وحياة الرسول - ﷺ - واضحة كل الوضوح في جميع مراحلها (٢)، مما يجعل سيرته - ﷺ - واضحة وضوح الشمس، حتى قال بعض الغربيين: (إن محمدًا - ﷺ - هو الوحيد الذي وُلد على ضوء الشمس)!
وهذا ما لم يتيسّر مثله ولا قريب منه لرسول من رسل الله السابقين .. وما
_________________
(١) الإسلام والعروبة في عالم متغير: دكتور عبد العزيز كامل: ٥١ - ٥٢ كتاب العربي: الكتاب الثاني والعشرون ١٩٨٩ م نقلًا عن: سيرة النبي: شبلي نعماني: ١: ٨.
(٢) السيرة النبوية: دروس وعبر: ١٥ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ٩٢ ]
من حياة أحد يصح أن يكون منها للناس أسوة تتّبع (١)، ومثال يُقتدى به إلا إذا كانت متّصفة بالكمال، ولا تكون حياة أحد كاملة ومنزّهة عن العيوب والمثالب إلا إذا كانت معلومة للناس بجميع أطوارها، ومتجلّية لهم دخائلها من كل مناحيها، وواضحة كل الوضوح في جميع مراحلها، وحياة الرسول - ﷺ - من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة للذين عاصروه وشهدوا عهده، وقد حفظها التاريخ عنهم لمن بعدهم!
وقد سجل التاريخ أن جميع شؤونه وأطوار حياته، من ولادته ورضاعته وطفولته، إلى أن صار يافعًا وشابًّا .. كل ذلك ظاهر أمره، معلومة تفاصيله، وقد علم الناس سجاياه في صدقه وفي وفائه للناس قبل النبوة -كما عرفنا- واتصلوا به حين اتخذوه أمينًا، وأقاموه حكمًا فيما اختلفوا فيه من نصب الحجر الأسود في موضعه في الكعبة، ثم وقفوا على أمره حين حُبّب إليه الخلاء في (غار حراء)، ثم علموا حاله حين نزل عليه الوحي، وحين بدأ أمر الإسلام يظهر للوجود، فأخذ يدعو الناس، ويبلّغ ما أنزل عليه -كما سيأتي- وقد رأى التاريخ كيف خالفوه وعاندوه!
وهل غاب عن التاريخ ما لقي الرسول - ﷺ - في نشر الإسلام من جهد وعناء، وما قابله به أهل الطائف، حين سار إليهم يدعوهم إلى عبادة الرحمن؟!
وهل نسي التاريخ كيف أخبر أهل مكة، وهم أقليّة من المسلمين، وأكثريّة ساحقة من المشركين بخبر العروج إلى السماء؟!
ثم هل خفي عن التاريخ أمر هجرته - ﷺ -، ومن هاجر، والغزوات التي
_________________
(١) الرسالة المحمدية: ١٠٢ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ٩٣ ]
غزاها، والأسباب الباعثة عليها، وموقفه من الهدنة إذا هادن، وعهوده إذا عاهد؟! وما صلح الحديبية بسر!
والذين طالعوا كتب السيرة النبوية يعلمون ذلك وغيره، وقد وقفوا على كتبه - ﷺ - إلى الملوك وغيرهم يدعوهم فيها إلى دين الله، دين السلام والوئام، وعرفوا جهاده - ﷺ - في سبيل الحق، وما بذله في تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس، إلى أن أكمل الله للإنسانيّة دينها، وحج - ﷺ - حجة الوداع، وتوفاه الله إليه!
فهل في شيء من ذلك ما يجهله التاريخ؟!
وهل فيما يتعلق بحياة الرسول - ﷺ - ورسالته ما أسدل عليه ستار من خفاء؟!
وقد سجلت مصادر السيرة أدق التفاصيل في حياة خاتم النبيّين - ﷺ -، كأكله، وقيامه، وقعوده، ولباسه، وشكله، وهيئته، ومنطقه، ومعاملته لأسرته، وتعبّده، وصلاته، ومعاشرته لأصحابه، بل بلغت الدقة في رواة سيرته أن يذكروا لنا عدد الشعرات البيض في رأسه ولحيته - ﷺ -!