وإن خير ما يتدارسه المسلمون (١)، ولا سيما الناشئة وطلاب العلم، ويُعنى به الباحثون والكاتبون دراسة السيرة المحمدية، إذ هي خير معلّم ومثقف، ومهذّب ومؤدّب، فيها ما ينشده المسلم، وطالب الكمال من دين ودنيا، وإيمان واعتقاد، وعلم وعمل، وآداب وأخلاق، وسياسة وكياسة، وإمامة وقيادة، وعدل ورحمة، وبطولة وكفاح، وجهاد واستشهاد في سبيل العقيدة والشريعة، والمُثل الإنسانيّة الرفيعة، والقيم الخُلقيّة الفاضلة!
لقد كانت السيرة مدرسة تخرج فيها أمثل النماذج البشريّة، وهم الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين!
وكان السلف الصالح من هذه الأمة الإسلاميّة يدركون ما لسيرة الرسول - ﷺ -، وسيرة أصحابه النبلاء، من آثار حسنة في تربية النشء، وتنشئة جيل صالح لحمل رسالة الإسلام، والتضحية في سبيل تبليغها بالنفس والمال .. ومن ثم كانوا يتدارسون السيرة ويحفظونها، ويلقنونها للغلمان، كما يلقنونهم السور من القرآن!
قال زين العابدين علي بن الحسين بن علي: (كنا نُعلم مغازي رسول الله - ﷺ -، كما نعلم السورة من القرآن)!
وقال الزهري: (في علم المغازي خير الدنيا والآخرة)!
_________________
(١) السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة: ١: ٧ وما بعدها بتصرف: دكتور محمد أبو شهبة، دار القلم، دمشق، ط أولى ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.
[ ١ / ٥١ ]
وقال إِسماعيل بن محمد بن سعيد بن أبي وقاص: (كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا، ويقول: يا بني، هذه شرف آبائكم، فلا تضيّعوا ذكرها) (١)!
نعم، والله! إنها لشرف الآباء، والمدرسة التي يُرَبَّى فيها الأبناء!
وسبق أن أشرنا إلى أن التاريخ سجل منذ فجر الرسالة صيحات من هنا وهناك، تشكّل في إطارها سيل منهمر من الحقد الأعمى على الرسالة والرسول - ﷺ -، في القديم والحديث سواء!
وهنا يطالعنا قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣]!
وقوله جل شأنه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٨، ٩]!
ونبصر هؤلاء لا يقفون عند حد الانحراف عن دين الحق، وعبادة أرباب من دون الله، وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر -وفق المفهوم الصحيح للإيمان بالله واليوم الآخر- إنما هم يعلنون الحرب على الرسالة والرسول - ﷺ - ويريدون إطفاء نور الله في الأرض، المتمثّل في هذا (الدّين القيّم)، وفي الدعوة التي تنطلق به في الأرض، وفي المنهج الذي يصوغ على وفقه حياة البشر!
_________________
(١) انظر: شرح الزرقاني: ١: ٣٩٢ دار المعرفة، بيروت.
[ ١ / ٥٢ ]
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾!
فهم محاربون لنور الله، سواء بما يطلقونه من أكاذيب ودسائس وفتن، على الرسالة والرسول - ﷺ -، أو بما يحرّضون به أتباعهم على حرب هذا الدّين وأهله، والوقوف سدًا في وجهه، كما يشهد الواقع على مدار التاريخ (١)!
﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣]!
وهو الوعد الحق من الله، الدال على سنّته التي لا تتبدّل، في إتمام نوره بإظهار دينه، ولو كره الكافرون!
وهو وعد تطمئن له قلوب الذين آمنوا فيدفعهم إلى المضيّ في الطريق على المشقّة واللأواء في الطريق، وعلى الكيد والحرب من الكافرين .. ويتضمّن الوعيد لهؤلاء وأمثالهم على مدار الزمان!
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾!
وهذا توكيد لوعد الله .. ولكن في صورة أكثر تحديدًا .. فنور الله الذي قرر سبحانه أن يتمّه، هو دين الحق الذي أرسل به رسوله محمدًا - ﷺ - ليظهره على الدّين كله!
