وتفاعلت في نفسي من نفحات السيرة النبوية، ودورها في بناء المجتمع الإسلامي .. ما يبصّرنا معالم الطريق في واقعنا المعاصر .. منذ صبيحة ليل بيروت، وما جدّ بعده من أحداث .. فيما يلي (١):
يا قومنا هل تذكرون بشائرا دَقَّت على الأفهام أن تُتَصوّرا
أعطت لنا معنى الحياة وعزّها من وحيها النور الوضيء تحدّرا
وبنورها فجرٌ فريد قد بدا لنرى به وجه الحقيقة مُسْفرا
فجر أتى فمحا الظلام بنوره وبنى المصلَّى بل أضاء المنبرا
وكأننا في الغار نرقب ما جرى ومحمد في الغار يعتزل الورى
* * *
_________________
(١) ألقيت بعضها في معاهد التربية الخاصة بالكويت، في حفل منظمة التحرير الفلسطينيّة في ذكرى مولد الرسول - ﷺ - عام ١٣٩٣ هـ، وبعضها في حفل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عام ١٣٩٤ هـ.
[ ١ / ٦٢ ]
يا قومنا هل تذكرون محمدًا والروح هلّل في السماء وكبّرا؟
يا قومنا هل تذكرون حبيبكم والوحي في آياته متكررا؟
هل تذكرون اقرأ فهذا أمرنا واجهر بدين الله واصدع منذرا؟
فهنا سما فوق الحياة وإِصرها متساميًا لمعالمٍ لن تحصرا
في لمحة ترك المكان خلالها ليقول عمن لا يُحدّ ولا يُرى
وهنا بدا صوت الحقيقة واضحًا لم يُبقِ منه قصّةً أو منظرا
أعطى الحياة جلالها ووقارها حتى نرى فيه الوجود الأكبرا
* * *
صلى عليك الله يا خير الورى في يوم مولدك الشريف وطهّرا
[ ١ / ٦٣ ]
يا خير خلق الله يا علم الهدى يا نفحة الرحمن يا نورًا سرى
قد كان قبلك كل شيء مظلما والحق كان لدى المكابر منكرا
كانت حياة الناس طرًّا لعبة شنعاء بل سفرت أخسّ وأحقرا
ما بين أصنام تُطاف وعصبة تدعو بعزّ جدودها وتكاثرا
حتى أتيت فأشرقت شمس الهدى فإِذا جميع الخلق أضحى مبصرا
وإِذا طواغيت تهاوت جملة فتحرّرت من ظلمها أممٌ ترى
وإِذا الإِخاء يعمّ حتى أصبحوا جسدًا يحس بما لأضعفهم جرى
والعدل والإِحسان رفرف عاليًا والنصر للإِسلام أصبح مظهرا
[ ١ / ٦٤ ]
فإِذا أُصبنا في الحروب بنكسة ترتاد من ظلم النفوس القهقرى
فاليوم أوضحت الأمور وأظهرت ما كان من سبب الهزائم مضمَرا
الغرب والشرق الجحود كلاهما كالرجفة الهيجاء تعصف بالقرى
يعطون من كل القذائف نحونا نارًا تؤجّج في الضلوع وخنجرا
نارًا تحرِّق كل ما فوق الثرى تصلي مزيدًا في البلاء ومحورا
في ليلة ليلاء قامت عصبة ملعونة رعناء تأتي المنكرا
في أرض لبنان الأبيّ مهازل كالموج يعصف بالديار مزمجرا
وكان قومي في غياهب ليلهم والموت يدخل كل دار في الذرا
والحقد غذته اللعوب مرارة والبيت في شعب هنالك أقفرا
[ ١ / ٦٥ ]
والجبن في هذا الجبان قد انزوى وكأننا في الكهف نرقب ما جرى
وهنا نلاقي في الشوارع خنفسا ببغاء يصرخ في الهواء مكررا
من كل لون في الضلال ووزره وإِذا تقدمّ للقتال تأخّرا
يا أيها الهيبي المخالف ربه ماذا أقول بما أحسّ وما أرى؟
يا أيها الرجل المدلّي شعره طولًا أشدّ من البنات وأنضرا
أنت الجهالة والضلالة ركّبا من كل شيطان هوى أن يحفرا
قبرًا هنا للمسلمين جميعهم والكلّ يهوي في متاهات السرى
قبرًا هنا يبني بكل خطيئة ليضمّ جيلًا للمعاصي سخّرا
[ ١ / ٦٦ ]
ويضمّ جيلًا للرسول مخالفا ويضم جيلًا للمعارك قصّرا
ويضمّ جيلًا للمكارم تاركًا والعلم نزرًا والحديث مثرثرا
عصر الهزائم عاش فيه جنابهم عاث المضلّل فيه حتى أدبرا
باسم التقدّم يهدمون لأنهم يجدون كل حديث دين منكرا
* * *
يا أمة الأخلاق هذا جيلنا يلقاك بالخلق الوضيع مصعّرا
إِن كان لا يدري فتلك جهالة مهما ادّعى أن الحياة تحرّرا
