وقد أصدر مرجليوث الذي كان أستاذًا للغة العربيّة في (جامعة أكسفورد) سنة ١٩٠٥ م كتابه (محمد) وجعله حلقة في سلسلة (عظائم الأمم) وهو لم يكتب كتابه هذا ليثني فيه على رسول الله - ﷺ -، بل لعله لم يُؤلَّف كاتبٌ بالإِنجليزيّة أشدّ تحاملًا على الرسول - ﷺ - مما جاء في هذا الكتاب، وقد حاول مرجليوث أن يشوه كل ما يتعلق بالسيرة الشريفة، وأن يشكك في أسانيدها، ولم يأل جهدًا في نقض ما أبرمه التاريخ، ومعارضة ما حققّه المحقّقون من المنصفين، لكنه مع كل هذا لم يتمالك عن الاعتراف في مقدمة كتابه بأن الذين كتبوا في سيرة محمد - ﷺ - لا ينتهي ذكر أسمائهم، وأنهم يرون أن من الشرف للكاتب أن ينال المجد بتبوّئه مجلسًا بين الذين كتبوا في السيرة المحمديّة!
_________________
(١) الرسالة المحمدية: ٩٦ وما بعدها بتصرف.
[ ١ / ١٦٦ ]
وقد كتب جون ديون بورت سنة ١٨٧٠ م كتابًا بالإِنجليزيّة في السيرة المحمديّة عنوانه: (اعتذار من محمد والقرآن) والذي يقرؤه يخيّل إليه أنه كتبه بنزعة الإخلاص والإنصاف، يقول في مقدمته: (لا ريب أنه لا يوجد في الفاتحين والمشرعين، والذين سنوا السنن، من يَعْرفُ الناسُ حياتَهُ وأحواله أكثر تفصيلًا وأشمل بيانًا، مما يعرفون من سيرة محمد - ﷺ - وأحواله)!
وألقى ريورند باسورث سميث Basworth smith عضو كلية التثليث في أكسفورد سنة ١٨٧٤ م محاضرات عن (محمد والمحمديّة) في الجمعية الملكيّة لبريطانيا، طُبعت كتابًا -كان أيضًا- أشدّ تحاملًا على الرسول - ﷺ -!
وإذا أراد الإنسان أن يفهم الأحداث ويفسرها، ويربطها بما قبلها وما تلاها، ينبغي أن يكون لديه الاستعداد لإدراك مقومات النفس والحياة (١)!
- مقومات النفس البشريّة: روحيّة، وفكريّة، وحيويّة!
- ومقومات الحياة الإنسانيّة: معنويّة، وفطريّة، وماديّة!
وأن يفتح روحه وفكره للحادثة، ويستجيب لوقوعها في مداركه، ولا يرفض شيئًا من استجاباته لها إلا بعد تحرّج وتمحيص ونقد!
وإذا كان يتلقّاها -بادئ ذي بدء- وهو معطل الروح، أو الفكر، أو الحس، عن عمد أو غير عمد، فإن هذا التعطيل المتعمّد أو غير المتعمّد يحرمه استجابة معيّنة للحادثة التاريخيّة، وعنصرًا من عناصر إدراكها وفهمها على الوجه الكامل، ومن ثم يجعل تفسيره لها خاطئًا أو ناقصًا!
_________________
(١) في التاريخ: فكرة ومنهاج: ٢٧ وما بعدها بتصرف، والهجرة النبويّة: ٢٧ وما بعدها.
[ ١ / ١٦٧ ]
هذه الاستجابة الناقصة، هي أول ظاهرة تتّسم بها بحوث هؤلاء عن الموضوعات الإسلاميّة، وبخاصة السيرة النبويّة، ذلك أن هناك عنصرًا ينقص طبيعة هؤلاء بصفة عامة، لإدراك الحياة الإسلامية، بصفة خاصة (عنصر الروحيّة الغيبيّة) وبخاصة في العصور الحديثة بعد غلبة النظريّات الماديّة، والطريقة التجريبيّة على وجه أخص، وكلما كانت هذه الموضوعات الإسلاميّة ذات صلة وثيقة بالفترة الأولى من حياة الإسلام، كان نقص الاستجابة إليها أكبر في العقليّة الاستشراقيّة الحديثة!
