وسيرة الرسول - ﷺ - شاملة لكل النواحي الإنسانيّة في الإنسان (١)، فهي تسجل سيرة محمد الشاب الأمين المستقيم قبل أن يكرمه الله بالرسالة!
وتسجل سيرة الرسول - ﷺ - الداعي إلى الله، الملتمس أجدى الوسائل لقبول دعوته، الباذل منتهى طاقته وجهده في إبلاغ رسالته!
وتسجل سيرته - ﷺ - كرئيس دولة يضع لها أقوم النظم وأصحّها، ويحميها بيقظته وإخلاصه وصدقه بما يكفل لها النجاح!
وتسجل سيرة الرسول - ﷺ - الزوج والأب في حنوّ العاطفة، وحسن المعاملة، والتمييز الواضح بين الحقوق والواجبات لكل من الزوج والزوجة والأولاد!
وتسجل سيرة الرسول - ﷺ - المربّي المرشد الذي يشرف على تربية أصحابه تربية مثاليّة ينقل فيها من روحه إلى أرواحهم، ومن نفسه إلى نفوسهم، ما يجعلهم يحاولون الاقتداء به - ﷺ - في دقيق الأمور وكبيرها!
وتسجل سيرة الرسول - ﷺ - الذي يقوم بواجبات الصحبة، ويفي بالتزاماتها
_________________
(١) السيرة النبوية: دروس وعبر: ١٧.
[ ١ / ٩٦ ]
وآدابها، مما يجعل أصحابه -﵃- يحبّونه أكثر من حبّهم لأنفسهم ومن حبّهم لأهليهم وأقربائهم!
وتسجل سيرة الرسول - ﷺ - القائد الشجاع، والمحارب المنتصر، والسياسي الناجح، والجار الأمين، والمعاهد الصادق!
ونحن لا نجد مثل هذا الشمول ولا هذا التكامل، ولا قريبًا منهما، فيما بقي لنا من سير الرسل السابقين، عليهم صلوات الله وتسليماته!
فموسى -﵇- لا نجد في أسفار التوراة الخمسة (١)، إلا أنه بعد ولادته تربّى في قصر فرعون، ولما بلغ مبلغ الرجال نصر قومه، ثم خرج إلى مدين وتزوج فيها، وأقام هناك برهة من الزمن، ثم رجع إلى مصر، وبينما هو في الطريق أُوحي إليه من ربه، ثم لقي فرعون وأراه آيات بينات، وخرج بقومه، ووجد في البحر طريقًا بإذن الله، وتبعه فرعون فأدركه الغرق، ودخل بقومه أرض الشام، وقد اختتم سفر التثنية بهذه الفقرات: ٥٤: ٥ - ١٠.
(إِن عبد الله موسى مات بإِذن الله في أرض موآب، ودفنه الله في الجواء في أرض موآب، مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إِلى هذا اليوم، وكان موسى ابن عشرين ومائة حين جاءه الموت .. ولم يقم بعد نبي في بني إِسرائيل مثل موسى)!
هذه الكلمات من سفر التثنية، وهو السفر الخامس من التوراة، ولا يخفى أن تلك الكلمات لم ينطق بها موسى ﵇، وهذا يدل على أن هذا الكلام ليس لموسى، وأن الدنيا تجهل كاتب هذه السيرة لموسى!
_________________
(١) الرسالة المحمدية: ٥٤.
[ ١ / ٩٧ ]
ومما يلفت النظر قول القائل:
(ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم)!
وقوله: (ولم يقم بعد نبي في بني إسرائيل مثل موسى)!
وفي هذا دلالة على أن هذا الجزء قد أضيف إلى سيرة موسى بعد زمان طويل كان يرجى فيه أن يقوم في بني إسرائيل نبي يسد فراغ موسى، فنوّه كاتب السفر بأنه لم يقم بعد مثله!