ولقد وقف هؤلاء في وجه (الدّين القيّم) وقفة العداء والتضليل (٢) ..
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٣: ١٦٤٣ بتصرف.
(٢) المرجع السابق: ٦: ٣٥٥٧ بتصرف.
[ ١ / ٥٣ ]
حاربوه -كما سيأتي- بالاتهام .. وحاربوه بالدس والوقيعة داخل المعسكر الإسلامي، للإيقاع بي المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج!
وحاربوه بالتآمر مع المنافقين تارة ومع المشركين تارة!
وحاربوه بالانضمام إلى معسكرات المهاجمين، كما وقع في غزوة الأحزاب!
وحاربوه بالإشاعات الباطلة، كما جرى في حديث الإفك!
ولم تضع الحرب أوزارها حتى اللحظة!
وهي حرب طويلة سنعرض لها في هذه الدراسات بعون الله وتوفيقه!
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾!
وأتمّ الله نوره في حياة الرسول - ﷺ -، فأقام الجماعة الإسلاميّة صورةً حيّةً واقعةً من المنهج الإسلامي .. ذات معالم واضحة، وحدود مرسومة، تترسّمها الأجيال، لا نظريّة في بطون الكتب، ولكن حقيقة في عالم الواقع!
وأتم الله نوره فأكمل للمسلمين دينهم، وأتمّ عليهم نعمته، ورضي لهم الإسلام دينًا يحبّونه، ويجاهدون في سبيله .. وتمّت حقيقة (الذين القيم) في القلوب وفي الأرض سواء!
وما تزال هذه الحقيقة تنبعث بين الحين والحين، وتنبض وتنتفض قائمة، على الرغم من كل ما جرد على الإسلام والمسلمين من حرب وكيد وتنكيل وتشريد، وبطش شديد!
[ ١ / ٥٤ ]
ونور الله لا يمكن أن تطفئه الأفواه، ولا أن تطمسه النار والحديد، في أيدي العبيد!
وإن خيّل للطغاة البغاة العتاة، ومن يشايعهم، أنهم بالغوا هذا الهدف البعيد!
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾!
وشهادة الله لهذا الدّين بأنه (الهدى ودين الحق) هي الشهادة، وهي كلمة الفصل التي ليس بعدها زيادة!
وقد ظهر الدّين قوّةً وحقيقةً، فدانت له معظم الرقعة المعمورة في الأرض، في مدى قرن من الزمان!
ثم زحف زحفًا سلميًا بعد ذلك إلى قلب آسيا وأفريقيا وغيرهما!
وما يزال يمتدّ بنفسه .. رغم ما يرصد له في أنحاء الأرض من حرب وكيد، ومن تحطيم للحركات الإسلاميّة، على أيدي عملاء السيل المنهمر من الحقد الأعمى على الرسالة والرسول - ﷺ -!
وما تزال لهذا (الدّين القيّم) أدوار في تاريخ البشريّة يؤدّيها، ظاهرًا بإذن الله تعالى على الدّين كله، تحقيقًا لوعد الله، الذي لا تقف له جهود العبيد المهازيل، مهما بلغوا من القوّة والكيد والتضليل!
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح]!
[ ١ / ٥٥ ]
وما من صاحب دين آخر أو مذهب مادي، ينظر في الإسلام نظرةً مجرّدة من التعصّب والهوى، حتى يقرّ باستقامة هذا (الدّين القيّم) وقوّته على قيادة البشريّة قيادةً رشيدةً، وتلبية حاجاتها النامية المتطوّرة في يسر واستقامة!
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾!
فوعد الله قد تحقق في الصورة الظاهرة قبل مضيّ قرن من الزمان بعد البعثة المحمديّة!
ووعد الله ما يزال متحقّقًا في الصورة الموضوعية الثابتة، وما يزال الدّين ظاهرًا في حقيقته، في معالم الرسالة، وحياة الرسول - ﷺ -!
ويطالعنا بعد ذلك مباشرة قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح]!
ونبصر ذكر منزلة الرسول - ﷺ - بالثناء عليه من الله تعالى، وذكر منزلة الصحابة ﵃ بالثناء عليهم، وأنهم -كما قال ابن كثير (١): (خلصت نيّاتهم، وحسنت أعمالهم، وكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم)!
