١ - قوله: (أقول: فهذا يفيد أن الوحي الذي نزل عليه -ﷺ- بعد الفترة إنما نزل في أول يوم من شهر شوال بعد نهاية شهر رمضان الذي
_________________
(١) البداية والنهاية: (٢/ ٢٨٧).
[ ١٠٢ ]
تشرف فيه بالنبوة والوحي؛ لأنه كان آخر مجاورة له بحراء، وإذا ثبت أن أول نزول الوحي كان في ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان فإن هذا يعنى أن فترة الوحي كانت لعشرة أيام فقط. وأن الوحي نزل بعدها صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من النبوة. ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر الأواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيد السعيد، والله أعلم).
التعليق: من جهتين:
الأولى: خطأ في التاريخ.
لا يخفى الخطأ الموجود في كلام المؤلف، كيف ينزل القرآن في ليلة الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان ثم ينقطع لعشرة أيام، وينزل صبيحة يوم الخميس لأول شوال من السنة الأولى من النبوة؛ مما يدل أنه حصل خطأ في تاريخ نزول القرآن، والصواب أنه في الحادي والعشرين من رمضان على حسب كلام المؤلف وحساباته.
فقد قال - ﵀ - في الهامش قبل ذلك تحت عنوان جبريل ينزل بالوحي:
(وإنما رجحنا أنه اليوم الحادي والعشرون مع أنا لم نر من قال به؛ لأن أهل السيرة -كلهم أو أكثرهم- متفقون على أن مبعثه -ﷺكان يوم الاثنين، ويؤيدهم ما رواه أئمة الحديث عن أبي قتادة - ﵁- أن رسول الله -ﷺ- سئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: " فيه ولدت، فيه أنزل علي، وفي لفظ: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو أنزل عليّ فيه" (صحيح مسلم (١/ ٣٦٨)، أحمد (٥/ ٢٩٧، ٢٩٩)، البيهقي (٤/ ٢٨٦، ٣٠٠)، الحاكم (٢/ ٦٠٢) ويوم الاثنين في رمضان من تلك السنة لا يوافق إلا اليوم السابع، والرابع عشر، والحادي والعشرين، والثامن والعشرين، وقد دلت الروايات الصحيحة أن ليلة القدر لا تقع إلا في وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان وأنها تنتقل فيما بين هذه الليالي، فإذا قارنا بين قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) وبين رواية أبي قتادة أن مبعثه -ﷺ- كان
[ ١٠٣ ]
يوم الاثنين وبين حساب التقويم العلمي في وقوع يوم الاثنين في رمضان من تلك السنة تعين لنا أن مبعثه - ﷺكان في اليوم الحادي والعشرين من رمضان ليلًا.)
ثم وجدت في كتاب روضة الأزهار في سيرة النبي المختار للمؤلف (^١) أنه يقول: (وحيث إن ليلة القدر تقع في وتر من ليالي العشر الأواخر من رمضان، وقد ثبت علميًا أن يوم الاثنين في رمضان من تلك السنة إنما وقع في اليوم الحادي والعشرين من رمضان سنة إحدى وأربعين من مولده -ﷺ-). وبهذا يتضح الخطأ الموجود في الرحيق المختوم (الاثنين الحادية عشرة من شهر رمضان)، وأن الصواب ما ذكره المؤلف في كتابه روضة الأزهار (الاثنين الحادي والعشرين من شهر رمضان)؛ فليصحح.
الثانية: قوله: (… ولعل هذا هو السر في تخصيص العشر الأواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيد السعيد، والله أعلم).
أخطأ المؤلف في جعل نزول الوحي بعد فترته سببًا في تخصيص العشر الأواخر من رمضان بالمجاورة والاعتكاف، وفي تخصيص أول شهر شوال بالعيد السعيد؛ وإنما كان يعتكف - ﷺ- العشر الأواخر من رمضان تحريًا لليلة القدر كما في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: " اعتكَف رسولُ اللهِ -ﷺ- عشرَ الأُوَلِ من رمضانَ، واعتكفْنا معَه، فأتاه جبريلُ فقال: إن الذي تطلُبُ أمامَك، فاعتكَف العشرَ الأوسَطَ فاعتكَفْنا معَه، فأتاه جبريلُ فقال: إن الذي تطلُبُ أمامَك، قام النبيُّ -ﷺ- طيبًا، صبيحةَ عِشرينَ من رمضانَ، فقال: مَن كان اعتكَف معَ النبيِّ -ﷺ- فليَرجِعْ، فإني أُريتُ ليلةَ القدْرِ وإني نُسِّيتُها وإنها في العشرِ الأواخِرِ، وفي وِترٍ، وإني رأيتُ كأني أسجدُ في طينٍ وماءٍ. وكان سقفُ المسجدِ جريدَ
_________________
(١) ص (٢٨)، الطبعة الخامسة، من مطبوعات وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والأوقاف بالسعودية.