وقد ذكرت (عنصر الروحيّة الغيبيّهَ) على وجه الخصوص؛ لأنه أظهر ما يبدو فيه هذا النقص في الطبيعة عند هؤلاء، وفيه تكمن معظم أوجه الاختلاف بين الطبيعتين، وهي شتى، وكثيرة!
هذه المقدمة لا بد منها لبيان ما في تناول هؤلاء للسيرة النبويّة من:
- نقص طبيعيّ في الإدراك والتقدير!
- ونقص طبيعيّ في الفهم والتعبير!
- ونقص طبيعيّ في التفسير والتصوير!
ذلك أن انعدام عنصر من عناصر الاستجابة للحادثة أو ضعفه لا بد أن يقابله نقص في القدرة على النظر إلى الحادثة من شتى جوانبها .. وضياع عنصر من عناصر التقويم والحكم أمر لا يؤمن معه سلامة الحكم، أو على الأقل لا يسلم على علاته!
هذا النقص يعدّ عيبًا في منهج العمل ذاته، وليس مجرد خطأ جزئي في تفسير حادثة، أو تصوير حالة!
[ ١ / ١٦٨ ]
ومن ثم فالمنهج التبشيري الاستشراقي في البحث في السيرة النبويّة يسبّب تعطيل أحد عناصر الاستجابة، سواء كان ناشئًا عن الطبيعة الغربيّة ذاتها وملابسات حياتها البيئيّة والتاريخيّة، أم ناشئًا عن تعمد المؤرخ تعطيل هذا العنصر، استجابة لمنهج معيّن في الدراسة .. هذا المنهج غير صالح لتناول الحياة الإسلاميّة، ويتجلى عدم الصلاحية أوضح وأقوى في جانب الدراسات التي تتعلق بالرسالة والرسول - ﷺ -!
وثمة سبب معيب في قيمة الدراسات التاريخية عند هؤلاء للحياة الإسلاميّة!
ذلك، أنه لا يخفى أن كل مرئي يختلف شكله باختلاف زاوية الرؤية، وكذلك الشأن في الأحداث والوقائع!
والأوروبيّ بطبيعة الحال ميّال إلى اعتبار أوروبّا هي محور العالم، فهي نقطة الرصد في نظره، ومن هذه الزاوية ينظر إلى الحياة والناس والأحداث!
وإذا كان بدهيًا أن أوروبّا لم تكن هي محور العالم في كل عصور التاريخ، والأوروبيّ لا يملك اليوم أن يتخلّص من وهم وضعها الحاضر حين ينظر إلى الماضي .. أدركنا مدى انحراف الزاوية التي ينظر بها الأوروبيّ للحياة الإسلاميّة، وبخاصة السيرة النبويّة .. ومدى أخطاء الرؤية .. ومدى أخطاء التفسير والأحكام الناشئة من هذه الرؤية المعيّنة!
ذلك كله على افتراض النزاهة العلميّة المطلقة، وانتفاء الأسباب التي تؤثّر على هذه النزاهة!
فإذا نحن وضعنا في الحساب ما لا بدّ من وضعه، وما لا يمكن إغفاله من
[ ١ / ١٦٩ ]
أسباب ملحّة قاهرة عميقة، طويلة الأجل، متجدّدة البواعث، تؤثّر في نظرة الأوروييّ، للرسالة والرسول، وللحياة الإسلاميّة، وللعالم الإسلامي:
- من اختلاف في العقيدة!
- إلى كراهية للرسالة والرسول!
- إلى ذكريات تاريخيّة مريرة!
- إلى صراع سياسي واقتصادي واستعماري!
- إلى نزوات شخصيّة والتواءات فكريّة!
- إلى آخر تلك البواعث القديمة والمتجددة أبدًا!
إذا نحن وضعنا في الحساب ذلك كله -ولابد أن نضعه لنضع الأمور في نصابها- وأضفنا إليه خطأ الرؤية .. أمكن أن نتعرف حقيقة الدراسات التبشيريّة الاستشراقيّة في الفكر الإسلامي -وبخاصة في السيرة النبويّة- وأن نتحرز التحرز العلمي الواجب .. لا من قبول هذه الدراسات على علاتها فحسب؛ بل من قبول المنهج الذي قامت عليه، ومحاولة اتباعه في دراستنا الإسلاميّة على وجه خاص!