قوله: (وسَقَطَ في أيديهم لما أحسوا أن جلال كلام الله لَوَّى زمامهم، فارتكبوا عين ما كانوا يبذلون قصارى جهدهم في محوه وإفنائه، وقد توالى عليهم اللوم والعتاب من كل جانب، ممن لم يحضر هذا المشهد من المشركين، وعند ذلك كذبوا على رسول الله -ﷺ- وافتروا عليه أنه عطف على أصنامهم بكلمة تقدير، وأنه قال عنها ما كانوا يرددونه هم دائمًا من قولهم: (تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهم لترتجى)، جاءوا بهذا الإفك المبين ليعتذروا عن سجودهم مع النبي -ﷺ-، وليس يستغرب هذا من قوم كانوا يألفون الكذب، ويطيلون الدس والافتراء.
وبلغ هذا الخبر إلى مهاجري الحبشة، ولكن في صورة تختلف تمامًا عن صورته الحقيقية، بلغهم أن قريشًا أسلمت، فرجعوا إلى مكة في شوال من نفس السنة، فلما كانوا دون مكة ساعة من نهار وعرفوا جلية الأمر رجع منهم من رجع إلى الحبشة، ولم يدخل في مكة من سائرهم أحد إلا مستخفيًا، أو في جوار رجل من قريش).
التعليق: قصة الغرانيق لا تصح.
[ ١٢٤ ]
قال العلامة المفسر محمد الأمين الشنقيطي -﵀- (^١):
(اعلم: أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعًا، ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب، والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. ومعلوم أن الكلبي متروك، وقد بين البزار﵀-: أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله، وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع انتصاره لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلها: إما منقطعة، أو ضعيفة إلا طريق سعيد بن جبير.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد بن جبير، لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد، وهو -وإن كان ثقة- فقد شك في وصلها.
فقد أخرج البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسب-، ثم ساق حديث القصة المذكورة، وقال البزار: لا يروى متصلًا إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور، وقال البزار: وإنما يروى من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. والكلبي متروك.
فتحصل أن قصة الغرانيق، لم ترد متصلة إلا من هذا الوجه الذي شك راويه في الوصل، ومعلوم أن ما كان كذلك لا يحتج به لظهور ضعفه،
ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح.
وقال الشوكاني في هذه القصة: ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله كقوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤]، وقوله:
_________________
(١) أضواء البيان (٥/ ٢٨٦ - ٢٨٨) ط. دار الفكر. بيروت.
[ ١٢٥ ]
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] فنفي المقاربة للركون فضلًا عن الركون، ثم ذكر الشوكاني عن البزار: أنها لا تروى بإسناد متصل، وعن البيهقي أنه قال: هي غير ثابتة من جهة النقل، وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة: أن هذه القصة من وضع الزنادقة، وأبطلها ابن العربي المالكي، والفخر الرازي، وجماعات كثيرة، وقراءته -ﷺ- سورة النجم وسجود المشركين ثابت في الصحيح، ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق. وعلى هذا القول الصحيح وهو أنها باطلة فلا إشكال.
وأما على ثبوت القصة كما هو رأي الحافظ ابن حجر فإنه قال في فتح الباري:
(إن هذه القصة ثابتة بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذلك من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض، لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلًا.)
فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة أحسنها، وأقربها: أن النَّبي -ﷺ- كان يرتل السورة ترتيلًا تتخلله سكتات، فلما قرأ ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] قال الشيطان- لعنه الله- محاكيًا لصوته: تلك الغرانيق العلى … إلخ فظن المشركون أن الصوت صوته -ﷺ-، وهو بريء من ذلك براءة الشمس من اللمس، وقد أوضحنا هذه المسألة في رحلتنا إيضاحًا وافيًا، واختصرناها هنا، وفي كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب.
والحاصل: أن القرآن دل على بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة الإلقاء على لسانه -ﷺ- لما ذكر شرعًا، ومن أثبتها نسب التلفظ بذلك الكفر للشيطان. فتبين أن نطق النَّبي -ﷺ- بذلك الكفر، ولو سهوًا مستحيل شرعًا، وقد دل القرآن على بطلانه، وهو باطل قطعًا على كل حال، والغرانيق: الطير البيض المعروفة واحدها: غرنوق كزنبور وفردوس، وفيه لغات غير ذلك، يزعمون أن الأصنام ترتفع إلى الله كالطير البيض، فتشفع عنده لعابديها قبحهم الله ما أكفرهم).