[ ١٠٤ ]
النخلِ، وما نرى في السماءِ شيئًا، فجاءتْ قزَعةٌ فأُمطِرْنا، فصلَّى بنا النبيُّ -ﷺ- حتى رأيتُ أثرَ الطينِ والماءِ على جبهةِ رسولِ اللهِ -ﷺ- وأرنبتِه، تصديقَ رؤياه. (^١)
وجعلَ الشرعُ أولَ شوال عيدًا ليس بسبب عودة نزول الوحي على الرسول -ﷺ- بعد فترته كما ذكر المؤلف؛ وإنما بسبب إتمام نعمة الله على المسلمين بإكمال عدة شهر رمضان والفرح بالفطر منه كما صح في الحديث: " للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه ". (^٢)
وعن عمر بن الخطاب﵁قال: نَهى عن صيامِ هذينِ اليومينِ، يومِ الفطرِ ويومِ الأضحى، أمَّا يومُ الفطرِ، فيومُ فطرِكم من صيامِكم، ويومُ الأضحى، تأْكلونَ فيهِ من لحمِ نسُككم. (^٣)
وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ، وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: " قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ وَلَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ يَوْمَيْنِ خَيْرًا مِنْهُمَا، يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ ". (^٤)
٢ - قوله: (وقد بقى رسول الله -ﷺ- في أيام الفترة كئيبًا محزونًا تعتريه الحيرة والدهشة، فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه:
وفتر الوحي فترة حزن النبي -ﷺ- فيما بلغنا- حزنًا عدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوْفى بذِرْوَة جبل لكي يلقي
_________________
(١) رواه البخاري حديث (٨١٣).
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا. البخاري (١٨٠٥)، ومسلم (١١٥١).
(٣) رواه البخاري (١٩٩٠)، ومسلم (١١٣٧)، وأحمد (١٦٣)، وأبو داود (٢٤١٦)، وابن ماجه (١٧٢٢).
(٤) رواه أحمد (١٢٠٠٦)، وأبو داود (١١٣٤)، والنسائي (١٥٥٦)، وصححه الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٤٤٢)، والألباني في الصحيحة حديث (٢٠٢١).
[ ١٠٥ ]
نفسه منه تَبدَّى له جبريل فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتَقَرّ نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك).
التعليق: لا تصح محاولة الرسول -ﷺ- التردي من رؤوس الجبال.
قال الحافظ ابن حجر -﵀- (^١):
(وقوله هنا: (فترة حتى حزن النبي -ﷺ- فيما بلغنا-) هذا وما بعده من زيادة معمر على رواية عقيل ويونس. وصنيع المؤلف يوهم أنه داخل في رواية عقيل، وقد جرى على ذلك الحميدي في جمعه فساق الحديث إلى قوله: "وفتر الوحي" ثم قال: انتهى حديث عقيل المفرد عن ابن شهاب إلى حيث ذكرنا، وزاد عنه البخاري في حديثه المقترن بمعمر عن الزهري فقال: (وفتر الوحي فترة حتى حزن) فساقه إلى آخره، والذي عندي أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر، فقد أخرج طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول الكتاب بدونها، وأخرجه مقرونًا هنا برواية معمر وبين أن اللفظ لمعمر وكذلك صرح الإسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر، وأخرجه أحمد ومسلم والإسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضًا من طريق جمع من أصحاب الليث عن الليث بدونها، ثم إن القائل فيما بلغنا هو الزهري، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله -ﷺ- في هذه القصة وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا.
وقال الكرماني: هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون بلغه بالإسناد المذكور، ووقع عند ابن مردويه في التفسير من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط قوله: (فيما بلغنا) ولفظه: (فترة حزن النبي -ﷺ- منها حزنًا غدا منه) إلى آخره، فصار كله مدرجًا على رواية الزهري وعن عروة عن عائشة، والأول هو المعتمد …).
_________________
(١) فتح الباري (١٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠).