ومع هذا العمر الطويل نتساءل:
ما الذي نعرفه عن حياة موسى الطويلة؟ وبأي الأعمال شغل فراغ حياته المباركة؟ وما النواحي التي نعلمها واضحة مفصلة من سيرته، مما كان ينبغي أن يعلم، لتحسن به الأسوة؟
إن الأمور التي يحتاج البشر إلى معرفتها من حياة موسى الاجتماعيّة هي الأخلاق والعادات والهدي، وكل ذلك لا نجده في سيرته، ومع ذلك فموسى - ﵇ - يمثل القائد الذي أنقذ أمته من العبوديّة، ووضع لها من القواعد والمبادئ ما يصلح لها وحدها في عصر رسالته وكفى، ولكننا لا نجد في سيرته ما يجعله قدوة للمحاربين أو السياسيّين، أو رؤساء الدول، مثلًا!
ويستغرب المرء حين يعلم أن شؤون حياة عيسى -﵇ - وأحوال معيشته، أخفى من غيره وأغمض، وقد أسدل الزمان عليها حجابًا أكثف مما نراه في حياة غيره من الرسل!
وإن أوروبّا المسيحية قد حملها حافز البحث والكشف عن أن تستثير بطون الصحارى، وقلل الجبال، وأطراف الصخور، والأطلال الدارسة، ومظان
[ ١ / ٩٨ ]
الآثار، ومجالات الحوادث التي مرت عليها الأحقاب الطويلة، فكتب المستشرقون التاريخ القديم لبابل وآشور وغيرهما، وأخذوا يلائمون بين الحوادث القديمة المجهولة الزمن ويعرضونها على الناس واضحة نقيّة، منسقة مرتبطًا بعضها ببعض، وطفقوا يعثرون على الصفحات المفقودة من كتاب التاريخ القديم للبشر!
إلا أنهم قد أعياهم البحث والفحص فلم يجدوا الصفحات المفقودة عن حياة نبيّهم!
وقد استفرغ (ريتان) جهده، ولقي من العناء والنصب مبلغًا عظيمًا، ليقف على حياة عيسى كاملة تامة، ومع ذلك فإن شؤون عيسى -﵇- وأحواله لا تزال سرًا مكنونًا في ضمير الزمن، لم يبح به لسانه بعد!
إن عيسى -﵇- عاش في هذه الدنيا ثلاثًا وثلاثين سنة، كما يروي الإنجيل، والأناجيل الموجودة الآن -على ما في رواياتها من ضعف ولبس- مقصورة على ذكر أحواله لمدة ثلاث سنوات من أواخر حياته وحسب!
ونتساءل: أين قضى ﵇ الثلاث أو الخمس والعشرين سنة على الأقل من حياته؟ وفيم قضاها؟ وبأي الأعمال شغل هذا الفراغ الواسع من عمره؟ إن الدنيا لا تعلم عن ذلك شيئًا، ولن تعلم!
وإن السنوات الثلاث الأخيرة التي ذكرت أحواله ماذا نجد فيها؟ آيات ومعجزات معدودات وبعض العظات!
ومن الشروط الضروريّة التي لا بد منها لكل من يرجى أن تكون سيرته وهدايته أسوة للبشر، الشمول والتكامل -كما أسلفنا- والمراد أن الطوائف البشريّة المتفرقة، والطبقات البشريّة المختلفة تحتاج إلى أمثلة كثيرة متنوعة، تتخذها منهاجًا لحياتها الاجتماعيّة!
[ ١ / ٩٩ ]
وكذلك الأفراد في المجتمع البشري هم في حاجة إلى مُثل عليا، يقتدون بها في مناحي حياتهم البيئيّة، لتتوثق الروابط بين الأفراد وتحسن العلاقات بين شتى الطوائف، في داخل الأسرة وخارجها، ولذلك يجب أن تكون تلك المُثل واضحة في جميع مراحل الحياة، ومثاليّة كاملة!
ومن ثم نجد عيسى -﵇ - يمثل الداعية الزاهد الذي غادر الدنيا وهو لا يملك مالًا، ولا دارًا، ولا متاعًا، ونجده في سيرته الموجودة بين أيدي المسيحيّن لا يمثل القائد المحارب، ولا رئيس الدولة، ولا الأب، ولا الزوج، ولا غير ذلك مما تمثله سيرة خاتم النبيّين - ﷺ - من الشمول والتكامل!