وحياة الرسول - ﷺ - سيرة إنسان أكرمه الله بالرسالة، لم تخرجه عن إنسانيّته، ولم تلحق حياته بالأساطير، ولم تضف عليه الألوهيّة قليلًا ولا كثيرًا، ونحن إذا قارنا هذا بما يرويه المسيحيّون عن سيرة عيسى -﵇- وما يرويه غيرهم عن آلهتهم المعبودة، اتضح لنا الفرق جليًّا بين سيرته - ﷺ - وسير هؤلاء، ولذلك أثر بعيد المدى في السلوك الإنساني والاجتماعي، فادعاء النصارى الألوهية لعيسى ﵇ جعله أبعد منالًا من أن يكون قدوة،
[ ١ / ٩٤ ]
نموذجيّة للإنسان في حياته الشخصيّة والاجتماعيّة، بينما نرى محمدًا - ﷺ - المثل النموذجي الإنساني الكامل لكل من أراد أن يعيش سعيدًا كريمًا في نفسه وأسرته وبيئته، وصدق الله العظيم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب]!
وهنا نبصر أن هذا (الدّين القيّم) قدّم للناس أعمال خاتم النبيّين - ﷺ -، وطلب منهم التأسّي به في سيرته، وجعل الاتّباع لتلك السيرة والتأسّي بصاحبها وسيلة لهم في الحصول على رضا الله ومحبّته .. وسيرة الرسول - ﷺ - جامعة، تجد فيها كل طائفة من طوائف البشر المثل الأعلى الذي تقتدي به، والأسوة التي تأتسي بها!
ومن الظاهر الواضح أن الناس لا يزالون مختلفين في معايشهم .. ومن ثم كانت حياة خاتم النبيّين - ﷺ - واضحة مثاليّة كاملة، يجد فيها الناس كلهم على اختلاف طوائفهم -كما سيأتي- المثاليّة الكاملة في جميع ألوان الحياة وأطوارها!
وأعظم من الأسوة (١)، في أعمال الإنسان الظاهرة، الأسوة فيما يتعلق بخطرات القلوب، ومجالات الفكر، ونزعات العواطف، فنحن نشعر بين كل حين وآخر بنزعات وعواطف تخالج قلوبنا وأفكارنا، فنرضى ونسخط، ونفرح ونحزن، وتعترينا السكينة والطمأنينة أو القلق والضجر، وتترتّب على هذه الأحوال عواطف مختلفة، ونوازع متعددّة، وليس الخلق الحسن إلا التعديل بين هذه الأحوال، وإقامة الوزن بالقسط بين العواطف القويّة والنوازع الثائرة، ولا يحظى بنصيبه من مكارم الأخلاق إلا الذي يعرف كيف يكبح النفس عند
_________________
(١) المرجع السابق: ١٣٣.
[ ١ / ٩٥ ]
جموحها، ويحسن التصرف فيها وقت ثورتها .. ومن ثم لا بد للإنسان من إمام تكون له فيه الأسوة التامة في هذه الأمور، حتى يأتمّ به في قهر هذه القوة الثائرة، والعواطف المتوثبة، إلى أن تسكن ثورة النفس، ويسلك في ذلك مسلك صاحب السيرة الذي يحمل بين جنبيه قلبًا زكيًّا، ونفسًا طاهرة، وروحًا عالية نزيهة!