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٤: ٢٠٤.
[ ١ / ٥٦ ]
وقال مالك - ﵁ -: (بلغني أن النصارى كانوا إِذا رأوا الصحابة -﵃- الذين فتحوا الشام يقولون: والله! لهؤلاء خير من النصارى فيما بلغنا)!
وصدقوا في ذلك، فإن هذه الأمّة معظمة في الكتب المتقدّمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقد نوّه الله تعالى بذكرهم في الكتب المنزلة، والأخبار المتداولة!
ونبصر صورة مؤلفة من عدة معالم لأبرز حالات هؤلاء الصحابة الكرام ﵃ (١) .. فهم:
﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾!
فهي الشدّة لله، والرحمة لله .. وهي الحميّة والسماحة للعقيدة .. فليس لهم في أنفسهم شيء، ولا لأنفسهم فيهم شيء .. وهم يقيمون عواطفهم ومشاعرهم، كما يقيمون سلوكهم وروابطهم على أساس عقيدتهم وحدها، يشتدّون على أعدائهم فيها، ويلينون لإخوتهم فيها .. قد تجرّدوا من الأنانية ومن الهوى، ومن الانفعال لغير الله، والوشيجة التي تربطهم بالله!
وإرادة التكريم واضحة، وهو يختار من هيئاتهم وحالاتهم، هيئة الركوع والسجود، وحاله العبادة!
﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾!
والتعبير يوحي كأنما هذه هيئتهم الدائمة التي يراها الرائي حيث رآهم .. ذلك أن هيئة الركوع والسجود تمثل حالة العبادة، وهي الحالة الأصيلة لهم في
_________________
(١) في ظلال القرآن: ٦: ٣٣٣٢ بتصرف.
[ ١ / ٥٧ ]
حقيقة نفوسهم، فعبر عنها تعبيرًا يثبتها كذلك في زمانهم، حتى لكأنهم يقضون زمانهم كله ركّعًا سجّدًا!
وتطالعنا بواطن نفوسهم، وأعماق سرائرهم!
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾!
وتلك صورة مشاعرهم الدائمة الثابتة .. كل ما يشغل بالهم، وكل ما تتطلّع إليه أشواقهم، هو فضل الله ورضوانه، ولا شيء وراء هذا الفضل والرضوان يتطلّعون إليه، ويشغلون به!
ويطالعنا أثر العبادة الظاهرة، والتطلّع المضمر في ملامحهم، ونضحها على سماتهم!
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾!
والسيما: العلامة، وقيل: المراد بها بياض يكون في الوجوه يوم القيامة، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وهو رواية عن ابن عباس -﵄- وفي رواية عن مجاهد: السيماء في الدنيا: هو السمت الحسن، وعن مجاهد أيضًا: هو الخشوع والتواضع!
ولا منافاة بينها، حيث يكون السمت في الدنيا: الحسن الذي ينشأ عن التواضع والخشوع، وفي الآخرة يكون في جباههم نورًا (١)!
واختار لفظ السجود؛ لأنه يمثل حالة الإذعان والخشوع، والانقياد والخضوع، والعبوديّة لله -﷿- في أكمل صورها، فهو أثر الخشوع والخضوع، في ملامح الوجه، حيث تتوارى الخيلاء والكبرياء والفراهة، ويحلّ
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري: ٢٦: ١١٢.
[ ١ / ٥٨ ]
مكانها التواضع النبيل، والشفافية الشافعية، والوضاءة الهادئة، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن وضاءةً وصباحةً ونبلًا!
قال أمير المؤمنين عمر الفاروق - ﵁ -: (من أصلح سريرته أصلح الله تعالى علانيّته)!
وقال أمير المؤمنين عثمان - ﵁ - (١): (ما أسرّ أحد سريرة إِلا أبدلها الله تعالى على صفحات وجهه، وفلتات لسانه)!
والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله تعالى أصلح الله -﷿- ظاهره للناس!
وقال بعضهم: (إِن للحسنة نورًا في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبّة في قلوب الناس)!
