قال: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [الإسراء: ٨٥]
ويحتمل أن قريشًا سألت النبي -ﷺ- عن الروح في قصة أخرى مشابهة لما في الصحيحين فقد جاء في جامع الترمذي من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئًا نسأل هذا الرجل، فقال: سلوه عن الروح، فسألوه عن الروح، فأنزل الله -تعالى- ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ [الإسراء: ٨٥]، قالوا: أوتينا علمًا كثيرًا أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فأنزلت ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر﴾ [الكهف: ١٠٩] إلى آخر الآية. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. (^١)
_________________
(١) رواه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل، حديث (٣١٤٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٢٥٣): (رجاله رجال مسلم)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٣١٤٠).
[ ١٤٢ ]
فالمتأمل لتلك القصتين يستنكر ما جاء عن ابن إسحاق في سبب نزول سورة الكهف مع ضعف إسنادها أيضًا، وثمة خلاف آخر على ابن إسحاق -إن صح ذلك النقل عنه- فقد ذكر أبو القاسم الأصبهاني في "دلائل النبوة" (ص: ٢١٦) نقلًا عن ابن إسحاق سندين فقال: روى محمد بن إسحاق عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس -﵁-، … فذكر الخبر.
وهذا ضعيف جدًا؛ فقد عنعنه ابن إسحاق، والكلبي هو محمد بن السائب متهم بالكذب، وأبو صالح هو باذام مولى أم هانئ ضعيف الحديث، ولم يسمع من ابن عباس أيضًا.
ثم أعقبه أبو القاسم الأصبهاني بسند آخر نقله عن ابن إسحاق فقال:
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس -﵁- … وذكر القصة
قلت: ومحمد بن أبي محمد مجهول الحال، قال الذهبي: لا يعرف.
هذا فيما وقفت عليه من طرق؛ فالخبر منكر متنًا، ضعيف سندًا، والله أعلم).
وقال الشيخ مصطفى العدوي: (إسناده ضعيف، فيه شيخ لم يسم) (^١).