وإذا كانت السيرة في اللغة بمعنى الطريقة والسنة، فإنها يراد بها التعرّف على حياة الرسول - ﷺ -، منذ ظهور الإرهاصات التي مهّدت
[ ١ / ١٥ ]
لرسالته (١)، وما سبق مولده من سمات تلقي أضواء رحمانية على طريقة الدعوة المحمديّة، ومولد الرسول - ﷺ -، ونشأته، حتى مبعثه .. وما جاء بعد ذلك من دعوة الناس إلى (الدّين القيّم) .. وما لقي في سبيل نشر هذا الذين من معارضة، وما جرى بينه - ﷺ - وبين من عارضوه من صراع بالبيان والسنان، وذكر من استجاب له - ﷺ -، حتى علت راية الحق، وأضاءت شعلة الإيمان!
إنها نور وهّاج، أفضى إلى ظلمات الجهل والوثنيّة، فانجابت كما ينجاب الغمام، وهدى من الله -﷿- أرسله إلى الإنسانيّة الضالّة، فانتشلها من ضياع، وانتاشها من هلاك، وأنقذها مما كانت تتخبّط فيه من دياجير الظلام، وعقابيل الضلال!
إن الله ﷿ خلق محمدًا - ﷺ - بشرًا سويًّا، ولكنه فوق سائر البشر، وآثاره التي حملتها الأجيال من بعده فوق القُدَر، ونحن معشر المتبعين كان فينا شرف هذا الاتباع إنما ندرك بالتصوير أمثالنا، ومن خواطرنا ومنازع نفوسنا نتعرف نفوس غيرنا، ونحكم على أحوالهم، وإن حاولنا أن ندرك من هو أعلى منا فإنه يجب أن يكون علوه على مَرأى أنظارنا، وفي مطالع آفاقنا، وعندئذ نحاول، وقد نصل .. ولكن الحديث عن حياة الرسول - ﷺ -، في علو لا نصل إليه، وفي سماك لا نراه، وليس منّا من يقاربه حتى نتمثّله ونتخيّله، فأنّى لأمثالنا أن يكتب في شأنه، وأن يعلو إلى قدره؟!
إن ذلك لأمر فوق المنال، ويعلو على مدارك الخيال!
_________________
(١) انظر مقدمة كتابنا: الجامع الصحيح للسيرة النبوّية: ٨ وما بعدها، مكتبة المنار الإسلاميّة، ومؤسسة الريّان، ط أولى ١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م.
[ ١ / ١٦ ]
من أجل هذا نضرع إلى الله -جلّ شأنه- أن يشملنا بغفرانه، إن تسامينا محاولين الوصول إلى الحديث عن حياة الرسول - ﷺ -، فالمعذرة قائمة، والقصور ثابت، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها!
وهنا نحسّ النور يغمر حياتنا، ونشعر بالضوء المنير يكفّ أبصارنا، فأنّى ندرك، وأنّى نرى، وقد صرنا كذي رمد غمره ضوء الشمس، أو ما هو أعلى، فأصابته الحيرة، ولا هادي له يخرجه منها، إلا أن يكون الهُدى من الله، والعون والرشاد، والتوفيق والسداد!
ومن ثم نسأل الله -﷿- أن يهدينا لتصوير حياة الرسول - ﷺ -، أو لتقريبها ما دام التصوير فوق الطاقة، والقاصر معذور، والله -﵎- عفوّ غفور!
ومعلوم أن وجوه عظمة الرسول - ﷺ - قد تعدّدت، بحيث يعجز المحصي عن الإحصاء، والمستقري عن الاستقراء!
وإذا نفدت الطاقة كان الإقرار بالعجز، وبأن الله -﷿- قد صانه وحفظه، وتولاه بعنايته، ورعاه برعايته، حتى كان وحيدًا بين الغلمان بما كلأه الله به وحماه، وصبيًّا فريدًا بين الصبيان، والشابّ الأمين البعيد عن رجس الجاهليّة بين الشباب، فكل شيء في حياته الأولى كان من الخوارق التي علت عن الأسباب والمسبّبات، فلم تكن أثر تربية موجهة، ولا أثر بيئة حاملة، ولا أثر شرف رفيع وإن كان محقّقًا؛ ولكنه كان صنع الله، تمثّلت فيه المعجزة بشخصه وكونه ووجوده، ففيه البشريّة، وفيه المعجزة الإلهيّة!
وصدق الله العظيم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]!
[ ١ / ١٧ ]
والرسالة أمر هائل خطير (١)، أمر كونيّ تتّصل فيه الإرادة الأزليّة الأبديّة بحركة عبد مصطفى، ويتّصل فيه الملأ الأعلى بعالم الإنسان المحدود، وتتصل فيه السماء بالأرض، والدنيا بالآخرة، ويتمثّل فيه الحق الكليّ في قلب بشر، وفي واقع حياة، وفي حركة تاريخ، وتتجرّد فيه كينونة بشريّة من حظ ذاتها لتخلص لله، لا خلوص النيّة والعمل وكفى؛ ولكن خلوص المحلّ الذي يملؤه هذا الأمر الخطير، فذات الرسول - ﷺ - تصبح موصولة بهذا الحق ومصدره صلة مباشرة كاملة، وهي لا تتّصل هذه الصلة إلا أن تكون من ناحية عنصرها الذاتي صالحة للتلقّي المباشر بلا عوائق ولا سدود، ولا قيود ولا حدود!
وهنا نبصر النبوة أمرًا عظيمًا حقًّا، ونتصوّر مجرّد تصوّر لحظة التلقّي عظيمة حقًّا (٢)!
هذا الوحي .. هذا الاتصال العجيب .. هذا الاتصال المعجز الذي لا يملك إلا الله أن يجعله واقعًا يتحقق .. ولا يعرف إلا الله كيف يقع ويتحقّق؟!
تُرى، أيّة طبيعة هذه التي تتلقّى ذلك الاتصال العلويّ الكريم؟!
أيّ جوهر من جواهر الأرواح ذلك الذي يتّصل بهذا الوحي، ويختلط بذلك العنصر ويتّسق مع طبيعته وفحواه؟!
إنه إنسان ذو حدود وقيود، وتلك حقيقة .. ولكنها تتراءى هنالك بعيدًا بعيدًا على أفق عال، ومرتقى صاعد، لا تكاد المدارك تتملاّه!
روح هذا النبيّ .. روح هذا الإنسان الكريم .. تُرى، كيف كانت تحسّ بهذه الصلة؟! وهذا التلقّي؟! كيف كانت تتفتّح؟!
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٣: ١٢٠٢ بتصرف.
(٢) المرجع السابق: ٥: ٣١٧١ بتصرف.
[ ١ / ١٨ ]
كيف كان ينساب فيها ذلك الفيض؟!
كيف كانت تجد الوجود في هذه اللحظات العجيبة التي يتجلّى فيها الحق على الوجود، وتتجاوب جنباته كلها بكلمات الحق؟!
أيّة رعاية؟!
وأيّة رحمة؟!
وأيّة مكرمة؟!
والله العليّ الكبير يتلطّف فيكرم هذه الخليقة فيوحي إليها لإصلاح أمرها، وإنارة طريقها، وردّ شاردها، والله هو الغنيّ الحميد!