قوله: (ولما انصرف رسول الله -ﷺ- عنهم خاطبهم أبو جهل في كبريائه وقال: يا معشر قريش، إن محمدًا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلسن له بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، قالوا: والله لا نسلمك لشيء أبدًا، فامض لما تريد.
فلما أصبح أبو جهل، أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله -ﷺ- ينتظره، وغدا رسول الله -ﷺ- كما كان يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل،
_________________
(١) ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية للعوشن ص (٥٧).
[ ١٣٦ ]
فلما سجد رسول الله -ﷺ- احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا ممتقعًا لونه، مرعوبًا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لى دونه فَحْلٌ من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هَامَتِه، ولا مثل قَصَرَتِه ولا أنيابه لفحل قط، فَهَمَّ بى أن يأكلنى.
قال ابن إسحاق: فذكر لي أن رسول الله -ﷺ- قال: (ذلك جبريل -﵇- لو دنا لأخذه).
التعليق: منكر بهذا اللفظ.
قال الشيخ: محمد بن عبدالله العوشن-حفظه الله- (^١): (قال البيهقي﵀-: (ابن إسحاق إذا لم يذكر من حدث عنه لم يفرح به).
ومن النكارة في هذه الرواية قول أبي جهل: (وإني أعاهد الله!) في حين تجد في رواية مسلم الآتية أنه أقسم باللات والعزى. وقد أخرج الحاكم نحوًا من هذه القصة من طريق عبدالله بن صالح قال: حدثني الليث بن سعد عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة، عن أبان بن صالح، عن علي بن عبدالله بن عباس، عن أبيه العباس بن عبدالمطلب، ثم قال الحاكم: صحيح. وتعقبه الذهبي بقوله: (قلت: فيه عبدالله بن صالح وليس بعمدة، وإسحاق بن عبدالله بن أبي فروة متروك).
وقد روى مسلم -﵀- في صحيحه (^٢) عن أبي هريرة -﵁- قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب، قال: فأتى رسول اللهﷺ- وهو يصلي زعم
_________________
(١) ما شاع ولم يثبت في السيرة ص (٤٩).
(٢) كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب قوله: (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)، حديث رقم (٢٧٩٧).
[ ١٣٧ ]
ليطأ على رقبته قال: فما فجئهم منه إلا هو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة، فقال رسول الله -ﷺ-: (لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا). ورواه البخاري في صحيحه (^١) مختصرًا عن ابن عباس﵁- قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي -صلى الله علبه وسلم- فقال: (لو فعل لأخذته الملائكة). …