ونجد أنفسنا أمام ضرورة وجوب التسليم بحديث شقّ الصدر، فقد روى مسلم وغيره عن أنس بن مالك: أن رسول الله - ﷺ - أتاه جبريل ﵇، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشقّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظّ الشيطان منك، ثم غسله في طمست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إِلى أمّه (يعني ظئره) فقالوا: إِن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره (٢)!
_________________
(١) حياة محمد: ١١٠ - ١١٢.
(٢) مسلم: ١ - الإيمان (١٦١)، وأحمد: ٣: ١٢١، ١٤٩، ٢٨٨، وأبو يعلى (٣٣٧٤)، وأبو نعيم: دلائل النبوة (١٦٨)، والبغوي: شرح السنة (٣٧٠٨)، والبيهقي: دلائل النبوة: ٢: ٥، والحاكم: ٢: ٥٢٨ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد أخرجه مسلم، والأصبهاني: دلائل النبوة: ١: ٢٥١ - ٢٥٣، وعبد بن حميد (١٣٠٨)، وأبو عوانة: ١: ١٢٥، وابن حبان: الإحسان (٦٣٣٤، ٦٣٣٦)، وابن عساكر: السيرة النبويّة: ٣٧٠، ٣٧١، وابن خزيمة: التوحيد: ١: ٥٢١ - ٥٢٨، والدارمي: الرد على الجهميّة: ٣٤، والنسائي: الكبرى (٣١٤)، والآجري: الشريعة: ٤٨١ - ٤٨٢.
[ ١ / ١٨٧ ]
وفي رواية للشيخين وغيرهما عن قتادة عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة في حديث الإِسراء والمعراج: فأتيت بطست من ذهب ملآن حكمة وإِيمانًا، فشق من النحر إِلى مراق البطن، ثم غسل البطن بماء زمزم، ثم ملئ حكمة وإِيمانًا .. (الحديث) (١)!
قال ابن حجر: استنكر بعضهم وقوع شق الصدر ليلة الإسراء، وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواترت الروايات به، وثبت شق الصدر -أيضًا- عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في (الدلائل) ولكل منهما حكمة!
فالأول: وقع فيه من الزيادة، كما عند مسلم من حديث أنس: (فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك)، وكان هذا في زمن الطفولة، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث، زيادة في إكرامه؛ ليتلقّى من ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء، ليتأهّب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرّة الثالثة، كما تقرر في شرعه - ﷺ -!
وجميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك، من الأمور
_________________
(١) البخاري: ٥٩ - بدء الخلق (٣٢٠٧)، ٦٣ - مناقب الأنصار (٣٨٨٧)، ومسلم: ١ - الإيمان (١٦٤)، وأحمد: ٤: ٢٠٧ وما بعدها، والفتح الرباني: ٢٠: ٢٤٤ وما بعدها، والنسائي: ١: ٢١٧ - ٢١٨، ابن حبان: الإحسان (٧٤٠٦)، والترمذي مختصرًا (٣٣٤٦)، وابن قانع: معجم الصحابة: ٣: ٥٢، والطبراني: الكبير: ١٩: ٢٧٠ (٥٩٩)، وانظر: تحفة الأشراف: ٨: ٣٤٦ (١١٢٠٢).
[ ١ / ١٨٨ ]
الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له، دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك!
قال القرطبي في (المفهم): لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير (١)!
وبهذا تتهافت تلك الدعاوى واحدة بعد الأخرى في إنكار حديث شق الصدر!