بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن الله - جل في علاه- قص على نبيه بعض ماكان من الحوادث التي سلى بها نبيه وصبره، حتى بلغ دعوة ربه.
وهذا القصص القرآني هو أحسن القصص وأكمله وأجمله كما قال جل وعلا: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) (يوسف: ٣) وفي آخر السورة قال جل وعلا: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء هدى ورحمة لقوم يؤمنون) (يوسف: ١١١)
قال ابن سعدي﵀- في تفسيره: «أحسن القصص) وذلك؛ لصدقها وسلامة عباراتها ورونق معانيها … - إلى أن قال-: وأنها أحسن القصص على الإطلاق، فلا يوجد من القصص في شيء من الكتب مثل هذا القرآن). اهـ
ومن القصص الحسنة قصص خاتم النبيينﷺ- وأخباره في تبليغ رسالة ربه وما حصل له إزاء ذلك من قومه، وهو ما اصطلح عليه بالسيرة النبوية له - ﵊-.
[ ١٧ ]
ولما كان الله - تبارك وتقدس- قد تكفل بحفظ كتابه كما في قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩) وكان هذا متضمنًا (^١)
١ - لحفظه عند إنزاله.
٢ - وحفظه بعد إنزاله، فالأول حفظه من مسترقي السمع من كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله إيداعه في قلب نبيه - ﷺ- وبعد ذلك في قلوب أمته.
٣ - ويتضمن حفظ ألفاظه من التغيير، أو التبديل، أو النقص.
٤ - ومتضمنًا لحفظ معانيه؛ وكان هذا مستلزمًا لحفظ السنة النبوية وما يحصل به حفظ الكتاب، فهذا القدر محفوظ، إذ السنة تكمل القرآن وتشرحه وتفسره وتبينه، والسيرة النبوية داخلة في هذا الالتزام، والله يتولى حفظه، وما كان خارجًا عن ذلك حيث يقوم الدين وتثبت الملة بدونه فهذا قدر يسير …
وقد نقب علماء الإسلام وبحثوا في أسانيد الحديث والأخبار النبوية، وضربوا أروع الأمثلة في التثبت، وبيان صحيح الأخبار من سقيمها، وقعدوا قواعد محكمة، وأسسوا أصولًا ثابتة حفظت - بفضل الله- ما حفظت من دواوين الحديث والسنة وأخبار النبيﷺ- وأخبار أصحابه﵃-.
ولما كانت الأخبار التي لا تتضمن أحكامًا يحتاج إليها المرء في دينه مثل كثير من أخبار السيرة وحوادثها رواها الإخباريون وتناقلوها وألفوا فيها المؤلفات، وقد حرص كثير من محبي السنة وحملتها على الفحص والتدقيق لجملة الأخبار وتطبيق قواعد المحدثين عليها؛ نصحًا للمسلمين، وذبًا عن أخباره - ﵊-.
وأقول: إن الأئمة المتقدمين لهم نظر في الأحكام والسنن، ونظر آخر
_________________
(١) انظر تفسير السعدي لسورة الحجر آية (٩).
[ ١٨ ]
في الأخبار المحضة التي هي من مكملات السيرة، وسادة لما فقد من حلقاتها، فشددوا في الأول، وتسامحوا في الثاني. (^١)
وإتماما وإفادة لقراء السيرة، والمتلذذين بسماعها؛ فحص جماعة من حملة العلم من الفضلاء ونقبوا في كل أخبار السيرة وهم كثر: كالألباني، والطرهوني، والعمري، والعوشن … ومنهم صاحب الفضيلة الشيخ: محمود بن محمد الملاح أحد طلاب العلم وحملته، فنقب على كتاب الرحيق المختوم لفضيلة الشيخ: صفي الرحمن المباركفوري - ﵀ - وكشف عن أخباره، وعلق عليه؛ فصار الكتاب - بعد هذا البحث - مرجعًا سليمًا، وبحرًا آمنًا لمرتاديه والغائصين فيه، فجزاه الله خير الجزاء وأوفاه على ما نصح به .. وسدد قلمه وفكره ..
والحمد لله رب العالمين.
وكتبه أبو محمد
عبدالله بن مانع الروقي
عشية الخميس غرة شعبان ١٤٣٠ هـ
_________________
(١) وهذا التسامح في الرواية والنقل شريطة ألا تكون الحادثة تتضمن نكارة يحيلها العقل، أو تردها الأخبار الصحيحة الأخرى، أو تتضمن شينًا أو عيبًا على مسلم، أو مخالفة لقاعدة من قواعد الدين أو آدابه.
[ ١٩ ]