وحياة الرسول - ﷺ - صفحة عريضة فريدة وحيدة، من صفحات الجهاد لإنقاذ البشريّة، ومثلًا صادقًا فريدًا وحيدًا لمُثُلِ البرّ والمرحمة، وسيرة عالية، رفيعة الشأن، جليلة القدر، عظيمة النفع، كبيرة الفائدة، تلمع أضواؤها في الكتاب والسنّة وفق قواعد التحديث روايةً ودرايةً، متضمنة نفحات هذا الهُدى، وومضات ذلك الإشراق!
وما كان لباحث منصف يسعى إلى إيفاء حياة الرسول - ﷺ - حقها من البحث والتحليل، إلا أن يدرك أنها غنيّة بأحداثها، من حيث كونها:
- واقعيّة مثاليّة!
- حركيّة أخلاقيّة!
- قياديّة روحيّة!
[ ١ / ١٩ ]
- فقهيّة حضاريّة (١)!
وقد شهد الرسول - ﷺ - في هذا العالم تعليم الله وهدايته (٢)، وبشّر الصالحين بالفوز والنجاح، والنجاة والفلاح، فهو (مبشّر)!
ونادى الغافلين، وأسمع الصمّ، وحذّر المذنبين عاقبة ذنوبهم، وأنذر المشرفين على الهلاك، وأيقظ النائمن، فهو (منذر)!
ودعا إلى الله من ضلّ عن سبيل الحق والهُدى والفوز، فهو (داع)!
وإن هو إلا نور يستضاء به إلى يوم القيامة، ونبراس يستنار بأشعّته في شعاب الحياة الملتوية، فتنكشف به الظلمات المتراكمة، فهو (السراج المنير) إلى الأبد!
وصدق الله العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ [الأحزاب: ٤٥]!
نعم، إن جميع الأنبياء كانوا شهداء ودعاة ومبشّرين ومنذرين، بيد أن هذه الصفات لم تكن هكذا في جميع الرسل .. بل كان بعضها في بعضهم أظهر من أخواتها!
فقد غلبت على يعقوب وإسحاق وإسماعيل -﵇- صفة الشهادة، فكانوا شهداء الحق!
_________________
(١) انظر كتابنا: الهجرة النبويّة ودورها في بناء المجتمع الإسلامي: ٢٠ وما بعدها، مكتبة الفلاح، ط ثانية ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.
(٢) الرسالة المحمديّة: ٤٢ وما بعدها: السيد سليمان الندوي، دار الفتح، دمشق ط ثالثة ١٣٩٣ هـ - ١٩٧٣ م.
[ ١ / ٢٠ ]
وغلبت على إبراهيم وعيسى -﵉- صفة التبشير، فكانا مبشّريْن!
ومن الأنبياء من غلب عليه وصف الإنذار لمن خالف الحق وجحده، فكانوا منذرين، كنوح، وموسى، وهود، وشعيب - ﵈!
ومنهم من غلبت عليه صفة الدعوة إلى الحق، وامتاز بها أكثر مما امتاز بسائر النعوت الأخرى، كيوسف ويونس - ﵉!
وأما من كان جامعًا لهذه الصفات كلها، واتصف بها جميعًا، وكان مبشّرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، وكانت حياته ملأى بهذه النعوت والشؤون، وسيرته ممتازة بهذه الخصال وتلك الخلال، فهو محمد خاتم النبيين - ﷺ -، المبعوث ليختم الله به النبوات؛ فأُعطي الرسالة الأخيرة ليبلغها إلى البشر كافة، وجاء بالشريعة الكاملة التي لا يحتاج البشر معها إلى غيرها، ولن تنزل من السماء إلى الأرض شريعة على قلب بشر بعد هذه الشريعة!
لقد حظيت الرسالة المحمديّة بالخلود، واختصّت بالبقاء والدوام إلى يوم القيامة، فكانت نفس محمد - ﷺ - جامعةً لجميع الأخلاق العالية، والعادات السنيّة!