كنا نؤمل أن يكون سلوكهم خلقًا قويمًا في المدائن والقرى
يا أمتي إِن الصراط لواضح والحق قد أوحى السبيل وحرّرا
[ ١ / ٦٧ ]
يا أمة الإِسلام هذا حالنا هلًا بصف واحد لن يكسرا؟
هلاّ بدين الحق يحمي جيشنا ويعيد في يده اللواء مظفرا
فالله قد رسم الطريق لنصرنا فلم المتاهة في المذاهب يا ترى؟
* * *
الله أكبر قالها خير الورى للعالمين هدايةً وتحرّرا
وسراجها الوهّاج أرسل نوره يهدي الضرير ويرشد المتحيّرا
نور سرى فكسا المنارة ضوؤه وعلا نداء الله جلّ مكّبرا
* * *
الله أكبر قالها جيش سرى فوق الحمام ليستعين ويعبرا
[ ١ / ٦٨ ]
فإِذا القناة تقاصرت أطرافها وكأن كل الجيش يزحف في الثرى
وحباه وعد الله ﷻ نصرًا أتى بعد الهزائم مبهرا
في شدة الأحداث يأتي وعده ليعين من عرف الكتاب وأبصرا
ويعين من تبع النبي محمدًا ويريه نور الحق أوضح ما يرى
في قوة بدأ القتال وجنده ملك الزمام وذلّل المتكبّرا
ومشى على متن القناة ومائها ورقى على هول الصعاب غضنفرا
لولا العقيدة ما تحرّك خطوة أبدًا ولا بالنصر عاد مظفّرا
حمل اللواء وقام بضرب وافدًا داس الكرامة والقداسة مهدرا
دستوره بين الأنام خيانة عدد النجوم شواهد لن تنكرا
[ ١ / ٦٩ ]
إِن ترجع الماضي تجد لك شاهدًا حقًّا وإِن يك في الصحائف سطّرا
فحقائق التاريخ خير مواعظٍ للمؤمنين وسل بذلك من قرا
حقب من الأهوال تحمل عبرة ماذا بهذا القزم حتى يفخرا؟
والخطب أكبر والحياة مريرة بين الأنام سفاهة وتحدّرا
* * *
الله أكبر دوحة أحيى بها أشهى لديّ من الحياة وأنضرا
وزعيم دوحتها الحبيب محمد نور من الرحمن أهدي للورى
ما إِن قرأت ولا سمعت حديثه حتى أحسّ به بروحي قد سرى
وكأنه يوحى لأول مرة والروح يزجيه مهيبًا نيّرا
[ ١ / ٧٠ ]
في حبه أجد الحياة سعيدة وأحسّ وجه الحور فيه مسفرا
قبس من الإِيمان شع ضياؤه فأنار ما أخفى الظلام وأظهرا
لو كان فينا نوره ما أطبقت كسف الظلام على النفوس كما نرى
لو كان دستور السماء دليلنا لرأيت من فيض العجائب أنهرا
لو كان فينا سنة الهادي لما جرؤ الطغاة وطأطأت لهم الذرا
* * *
عفوًا حبيب الروح إِني حائر وبكل ناحية أرى خَطْبًا عرا
وعلى ربوع القدس خيّم باطل من ظلم صهيون تجبّر وافترى
والحرب قائمة نخوض غمارها وتواجه الأخلاق حربًا أخطرا
[ ١ / ٧١ ]
والصوت في سمع الزمان شعاره شر المبادئ ما يباع ويشترى
* * *
الله أكبر باسم ربّي وحده نحمي الشريعة والكتاب النيّرا
والظلم يأذن بالرحيل ولن ترى من ملحد باغ ولا متجبّرا
* * *
قسمًا سأصدع بالكتاب مجاهرًا ومجاهدًا حتى أغيَّب في الثرى
حتى يعود إِلى النفوس صفاؤها فترى هداها بالجلال مسورا
حتى يعود إِلى القلوب ضياؤها فترى النبي مشفّعًا ومبشّرا
وترى الحبيب مجاهدًا ومصابرًا وترى الرسول مثابرًا ومبصّرا
وترى الحياة سعيدة وهنيئة وترى الطريق موضّحًا ومحرّرا
[ ١ / ٧٢ ]
صدق الولاء يشدّني حيث التُّقى باسم الحنيفة بالكتاب مذكّرا
من كل معنى للعقيدة قائم وبكل حب كان نورًا نيّرا
نورًا ترى فيه إِذا أحببته معنى الحياة وعزّها متفجّرا
حبًا لدين الله كان ولم يزل مسكًا بأفواه الزمان وعنبرا
* * *
يا حبّنا لك في القلوب مكانة تسمو وتعلو كل حب أثّرا
الحبّ أنت فمنك يعلم أمره وإِليك يرجع يا حبيبي آخرا
صدق اليقين أمانة لك في دمي يأبى لها الإِيمان أن تتغيّرا
لست الذي يرضى الحيانة مذهبًا ويرى التقلّب في العقيدة متجرا
[ ١ / ٧٣ ]
إِن كنت للرسل الكرام إِمامهم فلأنت للدنيا صباح أسفرا