[ ١٠٦ ]
قال الألباني -﵀- (^١):
(هذا العزو للبخاري خطأ فاحش ذلك لأنه يوهم أن قصة التردي هذه صحيحة على شرط البخاري وليس كذلك وبيانه أن البخاري أخرجها في آخر حديث عائشة في بدء الوحي الذي ساقه الدكتور (١/ ٥١ - ٥٣) وهو عند البخاري في أول (التعبير) (١٢/ ٢٩٧ - ٣٠٤ فتح) من طريق معمر: قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة … فساق الحديث إلى قوله: (وفتر الوحي) وزاد الزهري: (حتى حزن النبي ﷺ - فيما بلغنا - حزنًا غدا منه مرارا، كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل؛ لكي يلقى منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد! إنك رسول الله حقًا؛ فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي، غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك)
وهكذا أخرجه بهذه الزيادة أحمد (٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣)، وأبو نعيم في (الدلائل) (ص ٦٨ - ٦٩)، والبيهقي في (الدلائل) (١/ ٣٩٣ - ٣٩٥) من طريق عبد الرزاق عن معمر به.
ومن هذه الطريق أخرجه مسلم (١/ ٩٨) لكنه لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ رواية يونس عن ابن شهاب، وليس فيه الزيادة، وكذلك أخرجه مسلم، وأحمد (٦/ ٢٢٣) من طريق عقيل بن خالد: قال ابن شهاب به دون الزيادة، وكذلك أخرجه البخاري في أول الصحيح عن عقيل به.
قلت: ونستنتج مما سبق أن لهذه الزيادة علتين:
الأولى: تفرد معمر بها دون يونس وعقيل؛ فهي شاذة.
الأخرى: أنها مرسلة معضلة؛ فإن القائل: (فيما بلغنا) إنما هو الزهري كما هو ظاهر من السياق وبذلك جزم الحافظ في (الفتح) (١٢/ ٣٠٢) وقال: (وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا)
قلت: وهذا مما غفل عنه الدكتور، أو جهله فظن أن كل حرف في
_________________
(١) دفاع عن الحديث النبوي والسيرة ص (٤٠ - ٤١).
[ ١٠٧ ]
(صحيح البخاري) هو على شرطه في الصحة، ولعله لا يفرق بين الحديث المسند فيه والمعلق، كما لم يفرق بين الحديث الموصول فيه والحديث المرسل الذي جاء فيه عرضا كحديث عائشة هذا الذي جاءت في آخره هذه الزيادة المرسلة، واعلم أن هذه الزيادة لم تأت من طريق موصولة يحتج بها).
قال الألباني -﵀- (^١): (وخلاصة القول: أن هذا الحديث ضعيف لا يصح، لا عن ابن عباس، ولا عن عائشة، ولذلك نبهت في تعليقي على كتابي (مختصر صحيح البخاري) (١/ ٥) على أن بلاغ الزهري هذا ليس على شرط البخاري كي لا يغتر أحد من القراء بصحته لكونه في (الصحيح). والله الموفق).
قال الشيخ محمد أبو شهبة -﵀- (^٢): (وهذه الرواية ليست على شرط الصحيح لأنها من البلاغات، وهي من قبيل المنقطع، والمنقطع من أنواع الضعيف، والبخاري لا يخرج إلا الأحاديث المسندة المتصلة برواية العدول الضابطين، ولعل البخاري ذكرها لينبهنا إلى مخالفتها لما صح عنده من حديث بدء الوحي، الذي لم تذكر فيه هذه الزيادة.
ولو أن هذه الرواية كانت صحيحة لأوّلناها تأويلًا مقبولًا، أما وهي على هذه الحالة فلا نكلف أنفسنا عناء البحث عن مخرج لها وليس أدل على ضعف هذه الزيادة وتهافتها من أن جبريل كان يقول للنبي -ﷺكلما أوفى بذروة جبل: "يا محمد! إنك رسول الله حقًا" وأنه كرر ذلك مرارًا، ولو صح هذا لكانت مرة واحدة تكفي في تثبيت النبي -ﷺ- وصرفه عما حدّثته به نفسه كما زعموا، وقد نحا إلى ما نحوت بعض كتاب السيرة المحدثين المسلمين). (^٣)
_________________
(١) السلسلة الضعيفة (٣/ ١٦٣) حديث رقم (١٠٥٣).
(٢) السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة (١/ ١٦٥)، دار القلم، دمشق، الطبعة الثامنة ١٤٢٧ هـ.
(٣) انظر: - السلسلة الضعيفة والموضوعة للألباني حديث رقم (٤٨٥٨). - السيرة النبوية الصحيحة للعمري (١/ ١٢٧). - رد شبهات حول عصمة النبي -ﷺ- في ضوء السنة النبوية الشريفة رسالة دكتوراه لعماد السيد محمد إسماعيل الشربيني ط. دار اليقين.
[ ١٠٨ ]