قوله: (روى ابن إسحاق بسنده، قال: اعترض رسول الله -ﷺ - وهو يطوف بالكعبة - الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليد بن المغيرة، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل السهمي -وكانوا ذوي أسنان في قومهم- فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله -تعالى- فيهم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ السورة كلها.
وأخرج عَبْدُ بن حُمَيْد، وغيره عن ابن عباس أن قريشًا قالت: لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك. فأنزل الله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة كلها.
وأخرج ابن جرير وغيره عنه أن قريشًا قالوا لرسول الله -ﷺ-: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فأنزل الله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤].
التعليق: لا يصح سبب نزول سورة الكافرون.
_________________
(١) كتاب التفسير، باب (كلا لئن لم ينته لننسفعن بالناصية، ناصية كاذبة خاطئة)، حديث رقم (٤٦٧٥).
[ ١٣٨ ]
قال الدكتور: عبدالحكيم بن عبدالله القاسم (^١): (وأورد ابن جرير في سبب نزول سورة الكافرون روايتين:
الأولى: قال في تفسيره (٣٠/ ٣٣١) حدثني محمد بن موسى الحرشي قال: حدثنا أبو خلف قال: حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، -﵄-: إن قريشًا وعدوا رسول الله -ﷺ- أن يعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطؤوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكف عن شتم آلهتنا فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة فهي لك ولنا فيها صلاح. قال -ﷺ-: "مَا هِيَ؟ " قالوا: تعبد آلهتنا سنة- اللات والعزى- ونعبد إلهك سنة. قال: "حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَأتي مِن عندِ رَبِّي". فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: (قل يا أيها الكافرون) السورة. وأنزل الله: (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ …) إلى قوله: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنْ الشَّاكِرِينَ) (الزمر ٦٤ - ٦٦)
وضعف الطبراني في معجمه الصغير (ج: ٢ ص: ٤٤ ح ٧٥١) ما رواه بإسناد الطبري نفسه فقال: (لم يروه عن داود بن هند إلا عبد الله بن عيسى، تفرد به محمد بن موسى، وخالف ما عليه الثقات، وأحاديثه أفراد كلها)، وضعفه الحافظ في الفتح (٨/ ٧٣٣). (^٢)
والثانية: قال الطبري: حدثني يعقوب قال: حدثنا ابن علية عن محمد بن إسحاق قال: حدثني سعيد بن ميناء مولى البختري قال: لقي الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف رسول الله -ﷺ- فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد
_________________
(١) عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين بالرياض، موقع الإسلام اليوم.
(٢) قال الحافظ ابن حجر -﵀- (٨/ ٧٣٣): (وقد أخرج ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس -﵄ - قال: "قالت قريش للنبي - ﷺ-: كفّ عن آلهتنا فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فاعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فنزلت" وفي إسناده: أبو خلف عبد الله بن عيسى، وهو ضعيف).
[ ١٣٩ ]
ونشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرًا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا مما في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت منه بحظك. فأنزل الله: (قل يا أيها الكافرون) حتى انقضت السورة.
قلت: سعيد بن ميناء تابعي ولم ينسب سبب النزول عن الصحابي﵁- ولم يعتضد برواية أخرى عن تابعي مثله فيكون سبب النزول مرسلًا ضعيفًا.
ولم أقف على سبب نزول صحيح في سورة الكافرون. فالله أعلم. (^١)
وأما أن حصار النبي -ﷺ - في الشعب كان بعده نزول سورة الكافرون فلم أقف عليه مطلقًا.
والذي ينبغي على طالب العلم في التعامل مع أسباب النزول أن يكون بتوثق وتحرّ كبيرين؛ لأن سبب النزول له حكم الرفع، ولا يعتبر سبب النزول عن الصحابي إلا إذا كان بإسناد صحيح، وبصيغة صريحة، ولا يعتبر سبب النزول عن التابعي إلا بأربعة شروط: صحة الإسناد، والصراحة في السببية، وأن يعرف التابعي بالأخذ عن الصحابي، وأن يعتضد برواية تابعي آخر. وينظر في تقرير ذلك كتب علوم القرآن. والله أعلم).