ولأنت للقلب المعنَّى حبه أبدًا أرى فيك الحبيب الأطهرا
* * *
يا حبّنا لما ذكرتك أشرقت روحي فأنظر للبرايا حضّرا
في ساحة الميزان أرقب رحمة تسمو فتهدي المخلصين الكوثرا
والنار في غليانها وحريقها والظالمون على الصراط تعثّرا
يهوون في نار تذيب جلودهم والعقل من هول العذاب تحجّرا
فمضى يولول في الجحيم ونارها وهوى يجلجل في الوعيد مكشّرا
مستصرخًا من كل أنّات النوى ويكاد يفنيه اللهيب مسعّرا
[ ١ / ٧٤ ]
حتى يذوق الذل في جبروتها يهوي هشيمًا في الجحيم مبعثرا
يتجرّعون صدديدها وجحيمها من كل لون في العذاب مكرّرا
حتى الثياب مقيسة ومحيكة كفنًا أعدّ من الجحيم محرّرا
يمسي ويصبح بالوعيد مجددا يعطى عقابًا بالخطايا مشترى
وهنا ترى اللعنات فيما بينهم وترى الحديث ملفّقًا ومزوّرا
وترى التبرؤ والتنصّل شاملًا ما كان في الدرج الذوائب والذرا
وهنا ترى تلك الوجوه كئيبة وحسيرة تصلى سعيرًا ممطرا
ومشاهدًا أخرى هنالك غيرها حتى ترى فوق العجائب ما ترى
حتى ترى هذا الرجيم إِمامهم يلقي بدائرة الملام ومنكرا
[ ١ / ٧٥ ]
وهنا فقط يعظ اللعين موضحًا وهنا فقط يعظ اللعين مقرّرا
والكل يرجو أن يفوز بجنة والحق يحكم ليس يحكم فجّرا
هلا تبعت إِلى النجاة محمدًا حتى تفوز إِلى الجنان وتعبرا
فهو السبيل إِلى الحياة وعزّها بل رحمة للعالمين مبشّرا
لا تطفئ الأحقاب من أنواره أبدًا يساقط عن ضياه الأعصرا
* * *
يا أمة الإسلام قودي للهدى كل الخليقة أسودًا أو أحمرا
حتى نرى سِلمًا يعود ورحمة ونرى الوجود مضمّخًا ومعطّرا
ونرى الشباب تحسنت أخلاقه مسكًا بأفواه الزمان وعنبرا
[ ١ / ٧٦ ]
ونرى الظلام تكسرت أمواجه والناس قد لزموا الكتاب المبصرا
ونرى حياة الخلق طرًّا حلوة لو أنهم تبعوا السراج النيّرا
ونرى بلاد المسلمين تحرّرت من كل شيطان أتى مستعمرا
ونرى فلسطين الأبيّة أصبحت علمًا يرفرف بالسلام ومفخرا
ومآذن القدس الشريفة أذّنت والمسجد الأقصى هنالك كبّرا
والنور يسري في ربوع حياتنا والأرض تلتحف البساط الأخضرا
ونرى كتاب الله يحكم شرعه بين الخلائق قاضيًا ومدبّرا
فتهزّنا الأصداء من إِرعاده والقلب لمَّا أن جفاه تفطّرا
وتهزّنا الكلمات من آياته والروح لمَّا أن هواه تعطّرا
[ ١ / ٧٧ ]
يتدفّق الإِيمان في عبراتنا وهنا نرى الوطن الأبيّ تحرّرا
ونرى رسول الله في سنن الهدى عادت لتحيي كل شيء أقفرا
والشمس بالتوحيد أشرق نورها والخلق هلّل وجههم وتنوّرا
والحبّ والإِيمان جاء لقلبنا والنصر للإِسلام جاء معطّرا
والأزهر المعمور بشّر داعيًا والقيروان أتى يحيي الأزهرا
ومن هنا كان هذا الكتاب معالم ضروريةّ لكل مسلم، وردًّا للشبهات، ودحضًا للمفتريات، في مواجهة ذلك السيل المنهمر من الحقد الدفين عبر التاريخ على محمد خاتم النبيّين - ﷺ -!
بيّنت فيه ما وفقني الله تعالى إليه من خصائص حياة الرسول - ﷺ -، ودورها في بناء المجتمع الإسلامي، في ضوء القرآن الكريم، والسنة وفق قواعد التحديث رواية ودراية، ومكانة الرسالة والرسول - ﷺ -، وحاجة الإنسانيّة إلى اتباعه - ﷺ -!
[ ١ / ٧٨ ]
واقتضت منهجية البحث أن نقدِّم خصائص السيرة ومصادرها.
والله أسأل: التوفيق والسداد!
والعون والرشاد!
إنه سميع مجيب!
الكويت في: ٢٢ من جمادى الأولى ١٤٢٨ هـ ٢٧ من مايو ٢٠٠٨ م
راجي عفو ربه
سعد محمد محمد الشيخ (المرصفي)
أستاذ الحديث وعلومه كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الكويت. سابقًا
[ ١ / ٧٩ ]