[ ١٢٦ ]
قال العلامة المفسر محمد الطاهر بن عاشور التونسي (^١): (وكذلك تركيب تلك القصة على آية سورة الحج. وكم بين نزول سورة النجم التي هي من أوائل السور النازلة بمكة وبين نزول سورة الحج التي بعضها من أول ما نزل بالمدينة وبعضها من آخر ما نزل بمكة.
وكذلك ربط تلك القصة بقصة رجوع من رَجع من مهاجرة الحبشة. وكم بين مدّة نزول سورة النجم وبين سنة رجوع من رجع من مهاجرة الحبشة.
فالوجه: أن هذه الشائعة التي أشيعت بين المشركين في أول الإسلام، إنما هي من اختلاقات المستهزئين من سفهاء الأحلام بمكة مثل: ابن الزبعرى، وأنهم عمدوا إلى آية ذُكرت فيها اللات والعُزّى ومناةَ فركّبوا عليها كلمات أخرى لإلقاء الفتنة في الناس وإنما خَصُّوا سورة النجم بهذه المرجَفة لأنهم حَضروا قراءتها في المسجد الحرام وتعلقت بأذهانهم وتطلبًا لإيجاد المعذرة لهم بين قومهم على سجودهم فيها الذي جعله الله معجزة النبي -ﷺ- وقد سرى هذا التعسف إلى إثبات معنى في اللغة …)
قال الحافظ ابن كثير -﵀- (^٢): (قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظنًا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم).
قال العلامة الألباني - ﵀ - بعد أن ساق روايات قصة الغرانيق كاملة وبين ضعفها (^٣): (بيان بطلان القصة متنًا:
تلك هي روايات القصة، وهي كلها كما رأيت مُعَلَّة بالإرسال
_________________
(١) التحرير والتنوير (١٧/ ٣٠٦)، طبعة الدار التونسية للنشر، ١٩٨٤ م. من تفسير سورة الحج، الآية: (٥٢) وما بعدها.
(٢) تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (٥/ ٤٤١)، تحقيق: سامي السلامة، ط. دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٤٢٠ هـ.
(٣) نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق للألباني ص (٣٥/ ٣٦)، ط. المكتب الإسلامي.
[ ١٢٧ ]
والضّعف والجَهالة، فليس فيها ما يصلُح للاحتجاج به، لاسيّما في مثل هذا الأمر الخطير.
ثم إن مما يؤكد ضَعفها بل بطلانها، ما فيها من الاختلاف والنّكارة مما لا يليق بمقام النبوة والرسالة، وإليك البيان:
أولًا: في الروايات كلها، أو جُلها، أن الشيطان تكلم على لسان النبي -ﷺ- بتلك الجملة الباطلة التي تمدح أصنام المشركين، "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى".
ثانيًا: وفي بعضها كالرواية الرابعة: "والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاء به عن ربهم ولا يتهمونه على خطأ " ففي هذا أن المؤمنين سمعوا ذلك منه -ﷺ-، ولم يشعروا بأنه من إلقاء الشيطان، بل اعتقدوا أنه من وحي الرحمن!! بينما تقول الرواية السادسة: "ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان" فهذه خلاف تلك.
ثالثًا: وفي بعضها كالرواية "١ و٤ و٧ و٩": أن النبي -ﷺ - بقي مدة لا يدري أن ذلك من الشيطان، حتى قال له جبريل: "معاذ الله! لم آتك بهذا، هذا من الشيطان!! ".
رابعًا: وفي الرواية الثانية أنه -ﷺ- سها حتى قال ذلك! فلو كان كذلك، أفلا ينتبه من سهوه؟!
خامسًا: في الرواية العاشرة الطريق الرابع: أن ذلك ألقيَ عليه وهو يصلي!!
سادسًا: وفي الرواية "٤ و٥ و٩" أنه -ﷺ- تمنّى أن لا ينزل عليه شيء من الوحي يَعيبُ آلهة المشركين، لئلا ينفروا عنه!!
سابعًا: وفي الرواية "٤ و٦ و٩" أنه -ﷺ- قال عندما أنكر جبريل ذلك عليه: " أفتريتُ على الله، وقلتُ على الله ما لم يقل، وشركني الشيطان في أمر الله!! ".
فهذه طامّات يجب تنزيه الرسول منها لاسيّما هذا الأخير منها فإنه لو كان
[ ١٢٨ ]
صحيحًا لصدق فيه -﵇- -وحاشاه- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦].
فثبت مما تقدم بطلان هذه القصة سندًا ومتنًا. والحمد لله على توفيقه وهدايته).