وتلك الصورة الوضيئة المضيئة للصحابة -﵃- ليست مستحدثة، إنما هي ثابتة في لوحة القدر، ومن ثم فهي قديمة جاء ذكرها في التوراة!
﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾!
وصفتهم التي عرفهم الله بها، وبشّر الأرض بها قبل أن يجيئوا إليها!
﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾!
وهكذا نبصر مثلهم ثابتًا في صفحة القدر، قبل أن يجيء محمد خاتم النبيّين - ﷺ - ومن معه!
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ٤: ٢٠٤.
[ ١ / ٥٩ ]
ونبصر صفة هذه الجماعة المختارة .. صحابة رسول الله - ﷺ - واضحةً ثابتةً في صلب الوجود، تتجاوب بها أرجاؤه .. وتبقى نموذجًا للإنسانيّة، تحاول جاهدة أن تحققها، لتحقّق معنى الإيمان في أعلى الدرجات!
ونبصر فوق هذا التكريم كله .. وعد الله -﷿- بالمغفرة والأجر العظيم!
وهو وعد يجيء في هذه الصيغة العامة، بعد ما تقدّم من صفتهم التي تجعلهم أوّل الداخلين في هذه الصيغة العامة!
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾!
وذلك التكريم وحده حسبهم، وذلك الرضى وحده أجر عظيم .. ولكنه الفيض الإلهي بلا حدود ولا قيود. والعطاء الإلهي عطاء غير مجذوذ!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): (ولا ريب أن هذا مدح لهم بما ذكر من الصفات، وهو الشدّة على الكفار، والرحمة بينهم، والركوع والسجود، يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا .. والوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم ليس على مجرد هذه الصفات، بل على الإِيمان والعمل الصالح، فذكر ما به يستحقون الوعد، وإِن كانوا كلهم بهذه الصفة، ولولا ذكر ذلك لكان يظن أنهم بمجرد ما ذكر يستحقون المغفرة والأجر العظيم، ولم يكن فيه بيان سبب الجزاء، بخلاف ما إِذا ذكر الإِيمان والعمل الصالح، فإِن الحكم إِذا علق باسم مشتق مناسب كان ما منه الاشتقاق سبب الحكم)!
_________________
(١) منهاج السنة: ١: ١٥٨ دار الكتب العلمية، بيروت.
[ ١ / ٦٠ ]
ترى، هل آن لنا أن نبصر مكانة هؤلاء الصحابة الكرام، ﵃ .. ونبصر وجوب محبّتهم وتعظيمهم وتوقيرهم، ونبصر ضرورة الاقتداء بهم، والأخذ بآثارهم، لما شرفهم الله به من صحبة رسول الله - ﷺ -، والجهاد معه، لنصرة دين الإسلام، وصبرهم على أذى المشركين ومن على شاكلتهم، والهجرة عن أوطانهم وأموالهم، وتقديم حبّ الله ورسوله - ﷺ - على ذلك كله (١)!
ونحاول أن نستشرف وجوه هؤلاء الصحابة الكرام وقلوبهم .. وهم يتلقّون هذا الفيض الإلهيّ من الرضى والتكريم والوعد العظيم .. وهم يرون أنفسهم هكذا في كتاب الله .. وينظر بعضهم في وجوه بعض فيرى أثر النعمة التي يحسّها هو في كيانه!
ولكن أنّى لبشر لم يكن معهم ولم يعايش حياتهم أن يتذوّق ذلك إلا من بعيد .. رجاء أن يكرمه الله بحبّهم فيقرّب له البعيد!
ونحاول -جاهدين- أن نعيش معهم في رحاب السيرة النبويّة، وهم يجاهدون في الله حق جهاده، ويرفعون لواء الحق عاليًا، وهم أزكى الأمّة وأطهرها .. ونترسم خطاهم!
رجاء أن ترجع إلينا سيرتنا الأولى، وتهبّ نفحات القرن الأول، ويولد للإسلام عالم جديد يكون قضاءَ الله الغالبَ، وقدرَه الذي لا يرد!
_________________
(١) انظر: شرح الطحاوية: ٤٦٧، والشرح والإبانة على أصول السنة والديانة: ٢٧١.
[ ١ / ٦١ ]